أنباء وآراء

جِلد مُشعر مُخلَّق مخبريًّا قد يُسهم في علاج الصلع

نجح العلماء في تخليق بِنًى شبه جلدية في المختبر، عن طريق إنماء خلايا جذعية بشرية غير متمايزة. وعند تطعيم جِلد الفئران بهذه البِنى، أنبَتَتْ شَعرًا؛ في تطوُّر قد يفتح الطريق أمام اعتماد هذا النهج في ابتكار العلاجات التجديدية. 

ليو إل. وانج، وجورج كوتساريليس

  • Published online:

حين تمكَّن العلماء من استنبات بعض بُصيلات الشعر لأوَّل مرةٍ من خلايا جذعية عُزِلَت من جلد فأرٍ بالغ1، قال جاي لينو –المُقدِّم السابق لبرنامج "ذا تونايت شو" The Tonight Show الحواري الأمريكي- مازحًا إنَّ العلماء "عالجوا الصَّلَع ... لدى الفئران على الأقل". والآن، بعد مرور 16 عامًا، ستسنحُ لمُقدِّم البرنامج الحالي فرصةُ القول إنَّ العلماء "عالجوا" الصَّلَع لدى البشر، بعدما نجحَتْ الباحثة جيون لي وفريقها2 -في دراسةٍ نُشرت مؤخرًا في دورية Nature- من إعادة تخليق بصيلات شعر من خلايا جذعية بشرية. ومن شأن هذا الإنجاز أن يُقرِّبنا إلى تخليق كميةٍ غير محدودة من بصيلات الشعر التي يمكن استنباتها في فروة رأس شخصٍ خفيف الشعر، أو أصلع. وفضلًا عن ذلك.، فإذا وصل هذا النهج إلى مرحلة التطبيق الإكلينيكي، فسوف يقود إلى ظهور علاجاتٍ ثورية للمصابين بجروحٍ، وندوب، وأمراض جلدية وراثية.

كانت الأبحاث في مجال هندسة أنسجة الجلد قد بدأت في عام 1975، حين كشفت دراسةٌ فارقة عن إمكانية عزل الخلايا المُسمَّاة بخلايا الكيراتين من الطبقة الخارجية لجلد أحد الأشخاص (البشرة)3، وتمدَّدت الخلايا أثناء عملية الاستنبات في مزرعة خلوية. وبعد نحو عشر سنوات، زُرِعَت صفائح من بعض خلايا الكيراتين المعزولة من أشخاص مصابين بحروق مرَّة أخرى في الأفراد أنفسهم، الذين سبق أن أُخِذَت منهم الخلايا، بصفتها طعومًا مُستزرَعة دائمة مُنقِذة للحياة4. وقد أرسى هذا الإجراء الأساس لإنجازٍ حاسمٍ آخر في عام 2017، حين جرى إحلال خلايا مُصحَّحة وراثيًّا5 محل خلايا بشرة صبيٍّ مُصاب بمرضٍ وراثي يُعرف بانحلال البشرة الفقاعي (الذي يُصيب الجلد بهشاشة بالغة(. ومن أجل إحراز مزيدٍ من التقدُّم في هذا الاتجاه، لا بد من أن يتضمَّن الجلد المُطعَّم مزيدًا من المكونات الموجودة في الجلد الطبيعي، مثل بصيلات الشعر، والخلايا الميلانينية المُنتِجة للأصباغ، وغُدَد العَرَق، والأعصاب، والعضلات، والدهون، والخلايا المناعية، فضلًا عن خلايا البشرة.

وهنا يأتي دور الباحثة لي وزملائها؛ فقد استعانوا لإنجاز هذه الدراسة ببعض الأبحاث التي أجريت في مجالاتٍ أخرى، مثل بيولوجيا الخلايا الجذعية وإنماء بصيلات الشعر6، لتوليد عُضيَّات جِلدية مُستزرَعة مخبريًّا (أورجانويدات( شبه كاملة؛ وهي أنسجة ذاتية التنظيم، تُنمَّى في المختبر، وتحاكي نمو الجلد. يُذكر أن ثمة فِرَقًا بحثية تعمل على إنماء أورجانويدات؛ لمحاكاة أعضاء مختلفة، من بينها الأمعاء، والرئة، والكلية، والدماغ7. ونظرًا إلى أنَّ الأعضاء تتكون من أنواع متعددة من الخلايا، فعادةً ما تتكوَّن الأورجانويدات من خلايا جذعية متعددة القدرات، لديها القدرة على تخليق جميع أنواع الخلايا البالغة. ويمكن أن تكون هذه الخلايا خلايا جذعية جنينية، أو خلايا جذعية مُستحَثة متعددة القدرات، يجري تخليقها عن طريق إعادة برمجة خلايا بالغة، لتتحوَّل إلى حالةٍ شبه جنينية8.

