تحقيق إخباري

تمويل العلوم يشهد اضطرابات في عالَم ما بعد الجائحة

الأزمات المالية يمكن أن تخلّ بالميزانيات البحثية.

نيديهي سوبرامان 
  • Published online:

Illustration by The Project Twins

مع تنامي الخسائر الاقتصادية التي تسببت فيها الجائحة حول العالم، يخشى بعض الخبراء من أنها قد تضرّ بالعلوم لعقود قادمة بالتسبُّب في تسريح آلاف الباحثين من العمل، وإجبار الدول على خفض تمويلاتها بحدّة في إطار جهود إعمار المجتمعات، بينما يذهب آخرون إلى أن الجائحة يمكن أن تلفت الانتباه إلى أهمية العلوم، وتشجّع على تقديم الدعم طويل الأمد إليها، لا سيما إلى البحوث الأساسية، مثلما حدث في زمن الحرب العالمية الثانية.

وفي الولايات المتحدة، حيث ارتفع معدل البطالة إلى مستويات لم يشهدها البلد منذ ثلاثينيات القرن العشرين، يحاول كثيرٌ من قادة الكيانات العلمية الترويج لأهمية دعم البحوث والتطوير. وعلى سبيل المثال، في ذلك الصدد.. يقول هارولد فارموس، عالم السرطان، الحاصل على جائزة نوبل، الذي قاد معاهد الصحة الوطنية الأمريكية (NIH) بين عامي 1993، و1999: "بدون مؤازرة العلم، سيكون بلدنا في خطر".

 وربما تزدهر علوم البيولوجيا في أعقاب الجائحة، على غرار النحو الذي بدأت به عقود من البحوث والاستكشافات في علوم الفيزياء بفضل القمر الصناعي السوفيتي "سبوتنِك" في عام 1957 (الذي كان في حجم كرة شاطئ، لكنه أطلق شرارة عصر السباق إلى الفضاء). وتعقِّب جوليا فيليبس -عضو المجلس الوطني الأمريكي للعلوم، والرئيس التقني السابق لمختبرات سانديا الوطنية في ألباكركي في نيومكسيكو- قائلة في هذا السياق: "يقصد الباحثون المناطق التي تموِّلهم".

ستتنوع التبعات الاقتصادية طويلة الأمد على العلوم تنوّعًا كبيرًا حسب البلد. فعلى سبيل المثال.. حذّرت أستراليا من احتمالية تسريح سبعة آلاف شخص من العاملين في المجال البحثي خلال هذا العام، في حين لا تزال الدوائر العلمية على حالها بوجه عام في ألمانيا، إذ يلتزم البلد باستثمار 17 مليار يورو إضافية (18 مليار دولار أمريكي) في وكالات العلوم حتى عام 2030، بزيادة سنوية ثابتة مقدارها 3% في ميزانية هذه المؤسسات. وعلى الرغم من تضرر الاقتصاد والزخم العلمي في الصين بشدة بفعل فيروس كورونا الجديد، فالبلد لديه من الإمكانات ما يُعِده للتعافي على نحو سريع نسبيًّا من الأزمة. ويمكن أن يعيد البلد ترتيب أولوياته، بحيث يضخ المزيد من الاستثمارات في علوم الأحياء والأوبئة، حسب ما أفاده تسونج تساو، عالِم الاجتماع في جامعة نوتنجهام في نينجبو بالصين.

ويمكن لبعضٍ من أشد التغييرات وطأة أن يَحْدُث في الولايات المتحدة، إحدى كبرى الدول مموِّلة البحث العلمي في العالَم، وهي بلد تُتخذ فيه قرارات التمويل سنويًّا، على عكس بعض البلدان الأخرى.

ومن ثم، أخذ العديد من المعنيين بالسياسات العلمية يدرسون جوانب آخِر الصدمات الاقتصادية التي سبق مواجهتها، وهي الكساد الذي شهدته الفترة بين عامي 2007، و2009، من أجل الوصول إلى مفاتيح لاستشراف ملامح المستقبل. ومن الجدير بالذكر أنه عقب ذاك التدهور الاقتصادي، ضخت الحكومة الأمريكية أموالًا إضافية إلى الوكالات العلمية الفيدرالية، بهدف إطلاق برامج في إطار "قانون الانتعاش وإعادة الاستثمار الأمريكي" (ARRA)، وهو خطة وطنية لتعزيز الأنشطة البحثية عبر القطاعات كافة (انظر: "موجات التمويل"). وعلى سبيل المثال.. تلقّت معاهد الصحة الوطنية الأمريكية آنذاك 10.8 مليار دولار أمريكي إضافية في عام 2009 إلى جانب ميزانيتها السنوية، البالغة 30 مليار دولار. وقد مثلت التمويلات التي أمَّنها قانون الانتعاش وإعادة الاستثمار الأمريكي هذا "مبلغًا هائلًا من المال" آنذاك، حسب تعبير جنيفر زايتزر، مدير العلاقات التشريعية باتحاد الجمعيات الأمريكية لعلم الأحياء التجريبي (FASEB) في مدينة بيثيسدا بولاية ميريلاند.

