أنباء وآراء

الأدمغة اليافعة تستقبل البروتينات على نحو أفضل

أفاد اكتشاف بأنّ كمية البروتينات المنقولة عبر الدم، التي تدخل أدمغة الفئران اليافعة والسليمة، تكون أكبر من تلك التي تدخل أدمغة الحيوانات المسنة. وهو اكتشاف من شأنه أنْ يغير فهْمنا للحاجز الدموي الدماغي، وكيف أنه يتغير مع التقدم في العمر.

روبن إن. مُنجي، وريتشارد دانيمان
  • Published online:

تتصف الأوعية الدموية في الدماغ بخصائص تقلل من نفاذيتها للأيونات، والجزيئات، والخلايا الموجودة في الدم1. والحاجز الدموي الدماغي (BBB) الذي تشكله هذه الأوعية يلعب دورًا مهمًّا في سلامة أداء الخلايا العصبية، وفي حماية الدماغ من الأضرار، لكنه في الوقت نفسه يمثل عائقًا رئيسًا أمام دخول الأدوية إلى الدماغ. وقد افترض العلماء سابقًا أن نفاذية الحاجز الدموي الدماغي تزداد مع التقدم في العمر، لكن يانج وزملاءه2 وقعوا على اكتشاف مختلف إلى حد كبير. فقد أوضح هؤلاء الباحثون أن الحاجز الدموي الدماغي يسمح للبروتينات المنقولة عبر الدم بدخول الدماغ السليم بمعدلات أعلى بكثير مما كان يُعتقد سابقًا، وأن إجمالي ما يدخل الدماغ من بروتينات بلازما الدم يتناقص في الواقع مع تقدم العمر. ويمكن لهذه الدراسة أن تساعد الباحثين على فهم كيفية استجابة الدماغ للإشارات الجهازية الخاصة بالبروتينات، وكذلك دور الحاجز الدموي الدماغي في تراجع القدرات المعرفية الإدراكية المرتبط بالتقدم في العمر. وربما تقود هذه الدراسة أيضًا إلى تحسين الطرق التي يمكن عن طريقها توصيل الأدوية إلى الدماغ.

يُنظر إلى الحاجز الدموي الدماغي في بعض الأحيان على أنه مجرد حاجز ساكن غير منفذ، لكنه في الحقيقة يتمتع بالكثير من الخصائص الديناميكية، منها ما يتعلق بالنواحي الفيزيائية، ونقل المواد، والوظائف المناعية، وغيرها، وكلها خصائص تعمل معًا على التنظيم المُحكَم لحركة الجزيئات بين الدم والدماغ، وبالتالي تتحكم في بيئة الدماغ الجزيئية. ومن الأسئلة المحورية هنا: ما هي بالضبط المواد التي تعبر الحاجز الدموي الدماغي؟

تصدى يانج وزملاؤه لهذا السؤال بفحص الطريقة التي تدخل بها البروتينات الموجودة في بلازما الدم إلى الدماغ. وفي حين ركزت دراسات سابقة3-5 على تتبع حركة البروتينات خارجية المنشأ (التي ليست ضمن البيئة الأصلية لجسم الكائنات) بعد حقْنها في الجسم، عمد يانج وزملاؤه إلى وسم بروتينات داخلية المنشأ توجد في بلازما الفئران، ثم أعادوا حقن الفئران بها مرة أخرى. وتمكن الباحثون بهذه الطريقة من تتبع حركة هذه البروتينات التي تتفاعل بشكل طبيعي مع الحواجز الدموية الدماغية لدى الفئران. وقد تبين للباحثين أنه في الفئران البالغة السليمة، تدخل إلى الدماغ كمية من بروتينات البلازما أكبر بكثير مما كان يُعتقَد في السابق، ومن ثم، فإن هذه البروتينات يُحتمَل أن تتفاعل مع دوائر الخلايا العصبية. ويشير هذا الاكتشاف إلى أن طائفة عريضة من وظائف الخلايا العصبية، بما في ذلك الوظائف المتحكمة في المزاج والسلوك، ربما يمكن تعديلها عن طريق الإشارات الجهازية الخاصة بالبروتينات.

ومن هذا الاكتشاف، برهن الباحثون على أن كمية بروتينات البلازما التي تتمكن من النفاذ إلى الدماغ تكون أقل في الفئران المسنة عنها في الفئران اليافعة. وكان ذلك مفاجئًا، لأن دراسات عديدة من تلك التي استُخدمت فيها وسائل تتبُّع لحركة المواد خارجية المنشأ كانت قد أشارت إلى أن نفاذية الحاجز الدموي الدماغي تزداد مع التقدم في العمر، وأبرزت دور هذه الزيادة كأحد العوامل التي تسهم في تدهور القدرات المعرفية الإدراكية، المرتبط بالتقدم في العمر7،6.

