تعليقات

فلنَسْتَعِن بتكتيكات إدارة الأزمات في توفير مستلزمات مواجهة الجائحة لمن يحتاجها

يمكن لإجراءات الطوارئ التي تحافظ على استمرار إمدادات الكهرباء، وتَوَفُّر الأغذية في بنوك الطعام، أن تساعد كذلك في توفير معدات الوقاية لأطقم الرعاية الصحية.

بيتر كرامتون، وأكسل أوكنفِلس، وألفن إي. روث، وروبرت بي. ويلسون
  • Published online:
عمال ينتجون ملابس ومعداتٍ واقية أخرى، لتُستخدَم خلال الجائحة.

عمال ينتجون ملابس ومعداتٍ واقية أخرى، لتُستخدَم خلال الجائحة.  

Credit: Fadel Senna/AFP/Getty

لقد ضربت لنا جائحة فيروس كورونا مثالًا عمليًّا على ما يُعرَف في الاقتصاد بمفهوم "إخفاق السوق". فكما شهدنا أثناء تسابُق دول العالم خلال الجائحة على شراء معدات الوقاية الشخصية (PPE)، وأجهزة التنفس الاصطناعي، وأدوات الفحص، والمطهرات، وغيرها، انهار التوازن بين التسعير والعرض والطلب في أوقات الأزمات.

ففي تلك الأوقات، يصبح أمرًا غير أخلاقي بيعُ الموارد الشحيحة لمَن يعرض السعر الأعلى، إذ إن المستشفيات لا يمكنها أن تدفع أثمانًا باهظة لشراء المعدّات اللازمة لإنقاذ أرواح المرضى، ولا ينبغي لها أن تفعل ذلك (انظر الفقرة "إخفاق السوق"). وفي بعض الأحيان، تصبح الأسعار التي تُوازِن بين العرض والطلب غير مقبولة1. لذا، هناك حاجة إلى طرقٍ أفضل لتسعير الموارد الطبية الضرورية، وتوزيعها، بما في ذلك أي أدوية ولقاحات قد تتوفر لمكافحة مرض "كوفيد-19".

خلال جائحة فيروس كورونا الحالية، زاد الطلب على معدات الوقاية الشخصية، وأدوات الفحوص التشخيصية، والمسحات، والمطهرات، وفاقَ المعروضَ منها بقدرٍ كبير. لذا، أدى النقص في هذه المعدات إلى وقوع خسائر في الأرواح. وأرغم ذلك الوضع الأطباء في إيطاليا على فرز الحالات، وانتقاء تلك التي ستوضَع على أجهزة التنفس الاصطناعي، وكذلك اضطر العاملون في مجال الصحة في الولايات المتحدة إلى إعادة استخدام الكمامات وملابس الفرق الطبية، وأفاد الممرضون في المملكة المتحدة بأنَّهم اضطروا إلى صنع ملابس واقية من أكياس القمامة.

وارتفعت كذلك أسعار تلك المعدات ارتفاعًا خياليًّا. فقد ذكرت منظمة الصحة العالمية أنَّه بنهاية شهر فبراير الماضي، كانت أسعار الكمامات الجراحية قد زادت على أسعارها قبل الوباء بست مرات، وزادت أسعار أقنعة التنفس الطبية بثلاث مراتٍ عن سعرها المعتاد، وتضاعفت أسعار ملابس الفرق الطبية. كما حذفت شركات "أمازون" Amazon، و"إي باي" eBay، و"فيسبوك" Facebook آلافًا من أقنعة الوجه وزجاجات مطهرات الأيدي المعروضة بأسعارٍ باهظة من مواقعها الإلكترونية. هذا بالإضافة إلى أنَّ الحكومات تُحقِّق في آلافٍ من الشكاوى المتعلقة ببيع تلك المستلزمات بأسعارٍ مُبالَغ فيها على نحوٍ غير مشروع.

ويمثل انعدام الكفاءة في توزيع تلك الموارد مشكلةً كبيرة أيضًا. ففي حين يملك بعض المستشفيات فائضًا من معدات الوقاية الشخصية، نفدت تلك المعدات من مستشفياتٍ أخرى، وما زال بعضها حبيس المستودعات، والمخازن، والمختبرات الصغيرة. وإضافةً إلى ذلك، يضرب الفيروس أماكن مختلفة في أوقاتٍ مختلفة.

