أخبار

المؤسسات العلمية تناضل للصمود في وجه الوباء

واجهت المؤسسات العلمية ضربة على الصعيد المالي مع انتقال المؤتمرات إلى شبكة الإنترنت.

ديانا كوون 
  • Published online:
تُوَفِّر المؤتمرات سيولة نقدية للعديد من الجمعيات.

تُوَفِّر المؤتمرات سيولة نقدية للعديد من الجمعيات.

Credit: AGU

عندما قررت الرابطة الأمريكية لعلماء الأنثروبولوجيا الفيزيائية (AAPA) إلغاء اجتماعها السنوي في مارس الماضي، بسبب جائحة فيروس كورونا، تلقت ضربة أمكن أن تكون مدمرة على الصعيد المالي، إذ بدا أن التكاليف المرتبطة بهذا القرار-التي تضمنت غرامات، نظير إلغاء حجز مقر الفعالية، وتعويضات، مقابل رسوم تسجيل الاشتراك بها، ونفقات، لقاء تنظيمها- ستربو على مليون دولار أمريكي.

تدير الرابطة الاجتماع على أساس قائم على تساوي التكاليف والإيرادات. ولهذا كان إلغاء الفعالية من شأنه أن يهدد ميزانيتها التشغيلية لعام قادم، أو عامين قادمَين، حسبما تقول آن جرويار، رئيسة الرابطة التي يديرها متطوعون، وتضم حوالي 2200 عضو. ومن الجدير بالذكر أن ميزانية الرابطة تغطي أيضًا –إلى جانب الاجتماعات– المدفوعات إلى الجهة الناشرة للدورية التي تصدرها الرابطة، فضلًا عن المِنح التي توفرها للباحثين الذين هم في مقتبل حياتهم المهنية. ومن هنا، تعقب جرويار على ذلك قائلة: "كانت أزمة مرهقة للغاية. وقد جافاني النوم لفترة طويلة بسببها".

واجه عدد من الجمعيات العلمية ظروفًا مشابهة، في وقت تُلغى فيه مؤتمرات حول العالم، أو تؤجَّل، أو يجري بثّها عبر شبكة الإنترنت بسبب الجائحة. وتحاول المنظمات تَحَمُّل تكاليف إلغاء المؤتمرات أثناء خوضها لصراع مع الآثار طويلة المدى، التي يمكن للوباء أن يخلّفها على الأنشطة التي تقوم بها، وكذلك على المجتمع البحثي.

"سيتعين علينا التكيف مع الوضع الطبيعي الجديد"، هكذا يقول لارس كريستيانسن، المدير التنفيذي لاتحاد جمعيات علوم الأعصاب الأوروبية (FENS)، الذي يُعَد أهم منظمة لعلماء الأعصاب في أوروبا.

تكاليف الإلغاءات

إنّ الجمعيات الأصغر هي الأكثر تضررًا من الجائحة. وعلى سبيل المثال، على الرغم من أن الرابطة الأمريكية لعلماء الأنثروبولوجيا الفيزيائية قد تجنبت ضربة مدمرة لمواردها المالية، إلا أنه من المتوقع أن تصبح مدينة بمئات الآلاف من الدولارات هذا العام، وهو ما يُعرِّضها لمشكلات فيما يتصل بالتدفق النقدي الخاص بها، حسبما تقول جرويار.

وقد انتهى الحال بجمعية دراسة التطور (SSE) التي يصل عدد أعضائها إلى 2500 عضو، وبجمعيتين أمريكيتين بالحجم نفسه، إلى استدانة عشرات الآلاف من الدولارات من جرّاء إلغاء مؤتمرها السنوي المشترك، الذي يدار أيضًا على أساس أسلوب المساواة بين التكاليف والإيرادات، الذي سبقت الإشارة إليه. وتضيف أندريا كايس -نائب الرئيس التنفيذي لجمعية دراسة التطور- قائلة إن هذه الجمعيات حالفها بعض الحظ، لأنها استطاعت تغيير موعد الفعالية لدى المكان المستضيف لها قبل أشهر من انعقادها في شهر يونيو، وهو ما أدى إلى تجنب نفقات الغرامة التي تقدَّر بمئات الآلاف من الدولارات، إلا أن هذه الجمعيات تواجه الآن احتمالية إلغاء اجتماعها في عام 2021، أو أن يجري بثّه عبر شبكة الإنترنت. وحتى مع استطاعة هذه الجمعيات تغطية تكاليف هذا الإلغاء في عام 2020، فإن كايس تعقب قائلة في هذا الصدد: "بوصفنا جمعيات صغيرة نسبيًّا، فلن نتمكن من القيام بذلك لمرات عديدة في المستقبل".