قام يانج وزوملاؤه بالتوفيق بين هذه النتائج التي تبدو مختلفة، من خلال إظهار التغيّرات المرتبطة بالعمر، التي تطرأ على آليات نقل البروتينات عبر الخلايا البِطانية التي تبطِّن الأوعية الدموية للحاجز الدماغي الدموي (شكل 1). ووجد الباحثون أنه في الفئران اليافعة كانت الطريقة السائدة لنقل البروتينات هي تلك التي تتضمن ارتباط بروتينات محددة بالمستقبِلات الموجودة على الغشاء البلازمي في الخلايا البِطانية. وعند حدوث هذا الارتباط، تُدمج هذه المستقبلات في حويصلات، ثم تُنقَل عبر الخلايا، وهي العملية المعروفة باسم النقل المتوسَّط بالمستقبلات عبر الخلايا. وفي الفئران المسنة، يقل معدل النقل المتوسَّط بالمستقبلات عبر الخلايا على نحو ملحوظ، في حين يزداد معدل النقل غير المتوسَّط بالمستقبلات (العشوائي، أو غير النوعي) عبر الخلايا، وهو ما يؤدي إلى أن تدخل الدماغ تشكيلةٌ أكبر، وغير محددة الأنواع، من بروتينات البلازما. ومِن المرجَّح أن الدراسات السابقة التي استخدمت جزيئات خارجية المنشأ لم تركز إلا على قياس عمليات النقل العشوائي، أو غير النوعي عبر الخلايا، ومن ثم، فقد فاتها رصد نفاذ الغالبية العظمى من أنواع بروتينات البلازما إلى أدمغة الفئران اليافعة. ويمكن أن يكون اكتشاف التدهور في السيطرة على نوعية البروتينات التي تدخل إلى الدماغ بالتزامن مع التقدم في العمر مؤشرًا يدل على أن قدرة الدماغ على استقبال الإشارات النوعية الخاصة ببروتينات البلازما تتغيّر مع التقدم في العمر.

شكل 1. التغيرات المرتبطة بالعمر في عملية دخول البروتينات إلى الدماغ. تحدّ الخلايا البِطانية الداخلية التي تبطن الأوعية الدموية للدماغ من عملية دخول البروتينات المنقولة عبر الدم إلى الدماغ، غير أن بعض البروتينات يَعبر هذه الخلايا بداخل حويصلات. ويشير يانج وزملاؤه2إلى أن الطرق التي تعبر من خلالها البروتينات الخلايا البطانية تتغير مع العمر. وعلى سبيل المثال، في الصورة (أ): في الفئران اليافعة، يكون النمط السائد لدخول البروتينات إلى الدماغ هو النقل المتوسَّط بالمستقبلات عبر الخلايا، وفيه ترتبط بروتينات معينة بمستقبلات، ثم تعبر من الدم إلى الدماغ داخل حويصلات. وهناك نمط آخر يلعب دورًا أضعف، هو النقل غير النوعي عبر الخلايا، الذي يحدث فيه إدماج للبروتينات في حويصلات على نحو عشوائي. وفي الصورة (ب): في الفئران المسنة، تقل الكمية الإجمالية للبروتينات التي تدخل الدماغ، وفي حين يرتفع معدل النقل غير النوعي عبر الخلايا، ينخفض معدل النقل المتوسَّط بالمستقبلات عبر الخلايا. ومن الممكن أن يكون لهذا التحول علاقة بالتدهور في القدرات المعرفية الإدراكية المرتبط بتقدم العمر.

شكل 1. التغيرات المرتبطة بالعمر في عملية دخول البروتينات إلى الدماغ. تحدّ الخلايا البِطانية الداخلية التي تبطن الأوعية الدموية للدماغ من عملية دخول البروتينات المنقولة عبر الدم إلى الدماغ، غير أن بعض البروتينات يَعبر هذه الخلايا بداخل حويصلات. ويشير يانج وزملاؤه2إلى أن الطرق التي تعبر من خلالها البروتينات الخلايا البطانية تتغير مع العمر. وعلى سبيل المثال، في الصورة (أ): في الفئران اليافعة، يكون النمط السائد لدخول البروتينات إلى الدماغ هو النقل المتوسَّط بالمستقبلات عبر الخلايا، وفيه ترتبط بروتينات معينة بمستقبلات، ثم تعبر من الدم إلى الدماغ داخل حويصلات. وهناك نمط آخر يلعب دورًا أضعف، هو النقل غير النوعي عبر الخلايا، الذي يحدث فيه إدماج للبروتينات في حويصلات على نحو عشوائي. وفي الصورة (ب): في الفئران المسنة، تقل الكمية الإجمالية للبروتينات التي تدخل الدماغ، وفي حين يرتفع معدل النقل غير النوعي عبر الخلايا، ينخفض معدل النقل المتوسَّط بالمستقبلات عبر الخلايا. ومن الممكن أن يكون لهذا التحول علاقة بالتدهور في القدرات المعرفية الإدراكية المرتبط بتقدم العمر.