وتُبالِغ مستشفيات –خشية من نفاد ما لديها من معدات- في تقدير احتياجاتها في الاستبيانات التي تستخدمها الحكومات -في كثيرٍ من الأحيان- لمعرفة احتياجات كل مستشفى. ومثلما سارع الناس إلى شراء ورق المرحاض، حتى نفد من على أرفف المتاجر، فإنَّ تكديس المستلزمات الطبية يَحُول دون وصولها إلى مَن هم في حاجة ماسّة إليها.

وقد شهدنا كذلك إخفاقًا في التنسيق على مستوى الحكومات، مثلما حدث -على سبيل المثال- من تنافسٍ بين الدول والولايات المختلفة في سباقٍ فوضوي لحيازة المعدات الطبية7.

وفي الوقت الحالي، يتعين على الحكومات أن تدفع من المال قدر ما يمكنها لحثّ المُصنِّعين على زيادة إنتاج المستلزمات الطبية على المدى القصير، كما يمكنها ضمان وجود طلبات شراء لهذه المستلزمات مستقبلًا، لدعم السوق2.

كذلك يجب على الحكومات أن تتعلم من القطاعات الأخرى التي لديها بالفعل استراتيجيات خاصة بالأزمات، مثل قطاع الكهرباء، وتلك القطاعات التي من غير المقبول فيها أن تُسعَّر السلع بأعلى سعرٍ يمكن للسوق أن يدفعه، مثل بنوك الطعام المُنشأة لإطعام الجياع3. وبوجه خاص، يمكن لغرف المقاصة وأدوات التحكم في أسعار العملات أن تعيد الموازنة بين العرض والطلب، وتُشجِّع تداوُل السلع، دون فرض أسعارٍ مُبالَغ فيها4.

غرفة مقاصة مركزية

يستعين معظم أسواق الكهرباء بغرفة مقاصة مركزية، وهي جهة تشغيل مستقلة، تديرها -في كثير من الأحيان- منظمة غير هادفة إلى الربح، وتُنظِّم عملها لجنة مرافق، لتحدد أسعارًا للكهرباء تتماشى باستمرار مع العرض والطلب. ووجود مثل هذه الغرفة يُعَد ضرورةً تقنية لعمل شبكات محطات الطاقة، حتى تستمر إمدادات الكهرباء بسلاسة5. فحين ينخفض العرض، أو يرتفع الطلب، ترفع غرفة المقاصة أسعار الطاقة، لتشجيع شركات توليد الكهرباء على إنتاج مزيدٍ منها، ولحث المستهلكين على تقليل الاستهلاك. كما أنَّ تلك الغرف لديها احتياطيات من الكهرباء، وخططٌ بديلة تلجأ إليها، حتى لا تنقطع إمدادات الطاقة الكهربية أثناء الأزمات.

فعلى سبيل المثال، في أغسطس من عام 2017، دمَّر إعصار هارفي أكثر من 200 خط نقل كهرباء في ولاية تكساس الأمريكية، إذ تَسبَّب في سقوط أمطار، بلغ منسوبها 132 سنتيمترًا، وسط رياحٍ وصلت سرعتها إلى 212 كيلومترًا في الساعة، و42 ألف صاعقة برق. ومع ذلك، لم يحدث أي انقطاعٍ للتيار الكهربائي، فبروتوكولات السوق التي حددتها غرفة المقاصة موضوعة بدقة للتعامل مع مثل هذه الأزمات.

تعمل تلك البروتوكولات كما يلي: حين تتوقف إمدادات الكهرباء، يرتفع سعرها ارتفاعًا حادًّا، حتى يصل إلى سعرٍ مُحدَّد مسبقًا. وفي تكساس، على سبيل المثال، يصل هذا السعر إلى 9 آلاف دولار أمريكي لكل ميجاواط في الساعة، أي ما يعادل تقريبًا السعر المعتاد مضاعَفًا ثلاثمائة مرة. حينها، تبدأ منظومة طوارئ في العمل. وهذه المنظومة تمنع قواعدها الموردين من التأثير على الأسعار، ويُدفع فيها لشركات توليد الطاقة مُقابلٌ عادل، كافٍ لتحفيزها على إمداد الكهرباء بأكبر قدر ممكن.