أمَّا البشرة، والأدمة -اللتان يتألَّف منهما المكوِّن الرئيس الآخر للجلد- فيجري تخليقهما من أنواع مختلفة من الخلايا الموجودة في الحالة الجنينية المبكرة. وقد نجحتْ الباحثة وزملاؤها في تحسين ظروف الاستنبات اللازمة على النحو الذي يسمح بتوليد أورجانويدات جِلدية تحتوي على كلا المكوِّنين من خلايا جذعية بشرية متعددة القدرات. فقد عَمَد الباحثون إلى إضافة بعض عوامل النمو إلى الخلايا الجذعية، واحد تلو الآخر؛ فكانت البداية باستخدام بروتين BMP4، ومُثبِّطٍ لعامل النمو التحويلى بيتا، الذي يُشار إليه بالاختصار TGF-β، وذلك من أجل تحفيز تخليق البشرة، ثم حقنوا الخلايا بعامل نمو الأرومة الليفية، المُشار إليه بالاختصار FGF2، ومُثبِّط بروتينات BMP، لتحفيز تخليق خلايا العُرف العصبي القحفية، التي يُعزى إليها نمو الأدمة.

جرى استزراع الخلايا المذكورة داخل وعاء كروي، وبعد مُضيِّ أكثر من 70 يومًا، بدأت البصيلات تظهر، ثم أنتجت شعرًا في نهاية المطاف (انظر شكل 1). وبفضل الخلايا الميلانينية، التي تنمو أيضًا من خلايا العُرف العصبي القحفية، اصطبغتْ النسبة الأكبر من الشعر النامي. كما نَمَتْ الأنسجة المقترنة ببصيلات الشعر، مثل الغدد الدهنية، والأعصاب، ومستقبلاتها، والعضلات، والدهون. وهكذا، تمكَّن الباحثون من إنتاج جِلد على درجةٍ عاليةٍ من الاكتمال في طبق مختبري9، غير أنَّ أحد المكوِّنات المفقودة كان الخلايا المناعية، التي عادةً ما توجد في بصيلات الشعر وحولها، وتؤدِّي أدوارًا متنوعة داخل الجلد10.

شكل 1 | إنماء شعر في المختبر، تمهيدًا لاستخدامه علاجًا إكلينيكيًّا في المستقبل. نجحت الباحثة لي وزملاؤها2 في إنماء بعض الخلايا الجذعية متعددة القدرات (التي يُمكنها تخليق جميع أنواع الخلايا البالغة)، للحصول على بِنى كروية شبه جِلدية -تُسمَّى "أورجانويدات"- في المختبر. ومن أجل تحقيق ذلك، حقنوا الخلايا ببعض عوامل النمو (بروتين BMP4، ومُثبِّط عامل (TGF-β التي تحفِّز نمو طبقة الجلد الخارجية (البشرة)، ثم استعانوا ببعض عوامل النمو الأخرى (عامل FGF2، ومُثبِّط بروتينات BMP4) التي تُحفِّز تخليق طبقة الأدمة (فيما تُخلَّق طبقةٌ أخرى غنية بالخلايا الدهنية في هذه المرحلة أيضًا). وبعد مرحلة خاملة طويلة (تتجاوز 70 يومًا)، تتكون مجموعة كاملة من الخلايا الجلدية في الأورجانويدات، متضمَّنة حوالي 50 بصيلة شعر. وحين تُزرع الأورجانويدات في الجلد، توجَّه بصيلات الشعر نفسها طبيعيًّا في الاتجاه الصحيح. ومن الممكن استخدام هذه الأورجانويدات في علاج الصلع، والاضطرابات الجلدية الوراثية، وكذا تحفيز التئام الجروح.

شكل 1 | إنماء شعر في المختبر، تمهيدًا لاستخدامه علاجًا إكلينيكيًّا في المستقبل. نجحت الباحثة لي وزملاؤها2 في إنماء بعض الخلايا الجذعية متعددة القدرات (التي يُمكنها تخليق جميع أنواع الخلايا البالغة)، للحصول على بِنى كروية شبه جِلدية -تُسمَّى "أورجانويدات"- في المختبر. ومن أجل تحقيق ذلك، حقنوا الخلايا ببعض عوامل النمو (بروتين BMP4، ومُثبِّط عامل (TGF-β التي تحفِّز نمو طبقة الجلد الخارجية (البشرة)، ثم استعانوا ببعض عوامل النمو الأخرى (عامل FGF2، ومُثبِّط بروتينات BMP4) التي تُحفِّز تخليق طبقة الأدمة (فيما تُخلَّق طبقةٌ أخرى غنية بالخلايا الدهنية في هذه المرحلة أيضًا). وبعد مرحلة خاملة طويلة (تتجاوز 70 يومًا)، تتكون مجموعة كاملة من الخلايا الجلدية في الأورجانويدات، متضمَّنة حوالي 50 بصيلة شعر. وحين تُزرع الأورجانويدات في الجلد، توجَّه بصيلات الشعر نفسها طبيعيًّا في الاتجاه الصحيح. ومن الممكن استخدام هذه الأورجانويدات في علاج الصلع، والاضطرابات الجلدية الوراثية، وكذا تحفيز التئام الجروح. 