كبر الصورة

ولفهم الآلية التي يتم بها نقل البروتينات عبر الحاجز الدموي الدماغي، طوَّر يانج وزملاؤه طريقة لإيضاح العلاقة بين مستوى امتصاص بروتينات البلازما في كل خلية بِطانية، ونمط التعبير الجيني الخاص بهذه الخلية، ثم حللوا الطريقة التي تتغير بها هذه العلاقة على امتداد شجرة الأوعية الدموية في الجسم. وقد كشف هذا التحليل عن وجود تدرج في عملية امتصاص بروتينات البلازما على امتداد الشجرة الوعائية، يكون فيه معدل الامتصاص أقل ما يمكن عند الجانب الشرياني (وهو الجانب الذي يصل إليه الدم قادمًا من القلب، ويكون ضغط الدم عنده في أعلى معدلاته)، ويصل إلى أعلى ما يمكن عند الجانب الوريدي (الجانب الذي يبدأ عنده رجوع الدم إلى القلب، ويكون ضغط الدم عنده في أدنى درجاته). ومن هنا، يزداد نقل البروتينات كلما نقص ضغط الدم في الأوعية الدموية.

حدد الباحثون أيضًا الجينات التي يرتبط التعبير عنها في الخلايا البِطانية -سواء طرديًّا، أو عكسيًّا- بمعدل امتصاص بروتينات البلازما. وربما تكون معرفة مجموعة الجينات هذه مفيدة في تحديد المستقبلات عَبْر الغشائية، التي تلعب دورًا في النقل المتوسَّط بالمستقبلات عبر الخلايا. ويمكن استهداف مستقبلات كهذه بغرض التحايل، وإيصال الأدوية إلى الدماغ على طريقة "حصان طروادة"8، التي يجري فيها تصميم بروتينات، لكي ترتبط بمستقبلات عَبْر غشائية بعينها، من تلك التي تستطيع عبور الحاجز الدموي الدماغي، مثل مستقبِل الـ"ترانسفيرين". ونظرًا إلى أن معدل النقل المتوسَّط بالمستقبلات عبر الخلايا يتناقص مع تقدم العمر، فإن بيانات يانج وزملائه تشير إلى أن فاعلية طرق حصان طروادة هذه المستخدَمة في الوقت الحالي (مثل تلك المعتمِدة على مستقبِل الـ"ترانسفيرين") سوف تنخفض هي الأخرى مع تقدم العمر، لكن واضعي الدراسة وجدوا أن التعبير عن الجين المسمى Alpl يزداد في الخلايا البِطانية للأوعية الدموية في دماغ الفئران المسنة، وأن التثبيط الدوائي للبروتين ALPL، الذي يرمِّزه جين Alpl، يرفع معدل النقل المتوسَّط بالمستقبِل "ترانسفيرين" عبر الخلايا. وبالتالي، يمكن أن يُستخدَم ذلك التثبيط كطريقة لتعزيز استراتيجية حصان طروادة لإيصال الأدوية إلى الدماغ، وتحديدًا عند الأشخاص كبار السن.

وتوفر النتائج التي حصل عليها يانج وزملاؤه نظرة مُعمّقة تسترعي الاهتمام حول نفاذية البروتينات إلى داخل الدماغ، غير أن هناك بعض أوجه القصور التي يجب أخذها في الاعتبار. فعلى سبيل المثال، ركّز أغلب التجارب التي تعَقَّبَ فيها باحثو الدراسة البروتينات على القياس الكمّي لنفاذ البروتينات إلى الدماغ بشكل إجمالي، فيما كشفت بوضوحٍ دراسات المؤلفين التي استخدموا فيها تصوير الدماغ عن أن مستويات البروتينات الموسومة تكون في بعض مناطق الدماغ أعلى منها في مناطق أخرى، ومن بينها مناطق قريبة من بطينات الدماغ، وهي التجاويف التي تحتوي على السائل الدماغي الشوكي، وفي المساحات المحيطة مباشرة ببعض الأوعية الدموية. وتستطيع مكونات البلازما أن تصل إلى الدماغ بطريقة أخرى غير الحاجز الدموي الدماغي، وذلك من خلال الحواجز الموجودة بين الدم، والسائل الدماغي الشوكي. وهي حواجز توجد في الضفيرة المشيمية للبطينات الدماغية، وفي الأغشية السحائية التي تغطي الدماغ، غير أن الإسهام النسبي لكل حاجز في عملية إيصال بروتينات البلازما إلى الدماغ ما زال مبهمًا. وليس من المعروف أيضًا ما إذا كانت البروتينات تصل إلى الدماغ بأكمله، أم أن وصولها يقتصر على مناطق معينة. ولذلك، فإنّ مدى تفاعُل بروتينات البلازما مع الدوائر العصبية المختلفة ليس واضحًا أيضًا.