أمَّا من ناحية الطلب، ففي الوقت ذاته يُشجِّع هذا الارتفاع الحاد في الأسعار المستهلكين على تقليل استهلاكهم للطاقة متى استطاعوا، فتُغلِق مَسابِك الألومنيوم أبوابها، وتُوقِف أجهزة المنازل الذكية عمل مكيفات الهواء. وهذا الانخفاض في الطلب يحدّ من زيادة أسعار الكهرباء. وبهذا، تستمر إمدادات الكهرباء، دون انقطاع، بأقل تكلفة للمستهلكين.

ورغم أنَّ تلك العملية تبدو سهلةً من الناحية النظرية، فإن تفاصيلها تتسم بالتعقيد، وذلك يرجع في الأساس إلى صعوبة تخزين الكهرباء، فمنظومتها تنطوي على آلاف القيود التي يجب الالتزام بها في كل لحظة.

ويُمكِن لمنظومةٍ مماثلة أن تُسهِّل توفير المعدات الطبية. وهذه المنظومة قد تكون إقليميةً، أو محلية، إلا أنَّها كلما كانت أكبر، ازدادت فعاليتها. فعلى سبيل المثال، أن تكون غرفة المقاصة خاصة بالاتحاد الأوروبي أفضل من أن تكون خاصةً بألمانيا فقط، وهذا بدوره أفضل من أن تكون خاصةً بولاية بافاريا الألمانية وحدها. ويمكن استخدام المخزون المتوفر من المعدات الطبية كإجراءٍ وقائي، حتى لا تكون هناك حاجة إلى الموازنة بدقة بين العرض والطلب. وبينما يُحفِّز ارتفاع الأسعار زيادة الإنتاج، فإنَّ توزيع المعدات الطبية في حالات الطوارئ ينبغي أن يستند إلى أولويات المجتمع، وتقديرات احتياجاته الأساسية، وليس إلى الأسعار. ومن ثم، يصبح التحدي هنا هو كيفية تقدير الاحتياجات الفعلية لكل مستشفى أو دار رعاية، ومتى تحتاجها هذه المنشآت.

ويجب أن تستند تلك التقديرات إلى بيانات حول ديناميات العدوى، وتوفُّر الطواقم المُدرَّبة، والكميات المُخزَّنة من المعدات الطبية. وهذه البيانات متاحة في بعض البلدان على الأقل. ومن ثم، يُستخدم حينها نموذجٌ حاسوبي، لتحديد أفضل طريقة لتخصيص كميةٍ محددة من مخزون المعدات الطبية، لتوفيره لكل مستشفى، لتأمين أفضل حماية للطواقم الطبية في الخطوط الأمامية بالمناطق الأكثر تضررًا، ولإنقاذ أكبر عدد من الأرواح.

مستودعٌ مؤقت لتوزيع الطعام المُتبرَّع به للأسر المحتاجة في ولاية ماساتشوستس.

مستودعٌ مؤقت لتوزيع الطعام المُتبرَّع به للأسر المحتاجة في ولاية ماساتشوستس.

Credit: Erin Clark/The Boston Globe/Getty

ومن شأن هذا النموذج أن يستوعب تقلُب مستويات الإنتاج والاحتياج في السوق العالمية، وأن يضع في الاعتبار توقيتات ذروة انتشار الوباء في الأماكن المختلفة، فحين يتراجع الطلب في مستشفى ما، يُمكن حينها نقل الموارد الطبية إلى مستشفى آخر يُتوقع أن يزيد الطلب فيه زيادةً حادة، أو توشك إمداداته على النفاد. ويجب لهذا النموذج أن يأخذ في اعتباره الكثير من المنتجات الطبية المختلفة. فهناك أنواعٌ من المنتجات تُستخدم في المعتاد مع بعضها بعضًا. وعلى سبيل المثال، يحتاج القائمون على تشغيل أجهزة التنفس الاصطناعي إلى معدات الوقاية الشخصية. ويمكن للنموذج أن يستند إلى النماذج اللوجستية الحالية، مثل نموذج شركة "أمازون" Amazon، أو سوق الكهرباء.