كبر الصورة

ووجدت الباحثة لِي وزملاؤها أنَّ الأورجانويدات التي استخدموها في دراستهم قد عبَّرت عن جيناتٍ تحمل سماتٍ مميِّزة لجِلد الذقن، والخد، والأذن. ومما يلفت النظر أنَّ خلايا الأدمة الموجودة في فروة الرأس يمكن أن تُستمد أيضًا من العُرف العصبي11؛ ما يدلُّ على أنَّ الأورجانويدات ربما تحاكي جلد فروة الرأس بالفعل. وهو ما يبرز أيضًا إمكانية تعديل بروتوكول واضعي الدراسة، بحيث يُمكن تخليق جلدٍ يحمل خصائص أماكن مختلفة في الجسم، وذلك بتغيير ظروف الاستنبات التي تنمو فيها الخلايا.

والحقُّ أن الأورجانويدات التي استخدمها هؤلاء الباحثون ستكون أداةً مثالية لتحليل أدوار المسارات البيولوجية المختلفة في إنماء الجلد؛ إذ يمكن استخدام مثبطات صغيرة الجزيئات، أو جزيئات حمض نووي ريبي مُثبِّطة لحجب بعض البروتينات أو المسارات، وفحص انعكاسات ذلك على عملية نمو الجلد. ويمكن كذلك استخدام الأورجانويدات، جنبًا إلى جنب مع دراسات الارتباط على مستوى الجينوم ككل، أو غير ذلك من البيانات الجينية، لتحليل تأثير طفرات جينية بعينها على إنماء الجلد. وإضافةً إلى ذلك، يمكن الاعتماد على الأورجانويدات في تصميم نماذج لأمراض الجلد والشعر، وفحص الأدوية التجريبية لضمان خلوّها من السُّمِّية، واختبار فاعليتها.

وفضلًا عن هذه الفوائد المختبرية، أثبت مؤلِّفو الدراسة أنَّ للأورجانويدات قدراتٍ علاجية داخل الأجسام الحيَّة، إذ أقدَموا على زراعتها على جِلد فئران مصابة بالعوز المناعي (لضمان ألَّا يرفض الجهاز المناعي لدى الفئران الطُعوم المستزرعة(، وأوضحوا أنَّ نسبةً من الأورجانويدات -تزيد قليلًا على النصف- تستمر في النمو، وصولًا إلى مرحلة تكوين الشَّعر، الذي ينتشر على الطُّعم المستزرَع. ويشير ذلك إلى إمكانية إضافة الأورجانويدات الجلدية إلى الجروح؛ لتحفيز التئامها، ومنع تكوُّن الندوب، أو استزراعها في المناطق التي يخفُّ بها الشعر؛ وهي إمكانية مثيرة بحقّ.

ومع ذلك، ما زالت هناك عدة تساؤلات عالقة، قبل أن يوضع هذا النهج العلاجي موضع التنفيذ. فعلى سبيل المثال، ما مدى كفاءة نمو الشعر وتكاثره؟ وكم عدد الخلايا التي يَلزَم توافرها لتكوين بصيلة شعر فور تطعيم فروة الرأس بها؟ وقد شرعَتْ الباحثة لي وفريقها في الإجابة عن أول هذه التساؤلات، عن طريق إثبات إمكانية إنماء الشعر في أورجانويدات أخرى، في مختبر منفصل، اعتمادًا على ظروف الاستنبات ذاتها، غير أنَّ التعامل مع تباين الخلايا الجذعية فيما بينها، وكذا التباين بين هذه الخلايا من شخصٍ إلى آخر، يُشكِّل تحدياتٍ صعبة.