كبر الصورة

Source: AAAS R&D Budget and Policy Program

مطالب كبرى

ومن المتوقع أن تكون الحاجة إلى التمويلات هذا العام أشد منها في تلك الحقبة الماضية. وعلى سبيل المثال، في أوائل شهر إبريل الماضي، توجه ائتلاف يمثل الجامعات الأمريكية إلى الكونجرس بطلب، يلتمس فيه صرف 26 مليار دولار لوكالات تمويل العلوم، من أجل دعم القوى العاملة المشتغلة بالعلوم، وإعادة افتتاح المختبرات الأكاديمية. ويمكن لهذا التمويل -على سبيل المثال- أن يخفف من وطأة تأخر المنح، ويعيد إنشاء مستعمرات الفئران التي اضطرت المختبرات لقتلها، وأن يزود المتاجر بمعدات الوقاية الشخصية التي تم التبرع بها لجهود مكافحة الجائحة.

وحتى الآن، ومِن مبلغ يقارب ثلاثة تريليونات دولار، اعتمده الكونجرس لجهود الإغاثة في هذا الوضع الطارئ، تم رصد أربعة مليارات دولار تقريبًا لوكالات العلوم الفيدرالية، من أجل أنشطتها المتعلقة بمكافحة فيروس كورونا الجديد، التي منها تطوير اللقاحات والعلاجات. وتتوقع مجموعاتٌ على غرار اتحاد الجمعيات الأمريكية لعلم الأحياء التجريبي أنْ تضرّ إجراءات تجميد التعيينات وتقليص المختبرات بشدة أعضاء هيئات التدريس ممن هم في مقتبل مسيرتهم المهنية، والطلبة المتخرجين بوجه خاص. وتعلِّق زايتزر على ذلك قائلة: "وماذا بعد؟ لا شك أننا في غاية القلق".

وتجدر الإشارة إلى أنه حتى في الأزمات الاقتصادية الماضية، تَلَقَّى المجتمع العلمي الأمريكي دعمًا منتظمًا من الحكومة والصناعات، إذ ارتفع إجمالي التمويلات المخصصة له بما يزيد على عشرة أضعاف منذ خمسينيات القرن العشرين، وذلك بأخذ التضخم في الاعتبار. ويشكّل قطاع الأعمال حوالي 70% من حجم الإنفاق الأمريكي على البحوث الأساسية، والتطبيقية، والانتقالية. ورغم ذلك.. لا تزال حكومة الولايات المتحدة هي المموّل الأكبر للعلوم الأساسية في البلد، إذ قدمت تمويلًا يبلغ 121 مليار دولار في عام 2017.

وبالرغم من أن الكونجرس يزيد مِن حجم التمويلات الفيدرالية المُنفَقة على العلوم سنويًّا بانتظام، فإنحدوث صدمة اقتصادية كبرى يمكن أن يحيد به عن هذا التوجّه. من هنا، يعقب إلياس زرهوني -وهو طبيب تولى قيادة معاهد الصحة الوطنية بين عامي 2002، و2008- على ذلك قائلًا: "عندئذ سنشهد سيناريو تنخفض فيه فعليًّا ميزانيات الوكالات البحثية".

ويمكن لمثل هذه الضربة أن تخلّ بالتوازن بين البحوث الأساسية، والتطبيقية. وتضيف فيليبس أنّ العلوم التجريبية والتطبيقية فُضِّلت على البحوث الأساسية في الضائقات المالية السابقة. وإذا حدث هذا الآن، فقد تفقد الولايات المتحدة قدراتها التنافسية بعد عقود في المستقبل. وتختم فيليبس حديثها قائلة: "ستتقلص فرصنا المستقبلية".

من زاوية أخرى، يقول فارموس إنه في وقت تسترعي فيه مكافحة فيروس كورونا الجديد انتباه العموم والجهات التشريعية أيضًا، يمكن أن تكون هذه فرصةً سانحة للجامعات والعلماء، كي يطالبوا بالمزيد. ويضيف قائلًا: "أعتقد أن الولايات المتحدة مهيَّأة الآن لتقدير واحترام ما يتمتع به العِلم من إمكانات يمكن تسخيرها لما يواجهه البلد من تحديات. وفضلًا عن ذلك، صار البلد يرى التداعيات الاقتصادية لعدم الاستعداد للأزمات بصورة أفضل".

في الواقع، تقدمت جهات تشريعية أمريكية عديدة بقوانين من أجل زيادة التمويل الموجَّه إلى مؤسسة العلوم الوطنية بصورة كبيرة، إذ اقترحت صرف 100 مليار دولار للمؤسسة على مدار خمس سنوات، في حين تبلغ ميزانية المؤسسة السنوية الحالية ثمانية مليارات دولار تقريبًا. ولا تزال احتمالية ترجمة هذه الخطة إلى قانون مُلزِم غير واضحة، لكن تتوقع زايتزر أن يكون المبلغ المرصود للمؤسسة أقل، إذا حدث ذلك.

ولعل مصير العلوم في المملكة المتحدة يكون أفضل منه في الولايات المتحدة. ففي شهر مارس الماضي، أعلنت حكومة المملكة المتحدة عن خطة جريئة لزيادة تمويل البحوث العلمية من تسعة مليارات جنيه إسترليني سنويًّا (11 مليار دولار أمريكي) إلى 22 مليار جنيه إسترليني بحلول العام المالي 2024/2025. وحتى الآن، لا توجد أي أمارات على أن هذه التعهد سيتغير، على حد قول جيمس ويلزدون، الذي يدرس سياسات العلوم والتكنولوجيا بجامعة شيفيلد في المملكة المتحدة. ويضيف قائلًا: "إذا كان المشهد الاقتصادي العام ينذر بخراب شديد، بمعنى حدوث ركود أو كساد مطوّل، فلا يمكن بتاتًا التنبؤ بالتبعات التالية".