تكمن صعوبة تطبيق ذلك النموذج في معوقات عدة، منها أن الحصول على بياناتٍ دقيقة في معظم الدول شديد الصعوبة، كذلك يصعب تغيير قواعد التداوُل التجاري والتسعير في حالات الطوارئ، في الوقت الذي يسارع فيه السياسيون ومديرو الأزمات وأطقم الطوارئ إلى تلبية الطلبات العاجلة؛ للحصول على المعدات. كما أـنَّ غرف المقاصة لن تملك حينها سلطة تحديد مُخصَّصات المستشفيات، إذ إنَّ مسؤولي الحكومات والوكالات، والموردين هم مَن يتولون تحديد كميات الموارد، في حين أن الغرف من شأنها أن تخدم كجهة عامة داعمة، تضمن توزيع الموارد بشفافية وحكمة، وأي خروجٍ عن توصيات البروتوكول الذي ستتبعه الغرف لا بد أن يكون مُبرَّرًا.

وقد نشأ بالفعل بعض غرف المقاصة لتوزيع المستلزمات الطبية الخاصة بمكافحة مرض "كوفيد–19" COVID-19. فعلى سبيل المثال، تجمع غرفتا "جيت أص بي بي إي" GetUsPPE، و"بروجيكت إن95" ProjectN95 معلوماتٍ حول العرض والطلب على الكمامات الطبية، وملابس الفرق الطبية، والقفازات، وتُسهِّل الغرفتان الاتفاقات بين أعدادٍ كبيرة من المشترين والباعة والمتبرعين في الولايات المتحدة. وهذه ليست إلا خطوةً أولى، حيث إنّ آلية تخصيص الموارد لم تتحسن بعد إلى أقصى درجةٍ ممكنة، ولم تمنع تلك الإجراءات استفحال أسعار مستلزمات مكافحة الجائحة.

عملةٌ طبية

بإمكان غرف المقاصة أن تسهِم بدورٍ أكبر من ذلك. فإلى جانب التوصية بالمُخصَّصات، يمكنها تحفيز المستشفيات على تبادُل المعدّات. ومن شأن بنوك الطعام أن تخدم كمثال يُحتذى به في ذلك الصدد.

ففي كل عام، تتبرع الشركات المُصنِّعة في جميع أنحاء الولايات المتحدة بملايين الأغذية المعلبة وعبوات الأطعمة لمنظمة "فيدينج أمريكا" Feeding America غير الهادفة إلى الربح، التي يجب عليها أن تقرر كيفية توزيع الأغذية على بنوك الطعام الإقليمية. ويكمن التحدي هنا كذلك في معرفة احتياجات كل منطقة، ومن ثمَّ تجنُّب وجود نقصٍ أو زيادة في الموارد المُخصَّصة لها. فقد يحتاج أحد بنوك الطعام –على سبيل المثال- إلى قدرٍ أكبر من التفاح، فيما يحتاج بنكٌ آخر إلى مزيدٍ من الحليب. وقد يحصل بعض بنوك الطعام على تبرعاتٍ أكثر من الشركات المُصنِّعة المحلية، مقارنةً بغيره من البنوك.

ولأنَّه من غير المقبول لتلك البنوك أن تبيع الطعام المُتبَّرع به إليها مقابل المال، تبنَّت منظمة "فيدنج أميريكا" في عام 2005 عُملةً مُخصَّصة، لا تُصرَف إلا في النظام الاقتصادي لبنوك الطعام. تمنح المنظمة كل بنكٍ مبلغًا معينًا من تلك العملة، يتناسب مع عدد المستفيدين من خدماته، ثم يُتاح لكل بنكٍ بعد ذلك شراء المواد الغذائية وبيعها عن طريق غرفة مقاصة على الإنترنت تديرها المنظمة. وكما هو الحال مع النقود الحقيقية، فإنَّ ارتفاع سعر التفاح مثلًا يُشجِّع مَن لديهم فائضٌ منه على بيعه، أو يتيح لآخرين جمع المزيد من التبرعات منه، وهو ما يعود بالنفع على جميع الأطراف.

تُستخدم هذه العملات في مجالاتٍ أخرى، ولها تاريخٌ طويل. فعلى سبيل المثال، يمنح بعض الجامعات الطلاب ميزانيةً افتراضية من النقاط، يمكنهم استخدامها في المُزايَدة للالتحاق بالدورات التعليمية التي سجَّل فيها عددٌ من الطلاب يفوق الأماكن المتاحة6.

