أنباء وآراء

بداية مبكرة للأقراص المجريَّة

تليسكوب راديوي فائق القوة يسبر أغوار الماضي، لرصد مجرّة احتوت على قرص غازي بارد دوَّار بعد الانفجار العظيم بوقت غير بعيد؛ وهو ما يُذكي الجدل الدائر حول توقيت تَشَكُّل الأقراص للمرة الأولى في المجرّات، وكيفية حدوث ذلك.

ألفريد تايلي

  • Published online:

المجرّات هي أنظمة هائلة الحجم، تترابط بفعل قوة الجاذبية، وتتألف من نجوم، وغبار، وغاز، و«مادة مظلمة» غير مرئية. ولا يمكننا تكوين نظرة أكثر شمولية عن طريقة تجمع المادة داخل بِنى كبيرة –تلك القطعة الأساسية من الأجحية التي نحن بصددها في خضم محاولاتنا لاستيعاب الكون- بدون فهم الكيفية التي تشكلت بها المجرات ونَمَت بمرور الوقت. ولتحقيق هذا الهدف لا بدّ من تكوين صورة واضحة عن التوقيت الذي ظهرت فيه البِنى القُرصية للمرة الأولى في المجرات. وفي بحث نُشر مؤخرًا في دورية Nature، يقدم نيلمان وزملاؤه1 مشاهدات تكشف عن وجود قرص ضخم دوار من الغاز البارد داخل إحدى المجرات المكوِّنة للنجوم بعد الانفجار العظيم بـ1.5 مليار عام فقط. وهو زمن مبكر للغاية في التاريخ الكوني، مقارنةً بالأزمنة التي أمكن فيها رصد وجود أقراص غازية في السابق2.

وعلى قدر فهمنا الحالي لعلم الكونيات، فإن أبكر البِنى واسعة النطاق في الكون كانت «هالات» المادة المظلمة الكروية التي انهارت تحت وطأة جاذبيتها3. وقد سقط الغاز المحيط إلى داخل هذه الهالات، وعليه، تكوّنت النجوم، وفي النهاية تكونت المجرات4. ويُعتقَد أن الهالات والمجرات قد واصلت نموها معًا عن طريق التجمع الهرمي (الاندماج)، وكذلك عبر مواصلة تراكم الغاز، وتحوُّله إلى نجوم5. إن التجمع الهرمي عملية بسيطة، ويُعتقد أنها واضحة للغاية. ومع ذلك، فلا يزال هناك الكثير من الاختلاف حول تحديد المسارات التي يحدث عبرها تراكم الغاز وتجمُّعه على هيئة نجوم، وما يتعلق بذلك من تشكّل للبِنى المادية والديناميكية داخل المجرات بمرور الوقت.

أحد العناصر الأساسية في هذا اللغز يتمثل في عدم فهم سبب امتلاك بعض المجرات، مثل مجرتنا درب التبانة المُشكِّلة للنجوم، بِنى مادية تهيمن عليها أقراص نجمية وغازية (الشكل 1)، في حين تفتقر مجرات أخرى أكبر عُمرًا في العموم وأكثر سكونًا إلى هذه البِنَى. يرتبط ذلك غالبًا بشكل وثيق بتاريخ تجمُّع كل مجرة؛ وتحديدًا بالأهمية النسبية للتجمُّع الهرمي (الذي من شأنه إما أن يعزز نمو الأقراص، أو يدمرها، اعتمادًا على الظروف المحيطة6،7)، وكذلك الأهمية النسبية للنمو عبر تراكم الغاز (هذا بالإضافة إلى العمليات الأخرى).

شكل 1| المجرة الغبارية الحلزونية NGC 4414. تحتوي الكثير من المجرّات المُشكِّلة للنجوم على أقراص من الغبار والغاز. وفي هذا الشكل، يظهر الغبار على هيئة رقع وخطوط داكنة على خلفية من ضوء النجوم. ويشير نيلمان وزملاؤه1 إلى رصد قرص مجرّي آخر، وُجد بعد الانفجار العظيم بـ 1.5 مليار عام فقط، وهو وقت أكثر بكورًا بكثير من الأقراص المرصودة من قبل.