وإضافة إلى ذلك، فإن الدراسة لا تحدد بدقةٍ البروتينات التي تدخل إلى الدماغ. ولذلك، فمن غير الواضح ما إذا كانت مسارات النقل المتوسَّط بالمستقبلات عبر الخلايا تؤثر على قسم فرعي صغير من البروتينات فحسب (مثل البروتينين "ترانسفيرين"، و"لبتين")، أم أن تأثيرها يمتد إلى طيف عريض من البروتينات. ولتحديد هذه البروتينات، يمكن للدراسات المستقبلية أن تدمج بين طريقة الوسم التي اتبعها يانج وزملاؤه، وطريقة تحديد نمط البروتينات، اعتمادًا على قياس طيف الكتلة. وسيكون سد هذه الفجوات في معارفنا ضروريًّا للوقوف على الطريقة التي تؤثر بها بروتينات البلازما على وظائف الدوائر العصبية، ولتطويع آليات محددة من آليات الحواجز الدماغية على نحو يسمح بتوجيه عمليات إيصال العقاقير المستهدفة.

تفتح دراسة يانج وزملائه كذلك الباب أمام عدة مسارات تقودنا إلى المزيد من الأبحاث. فأولًا، سيكون من المهم أن نفهم كيف يؤثر التغير المرتبط بالعمر في معدلات دخول البروتينات إلى الدماغ على وظائف الدوائر العصبية، وما إذا كان ذلك يلعب دورًا في تدهور القدرات المعرفية الإدراكية المصاحب لتقدم العمر، أم لا. وثانيًا، سيكون من المثير للاهتمام أن نفهم كيف يتغير وصول البروتينات إلى الدماغ بفعل عوامل مختلفة، مثل نشاط الخلايا العصبية، ونوع الغذاء، والأمراض العصبية. وثالثًا، لا تمثل البروتينات إلا نوعًا واحدًا من الجزيئات الموجودة في الدم. ومن ثم، فإن المقارَبات المماثلة التي تستخدم طرق تحليل عمليات الأيض، وتستطيع تحديد مجموعة الجزيئات القادرة على الوصول إلى الدماغ بالكامل، من شأنها أن تسمح لنا بتطوير فهْم أعمق للطريقة التي ينظم بها الحاجز الدموي الدماغي البيئة العصبية، وكيف يتغير ذلك بالتزامن مع تقدم العمر.

References

  1. Profaci, C. P., Munji, R. N., Pulido, R. S. & Daneman, R. J. Exp. Med. 217, e20190062 (2020). | article
  2. Yang, A. C. et al. Nature 583, 425–430 (2020). | article
  3. Poduslo, J. F., Curran, G. L., Wengenack, T. M., Malester, B. & Duff, K. Neurobiol. Dis. 8, 555–567 (2001). | article
  4. Poduslo, J. F., Curran, G. L. & Berg, C. T. Proc. Natl Acad. Sci. USA 91, 5705–5709 (1994). | article
  5. Yu, Y. J. & Watts, R. J. Neurotherapeutics 10, 459–472 (2013). | article
  6. Nation, D. A. et al. Nature Med. 25, 270–276 (2019). | article
  7. Marques, F., Sousa, J. C., Sousa, N. & Palha, J. A. Mol. Neurodegen. 8, 38 (2013). | article
  8. Pardridge, W. M. BioDrugs 31, 503–519 (2017). | article

روبن إن. مُنجي، وريتشارد دانيمان، يعملان في قسمَي علم الأدوية، وعلوم الأعصاب، في جامعة كاليفورنيا، سان دييجو، لا هويا، كاليفورنيا 92093، الولايات المتحدة الأمريكية.

البريد الإلكتروني:

rmunji@health.ucsd.edu

rdaneman@health.ucsd.edu