وبالمثل، يُمكِن لغرف المقاصة الطبية استحداث عملةٍ مُخصَّصة للمساعدة في توزيع الموارد اللازمة لإنقاذ الأرواح. وفي هذه الحالة، سيحصل كل مستشفى أو جهةٍ مُقدِّمة للخدمات الطبية على ميزانيةٍ تتناسب مع احتياجاته المُقدَّرة، وسيمكنه بها شراء الإمدادات وبيعها عن طريق غرف المقاصة. ومن ثمَّ، ستؤدي إمكانية جَنْي تلك الأموال المخصصة للموارد الطبية إلى تحفيز المستشفيات على إتاحة فائض الإمدادات المتوفر لديها للجهات الأخرى، وربما توفر أيضًا الجهات المانحة والوسطاء مزيدًا من الموارد. كما ستُوفِّر الأسعار نفسها للمستشفيات والحكومات فكرةً أفضل عن الموارد الشحيحة، وأماكن توافرها، وهذا من شأنه أن يساعد على تحسين مستويات الموارد وتوزيعها في العموم.

ويمكن توسيع نطاق هذا السوق للسماح بمشاركة المشترين الثانويين به، مثل المدارس والشركات التي تحتاج إلى معدات الوقاية الشخصية للطلاب، والمعلمين، والموظفين. ونظرًا إلى أنَّ هؤلاء سيشترون هذه المستلزمات بأموالٍ حقيقية، فربما يشجعون الشركات المُصنِّعة على إنتاج المزيد منها. ويمكن ترميز البروتوكول المتبع في هذا السوق، لضمان أن تصب العمليات الثانوية لتداول السلع دائمًا في مصلحة المستشفيات. لكنَّ تحقيق ذلك سينطوي على بعض التحديات؛ فتلك العملة المُخصَّصة ستُضيف مزيدًا من التعقيد، لأنَّ منظومتها -في أبسط أشكالها- قد تتجاهل خصائص معينة، مثل الاقتراض، والادخار، والمبادَلة بالعملات العادية، وهذا لن يكون مناسبًا على الأرجح. لذا، ستكون هناك حاجة إلى قواعد تحدّ من التلاعب بالسوق، لمنع بيع السلع المُشتَراة بالعملة الطبية لجهاتٍ خاصة على سبيل المثال.

الخطوات التالية

نوصي الحكومات باتباع هذه النُّهُج السوقية وغيرها من الأساليب التي ثبتت فعاليتها، وذلك لإعادة تزويد منظومة توفير الإمدادات الطبية بالأدوات اللازمة للتعامل بنجاح مع حالات الطوارئ. وهذه المنظومة التي نوضح هنا عناصرها الرئيسة يمكن أن تُطبَّق في غضون أشهر في أي منطقةٍ تتمتع بروح الابتكار، وتتميز بامتلاكها لقدرٍ كبير من البيانات الآنية المرتبطة ببعضها البعض ضمن شبكةٍ واحدة. كما يمكن لهذه المنظومة أن تكون فعالة، إذا ما شهدنا موجةً ثانية من عدوى فيروس كورونا في أواخر عام 2020، أو أن تخدم في التعامل مع مسألة توزيع اللقاحات.

تتمثل الخطوة الأولى في إنشاء غرفة مقاصة تتولى مهمة تنسيق عمليات المنظومة. وكما هو الحال في قطاع الكهرباء، يجب أن تديرها جهة تشغيل سوقية مستقلة غير هادفة إلى الربح، وأن تقتصر صلاحياتها على إدارة عمليات التسعير وتخصيص الموارد، مع وضع ضوابط لمنع الفساد، وتعزيز الثقة في المنظومة. ولا غنى لهذه الغرفة عن الالتزام بالشفافية والقواعد الأخلاقية، ووجود رقابةٍ مستقلة عليها، كما هو الحال في جميع الأسواق.

وينبغي أن تتمثل الوظيفة الأولى لغرفة المقاصة في وضع تقديراتٍ متغيرة باستمرار للاحتياجات من المعدات الطبية، ووضع خططٍ لتوزيع الإمدادات أثناء الأزمة. وتتوفر البيانات التي تستند إليها تلك التقديرات والخطط في سجلات المستشفيات ودور الرعاية الاجتماعية بعددٍ من الدول، لكن لم يُقْدِم سوى عددٍ قليل من الحكومات على جمع تلك البيانات في شبكةٍ واحدة، وينبغي لبقية الحكومات الآن تحقيق ذلك.

ثانيًا، على المناطق استحداث عُمْلةٍ طبية للاستعانة بها في حالات الطوارئ، على أن تدير تلك العملة غرفة المقاصة. ولتعزيز فعالية صرف هذه العملة، ينبغي توسيع نطاق صلاحية استخدامها قدر الإمكان، ومن الأفضل أن يشمل هذا النطاق عددًا كبيرًا من البلدان المتعاونة، فتُستَخدم العملة في جميع أنحاء أوروبا على سبيل المثال.