شكل 1| المجرة الغبارية الحلزونية NGC 4414. تحتوي الكثير من المجرّات المُشكِّلة للنجوم على أقراص من الغبار والغاز. وفي هذا الشكل، يظهر الغبار على هيئة رقع وخطوط داكنة على خلفية من ضوء النجوم. ويشير نيلمان وزملاؤه1 إلى رصد قرص مجرّي آخر، وُجد بعد الانفجار العظيم بـ 1.5 مليار عام فقط، وهو وقت أكثر بكورًا بكثير من الأقراص المرصودة من قبل.

STScI/AURA/NASA

ويُعتقَد أن تراكم الغاز يحدث في أيّ من الوضعين الساخن، أو البارد. وكما يتضح من الوصف، فإن الاختلاف الرئيس بين هذين الوضعين هو ما إذا كان الغاز ساخنًا، أم باردًا أثناء سقوطه نحو مركز هالة المادة المظلمة على إحدى المجرات. يؤدي وضع التراكم الساخن إلى تأخر تشكُّل الأقراص المجرّية، حيث إنه يستغرق فترة طويلة من الوقت، ريثما يبرد الغاز المتراكم ويستقر في نهاية المطاف على هيئة قرص. أما في وضع التراكم البارد، فيظل الغاز -على العكس- باردًا أثناء سقوطه داخل مركز الهالة، وبهذا يتيح تشكُّل القرص على نحو أسرع8.

وبناء عليه، فإن تحديد الوقت الذي ظهرت فيه الأقراص أول ما ظهرت داخل المجرات، ومعدل تواترها، من شأنه أن يقدم -بطبيعة الحال- تصورات عميقة مهمة حول كيفية حدوث التجمع المبكر للمجرات. ولفعل ذلك، لا بدَّ من العثور على الأقراص في مجرات أبعد أكثر فأكثر، حتى يتسنى للباحثين مزيد من التوغل في الزمن السحيق، اقترابًا من توقيت الانفجار العظيم (الضوء القادم من المجرات الأبعد يستغرق زمنًا أطول للوصول إلى التليسكوبات والكواشف الموجودة على الأرض، مقارنةً بالضوء القادم من المجرات الأقرب، ومن ثم فهو يمدُّنا بمعلوماتِ عن الكون من الماضي السحيق). ويقتضي هذا توافر معدات فائقة الحساسية تنتِج بيانات عالية الاستبانة. وقد أتاحت التطورات العلمية الحديثة في تكنولوجيا الكواشف والتليسكوبات، وفي تصميم المعدات، إمكانية رصد الأقراص الغازية في مجرات ضخمة وُجدت بعد الانفجار العظيم2 بحوالي ثلاثة مليارات عام.

ولتوسيع نطاق مشاهدات الغاز داخل المجرات، بحيث تشمل فترات زمنية أكثر بكورًا من التاريخ الكوني، استعان نيلمان وزملاؤه بمرصد مصفوفات أتاكاما الملّيمتري/دون الملّيمتري الكبير (ALMA)، وهو أحد أقوى التليسكوبات الراديوية في العالم، ويقع في صحراء أتاكاما شمال تشيلي. ورصد الباحثون ضوءًا منبعثًا من غاز بارد في مجرة ترجع إلى حوالي 12.5 مليار سنة مضت. وعن طريق تركيز الضوء في نطاق 1.3 كيلو فرسخ فلكي (أي حوالي سُدس المسافة بين الشمس ومركز مجرة درب التبانة9)، تمكّن الباحثون من فحص بِنْية الغاز المنبعث وخصائصه الحركية بدقة مذهلة. وبعد ذلك استخدموا نماذج تحليلية بسيطة، وإنْ كانت مُحْكَمة، ليبرهنوا على أن مشاهداتهم تتسق مع وجود قرص غازي سريع الدوران، يتزامن وجوده مع نجوم المجرة وغبارها.

إن النتائج التي توصل إليها نيلمان وزملاؤه تشكِّل بعضًا من الأدلة الأولى القائمة على الرصد، التي تشير إلى وجود أقراص غازية باردة داخل مجرات ضخمة في وقت قريب للغاية تلو الانفجار العظيم، مما يبرهن مباشرة على أن الأقراص الغازية الضخمة كان يمكنها أن تتكوّن قبل التوقيت الذي أشارت إليه2 الأرصاد السابقة بـ1.5 مليار عام. وينقل عمل الباحثين -بدرجة كبيرة- الحدود المعرفية لعملية الرصد الخاصة بالدراسة المُفصَّلة لخصائص الغاز المُعالَجة مكانيًّا داخل المجرات إلى التوقيت الذي كان فيه عُمْر الكون يقترب من عُشْر عمره الحالي فحسب.