 ويبدو أن الجمعيات الأكبر حجمًا، ذات مصادر الدخل الأكثر تنوعًا، في وضع أفضل يُمَكِّنُها من تحمل تكاليف المؤتمرات الملغاة، إلا أن بعضها يواجه خسائر فادحة. وعلى سبيل المثال، الجمعية الأمريكية للمهندسين المدنيين (ASCE)، التي تضم أكثر من 150 ألف عضو، تُحَصِّل قرابة ثلث إيراداتها من المؤتمرات وبرامج التعليم وجهًا لوجه. وقد تسببت الجائحة في إلغاء أكثر من خمسة وعشرين من هذه الاجتماعات، أو تأجيلها، أو بثّها عبر الإنترنت. وربما يكون من الضروري اتِّخاذ إجراءات مماثلة فيما يتصل ببقية التجمعات المقررة في عام 2020، وأوائل عام 2021. ونتيجة لذلك، فإن الجمعية تتوقع أن تخسر أكثر من مليون دولار من إيراداتها لهذه السنة المالية. وهو ما يعني تطبيق تدابير معينة، مثل اتخاذ القرارات المرتبطة بالعضوية داخل الجمعية، بعد أن كانت تُسند في السابق إلى جهات خارجية، وكذلك تقييم أي من البرامج يمكن إرجاؤها إلى العام المقبل، على حد قول المدير التنفيذي توماس سميث، الذي يضيف قائلًا: "لا ننفق المال إلا على ما نحتاجه حقًّا في الوقت الحالي، إذ إن العائدات قد تغيّرت عمّا كان متوقعًا حينما وضعنا الميزانية".

الانتقال إلى الواقع الافتراضي

على الرغم من ذلك، فقد تمكنت جمعيات أكاديمية عديدة من الانتقال بفعالياته -مثل المؤتمرات- إلى شبكة الإنترنت. وهي خطوة تحمل بعض المنافع، وقد تؤدي إلى تغييرات دائمة.وعلى سبيل المثال، يشغل جورج مانجون منصب رئيس مجلس إدارة جمعية علم الأعصاب الإدراكي (CNS)، الواقع مقرها في الولايات المتحدة، وقد عقدت الجمعية مؤتمرها السنوي عبر الإنترنت في شهر مايو، وهو يقول إن هذا الحدث قد اجتذب 1900 شخص لحضوره، وهو ما جعله أكبر اجتماع للجمعية على الإطلاق. وعلى الرغم من أن المنظمين كانوا قد سددوا بالفعل بعضًا من تكاليف المؤتمر الذي اعتُزم عقده في مدينة بوسطن، بماساتشوستس، إلا أنهم تمكنوا من رد نسبة يتراوح قدرها ما بين 30 إلى 35% من رسوم التسجيل لأولئك الذين حضروا الاجتماع عبر شبكة الإنترنت. كذلك جذبت مؤتمرات أخرى أجريت عبر الإنترنت عددًا قياسيًّا من الحاضرين. وعلى سبيل المثال، كان لدى الجمعية الفيزيائية الأمريكية (APS) أكثر من سبعة آلاف شخص مسجلين لحضور اجتماعها الافتراضي في شهر إبريل، أي ما يعادل أربعة أضعاف العدد المعتاد.

وفي الوقت الحالي، تضع جمعية علم الأعصاب الإدراكي خططًا لاجتماعها في عام 2021، المقرر انعقاده في مدينة سان فرانسيسكو بولاية كاليفورنيا في مارس المقبل. وعن ذلك، يقول مانجون: "أعتقِد أن الجميع يتوقون لحضور مؤتمرات فعلية مرة أخرى، إلا أننا نتصور مستقبلًا جديدًا لجمعيتنا ومؤتمرها السنوي". فنظرًا إلى المزايا التي تتيحها العناصر المعتمِدة على الإنترنت، فمن المرجّح أن تصبح هذه العناصر ركنًا ثابتًا في المؤتمرات المستقبلية. وعلى سبيل المثال، تتيح هذه المزايا زيادةً في قدرتنا على التواصل مع الباحثين، عن طريق خفض تكاليف هذه العملية، وإزالة العقبات المرتبطة بالتأشيرات، كما ستقلل من البصمة الكربونية للسفر بهدف حضور هذه المؤتمرات. ويضيف مانجون أن جمعية علم الأعصاب الإدراكي تُسخِّر حاليًّا كل إيرادات مؤتمرها السنوي لتمويل المؤتمرات المستقبلية، فعلى الرغم من أن التحول إلى الواقع الافتراضي ربما يتأتى بتغيير في بعض تفاصيل الإدارة، إلا أن نموذج العمل الأساسي سيبقى كما هو.

وعلى النقيض من جمعية علم الأعصاب الإدراكي، فإنّ جمعيات أخرى تعتمد على أرباح اجتماعاتها لتمويل أنشطة أخرى. وعلى سبيل المثال، يستخدم اتحاد جمعيات علوم الأعصاب الأوروبية أرباح ندواته التي تُعقَد كل عامين لدعم مبادرات معينة، مثل برامج التطوير الوظيفي. ويقول كريستيانسن إن الجمعية واجهت احتمالية تكبُّد خسائر مالية جسيمة على أثر إلغاء اجتماعها الفعلي في إبريل. أما الآن، فمن المتوقع أن تنهي هذه السنة المالية بميزانية متوازنة، ويرجع ذلك -في الأساس- إلى أن معظم المقيدين لحضور الاجتماع لم يلغوا حضورهم له بعدما علموا أن المؤتمر سيجري بثّه عبر الإنترنت (إذ ظلت رسوم التسجيل كما هي، ولكنْ تم تمديد خصم فترة الحجز المبكر لعدة أسابيع). وهو ما يعني أن الجمعية ستكون قادرة على تأمين استمرار أنشطتها من خلال احتياطها المالي، والأرباح التي تحقِّقها دوريتها، وهذا ما يصفه كريستيانسن بقوله: "لقد نجونا من مشكلة خطيرة".