ثالثًا، ينبغي للحكومات أن تُموِّل إنشاء سوقٍ للمستلزمات الطبية، على أن يعمل هذا السوق دون قيود في الأوقات العادية، ويتحول بسلاسة إلى استخدام منظومة تسعير طارئة أثناء الأزمات. ومن الأفضل أن تستمر عمليات شراء المستلزمات بالأموال الحقيقية في الأوقات العادية، وأن يُلجأ إلى العُملة المُخصَّصة فقط عند ارتفاع الأسعار بصورةٍ حادة. وقد لقَّنت الأزمة الحالية الحكومات درسًا قاسيًا، مفاده أنَّه من الضروري ألَّا تُهمَل الاحتياطيات الوطنية والمحلية المُخصَّصة لحالات الطوارئ المستقبلية، مثلما تحتفظ أسواق الكهرباء بكميةٍ إضافية احتياطية للحدّ من العجز.

رابعًا، على الدول أن تتعاون، وأن تسعى جاهدةً لتوزيع الإمدادات اللازمة لإنقاذ الأرواح على نحو أكثر عدلًا وفعاليةً على الصعيد العالمي. وينبغي للمنظمات الصحية الوطنية، مثل المراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية منها، أو الوكالات الحكومية، أن تُصمِّم منصةً لتنسيق توزيع الإمدادات الطبية في أوقات العجز، سواءٌ داخل كل دولة، أم بين الدول وبعضها، وأن تتولى تنفيذ تلك المنصة.

ويمكن تصميم السوق وتنفيذ هذه المنصة بحيث يناسبا عموم المناطق المختلفة، وبحيث يُـتاحا للجميع. فرغم تنوع المنظومات الصحية، تواجه البلدان جميعها الفيروس نفسه، وتحتاج إلى اتباع الممارسات الفُضلى المُقرَّة ذاتها فيما يتعلق باستخدام معدات الوقاية الشخصية، فضلًا عن أن الأدوات الفعَّالة في توفير الإمدادات الطبية للجهات الأشد حاجةً إليها هي الأدوات نفسها عبر المناطق على اختلافها.

قد يبقى فيروس "سارس-كوف- 2" SARS-CoV-2 معنا لسنوات. وسنواجه حتمًا عجزًا في الإمدادات الطبية، كما يحدث عندما نواجه انقطاعًا متناوبًا للتيار الكهربائي عبر المناطق، لكنَّ التحرك الآن لمعالجة تلك المسألة سيحدّ من تكرار حالات العجز، وحِدَّتها، إذ سنشهد في المستقبل مزيدًا من موجات انتشار الفيروس، ومزيدًا من الطفرات، وستُطوَّر فحوص ولقاحاتٌ جديدة، وسيظهر عاملٌ مُمْرِض مختلف، ويتسبب في جائحةٍ أخرى. لذا.. يتعين علينا أن نكون مستعدين للتعامل على نحوٍ أفضل مع تلك الأزمات.

References

  1. Roth, A. E. J. Econ. Persp. 21, 37–58 (2007). | article
  2. Kremer, M., Levin, J. & Snyder, C. M. Am. Econ. Rev. Papers Proc. 110, 269–273 (2020). | article
  3. Prendergast, C. J. Econ. Persp. 31, 145–162 (2017). | article
  4. Roth, A. E. Econometrica 70, 1341–1378 (2002). | article
  5. Cramton, P. Oxford Rev. Econ. Pol. 33, 589–612 (2017). | article
  6. Budish, E., Cachon, G. P., Kessler, J. B. & Othman, A. Oper. Res. 65, 289–555 (2017). | article
  7. Artenstein, A. W. N. Engl. J. Med. 382, e46 (2020). | article

بيتر كرامتون، وأكسل أوكنفِلس أستاذان في مركز السلوك الاجتماعي والاقتصادي وقسم الاقتصاد بجامعة كولون في ألمانيا.

ألفين إي. روث، وروبرت بي. ويلسون أستاذان بقسم الاقتصاد وكلية الدراسات العليا في إدارة الأعمال في جامعة ستانفورد بولاية كاليفورنيا الأمريكية.

البريد الإلكتروني: ockenfels@uni-koeln.de