ونجد اكتشاف الباحثين مثيرًا للاهتمام عند النظر إليه إلى جانب نتائج بعض عمليات المحاكاة العددية لتشكُّل المجرات، تشير إلى أن الأقراص لم تبدأ في الهيمنة على المشهد داخل المجرات ذات الكتلة المشابهة، حتى بلغ عمر الكون ما بين 4، و6 مليارات عام10،11. ومع ذلك.. فإن هذا يتسق مع التوقع النظري بأن وضع التراكم البارد من المفترض أنه كان المهيمن في وقت مبكر من تاريخ الكون8. كما أنه يتوافق مع عمليات محاكاة حديثة ذات دقة أعلى، شهدت اندماج الأقراص في حقب كونية أكثر بكورًا12.

يُؤخذ على هذا العمل البحثي أن الباحثين لم يدرسوا سوى مجرّة واحدة، وهم بصدد تقييد فهْمنا النظري لعملية تشكُّل المجرات، أو التحقق من التنبؤات المتباينة لعمليات المحاكاة العددية. ولذلك.. فإن هناك حاجة إلى مشاهدات مماثلة على عدد أكبر بكثير من المجرات التي تنتمي إلى الحقبة نفسها، حتى نستطيع تحديد ما إذا كانت المجرّة محل الدراسة تعبِّر عن المجموعة بأكملها في ذلك الوقت، أو ما إذا كانت شاذة عنها. وبالإضافة إلى ذلك، فرغم أن النتائج التي توصل إليها الباحثون يبدو أنها تعارِض سيناريوهات وضْع التراكم الساخن الخاص بالنمو المبكر للمجرات، فإن بياناتهم لا تستبعد -بوضوح- الطرق الأخرى، بخلاف وضع التراكم البارد، الذي يمكن فيه نقل الغاز البارد بكفاءة إلى مراكز الهالات؛ وعلى سبيل المثال.. عبر اندماج المجرات وهالاتها7. وخلاصة القول هي أن ثمة حاجة إلى مزيد من بيانات الرصد، لحل هذه المسألة. ومع ذلك، فإن النتائج التي توصل إليها نيلمان وزملاؤه ستثير حماس علماء الفلك، وتفتح حقبة جديدة من تاريخ الكون لدراسة كيفية تشكُّل المجرات المبكرة.

References

  1. Neeleman, M., Prochaska, J. X., Kanekar, N. & Rafelski, M. Nature 581, 269–272 (2020). | article
  2. Wisnioski, E. et al. Astrophys. J. 799, 209 (2015). | article
  3. Blumenthal, G. R., Faber, S. M., Primack, J. R. & Rees, M. J. Nature 311, 517–525 (1984). | article
  4. Fall, S. M. & Efstathiou, G. Mon. Not. R. Astron. Soc. 193, 189–206 (1980). | article
  5. L’Huillier, B., Combes, F. & Semelin, B. Astron. Astrophys. 544, 68 (2012). | article
  6. Welker, C. et al. Mon. Not. R. Astron. Soc. 465, 1241–1258 (2017). | article
  7. Grand, R. J. J. et al. Mon. Not. R. Astron. Soc. 467, 179–207 (2017). | article
  8. Kereš, D., Katz, N., Weinberg, D. H. & Davé, R. Mon. Not. R. Astron. Soc. 363, 2–28 (2005). | article
  9. Eisenhauer, F. et al. Astrophys. J. 597, L121–L124 (2003). | article
  10. Zavala, J. et al. Mon. Not. R. Astron. Soc. 460, 4466–4482 (2016). | article
  11. Dubois, Y. et al. Mon. Not. R. Astron. Soc. 463, 3948–3964 (2016). | article
  12. Pillepich, A. et al. Mon. Not. R. Astron. Soc. 490, 3196–3233 (2019). | article

ألفريد تايلي يعمل في المركز الدولي لبحوث علم الفلك الراديوي بجامعة أستراليا الغربية، بيرث، أستراليا الغربية 6009، أستراليا.

البريد الإلكتروني: alfred.tiley@uwa.edu.au