إنَّ المدة الطويلة التي تحتاج إليها الأورجانويدات لإنماء بصيلات الشعر تضاهي المدة التي يستغرقها نمو الجلد الجنيني12، كما إنّ الجلد يمرُّ -في كلتا الحالتين- بمرحلة "استراحة" خاملة، قبل أن يبدأ نمو البصيلات؛ وهذه مسألة جديرة باهتمام الدراسات المستقبلية. ورُغم ذلك، استغرق تجهيز الأورجانويدات للتطعيم 140 يومًا، ما قد يَعُوق إمكانية الاستفادة من هذه الدراسة في الأغراض العلاجية، لأنَّ الشخص المصاب بحروق -على سبيل المثال- لا يمكنه الانتظار طويلًا ليخضع لتطعيمٍ جلدي. ولذا، ينبغي إجراء المزيد من الدراسات من أجل فهم الأحداث التي تجري على المستوى الجزيئي أثناء هذه المرحلة الخاملة، سعيًا إلى استحداث استراتيجاتٍ لتسريع هذه العملية باستخدام بعض الجزيئات التي تغيِّر بعض مسارات التأشير المتعلقة بها.

وهنا تجدُر الإشارة إلى أنَّ عدة جوانب أخرى في نهج واضعي الدراسة ما زالت بحاجةٍ إلى تحسين، قبل الانتقال إلى مرحلة التطبيق الإكلينيكي. فكميِّة الشعر التي نَمَت ضمن الدراسة الحالية كانت محدودة؛ ولذا، فسوف نحتاج في المستقبل إلى إدخال تعديلات على ظروف الاستنبات، بما يؤدي إلى توليد كمياتٍ كبيرة من شعر الرأس. كما سيكون من الضروري وضْع توصيفٍ أفضل لبعض المكونات المستخدمة في مزيج الاستنبات -مثل الخليط البروتيني المُسمَّى "ماتريجِل" Matrigel- لضمان توافقها مع الممارسات التصنيعية الجيدة. وربما يكون على تجارب الدراسات المستقبلية أن تتخلَّى عن استخدام الخلايا الجذعية متعددة القدرات، التي يمكن أن تتسبَّب في حدوث بعض الآثار الجانبية، مثل تحفيز تكوين الأورام. ولعلَّ أحد البدائل الجيدة هو استخدام خلايا جذعية بالغة.

ومع ذلك، وعلى الرغم من هذه المحاذير، تُمثِّل دراسة لي وزملائها خطوة مهمة نحو "علاج" الصلع لدى البشر، وتمهِّد الطريق أمام فرصٍ علاجية أخرى أكبر. ولمَّا كان الأمرُ كذلك، فلا أقلَّ من أن يُمتدح هذا الإنجاز العلمي في برنامجٍ حواريٍّ ليلِي. تأتي هذه التجربة وفي جُعبتها آمالٌ عريضة في الانتقال من حيِّز التجريب إلى حيز التطبيق الإكلينيكي، وإننا لعلى يقينٍ من أن هذه الآمال سوف تستحيلُ حقيقةً واقعة بفضل البحث العلمي. 

References

  1. Morris, R. J. et al. Nature Biotechnol. 22, 411–417 (2004). | article
  2. Lee, J. et al. Nature 582, 399–404 (2020). | article
  3. Rheinwald, J. G. & Green, H. Cell 6, 331–343 (1975). | article
  4. Gallico, G. G. III, O’Connor, N. E., Compton, C. C., Kehinde, O. & Green, H. N. Engl. J. Med. 311, 448–451 (1984). | article

  5. Hirsch, T. et al. Nature 551, 327–332 (2017). | article
  6. Saxena, N., Mok, K.-W. & Rendl, M. Exp. Dermatol. 28,

    332–344 (2019). | article
  7. Rossi, G., Manfrin, A. & Lutolf, M. P. Nature Rev. Genet. 19,

    671–687 (2018). | article
  8. Takahashi, K. & Yamanaka, S. Cell 126, 663–676 (2006). | article
  9. Plikus, M. V. et al. Science 355, 748–752 (2017). | article
  10. Kobayashi, T. et al. Cell 176, 982–997 (2019). | article
  11. Ziller, C. in Hair Research for the Next Millenium: Proc. 1st Tricont. Meet. Hair Res. Socs (eds Randall, V. A. et al.) 19–23 (Elsevier, 1996). 

     | article
  12. Pinkus, H. in The Biology of Hair Growth (eds Montagna, W. & Ellis, R. A.) 1–32 (Academic, 1958).

     | article

ليو إل. وانج، وجورج كوتساريلِس

باحثان في قسم الأمراض الجلدية في جامعة بنسلفانيا بمدينة فيلادلفيا في ولاية بنسلفانيا (19104) بالولايات المتحدة الأمريكية.

البريد الإلكتروني:

leo.wang@pennmedicine.upenn.edu

cotsarel@pennmedicine.upenn.edu