أخبار

العلماء ينجحون في تعديل جينوم الميتوكوندريا بدقةٍ لأول مرة

إنزيمٌ غريب يُمكِّن الباحثين من دراسة أمراضٍ فتاكة، وربما علاجها. 

هايدي ليدفورد
  • Published online:
الميتوكوندريا (باللون الأزرق) هي العُضيات المنتِجَة للطاقة في الخلايا.

الميتوكوندريا (باللون الأزرق) هي العُضيات المنتِجَة للطاقة في الخلايا.

CNRI/SPL

أتاح إنزيمٌ بكتيري غريب للباحثين تحقيق ما عجزت عنه حتَّى تقنية التعديل الجيني ذائعة الصيت "كريسبر-كاس9" CRISPR-Cas9؛ وهو إدخال تعديلاتٍ على جينومات الميتوكوندريا، التي تمثل البِنى الأساسية لإنتاج الطاقة في الخلايا.

يمكن لهذه التقنية -التي تعتمد على مقاربةٍ فائقة الدقة لتعديل الجينات، تُسمَّى "التعديل القاعدي" base editing- أن تُمكِّن الباحثين من تطوير طرقٍ لدراسة الأمراض التي تُسبِّبها الطفرات في جينوم الميتوكوندريا، وربما علاجها. وغالبًا ما تنتقل مثل هذه الأمراض وراثيًّا من الأم، وتعوق قدرة الخلية على توليد الطاقة. ورغم احتواء جينوم الميتوكوندريا على عددٍ قليلٍ من الجينات، مقارنةً بالجينوم النووي، فإنَّ تلك الطفرات قد تؤثر، بصفةٍ خاصة، على الجهاز العصبي والعضلات، ومنها عضلة القلب، بل إنها قد تفتِك بمن يرثونها.

لم يكن من السهل دراسة مثل هذه الأمراض، نظرًا إلى افتقار العلماء إلى طريقةٍ يمكنهم الاستناد إليها في تصميم نماذج حيوانية تملك التغيُّرات نفسها في جينوم الميتوكوندريا، ولكنْ باستخدام هذه التقنية الجديدة، تمكَّن الباحثون -للمرة الأولى- من إجراء مثل هذه التغييرات. وفي هذا الشأن، يقول كارلوس مورايس، عالِم الجينات المتخصص في الميتوكوندريا بجامعة ميامي في ولاية فلوريدا الأمريكية: "إنه تطورٌ مثير للغاية. فالقدرة على تعديل الحمض النووي الميتوكوندري ستسمح لنا بطرح أسئلةٍ لم نكن نستطيع طرحها من قبل". وقد نُشِرَت الدراسة المذكورة في دورية Nature في الثامن من يوليو (B. Y. Mok et al. Nature http:// doi.org/d3gd; 2020).

مزيدٌ من الأدوات

مكَّنت تقنية "كريسبر-كاس9" الباحثين من إجراء تعديلاتٍ دقيقة على جينومات العديد من الكائنات الحية حسب رغبتهم، غير أنَّ هذه الأداة تستخدم شريطًا من الحمض النووي الريبي (RNA) لتوجيه إنزيم "كاس9" إلى المنطقة التي يرغب العلماء في تعديلها في الحمض النووي. وعلى الرغم من أن هذه الطريقة تُحقِّق نتائج جيدة في حالة الحمض النووي الموجود في نواة الخلية، لا يملك الباحثون طريقةً لإيصال ذلك الحمض النووي الريبي إلى داخل الميتوكوندريا المُحاطة بالأغشية.

وفي أواخر عام 2018، تلقَّى ديفيد لُو -عالِم البيولوجيا الكيميائية بمعهد برود، التابع لكل من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT)، وجامعة هارفارد في مدينة كامبريدج بولاية ماساتشوستس الأمريكية- رسالةً إلكترونية، مفادها أنَّ فريقًا يقوده جوزيف موجوس -عالِم البيولوجيا الدقيقة في جامعة واشنطن، الواقعة في مدينة سياتل في الجهة الأخرى من الولايات المتحدة- قد تمكَّن من اكتشاف إنزيمٍ غريب. كان هذا الإنزيم سُمًّا تنتجه بكتيريا Burkholderia cenocepacia، الذي ما إنْ يُصَادِف قاعدة السايتوسين في الحمض النووي (C)، حتى يُحوِّلها إلى قاعدة اليوراسيل في الحمض النووي الريبي (U). ولأنَّ قاعدة اليوراسيل -التي لا توجد عادةً في الحمض النووي- تسلُك مسلكًا مشابهًا لقاعدة الثايمين (T)، فإنَّ الإنزيمات الناسخة للحمض النووي في الخلية كانت تحوِّلها أثناء النسخ إلى قاعدة الثايمين. وهكذا، تُحوِّل تلك العملية بفعالية قاعدة السايتوسين إلى ثايمين في التسلسل الجينومي.

وقد استعان لُو بإنزيماتٍ مماثلة في تقنية التعديل القاعدي، التي تسمح للباحثين باستخدام مكونات تقنية "كريسبر-كاس9"؛ لتغيير نوع قواعد الحمض النووي. إلا أنَّ هذه الإنزيمات، المُسمَّاة "نازعات المجموعات الأمينية من السيتيدين" cytidine deaminases، لا تؤثر عادةً إلا على الحمض النووي أحادي الشريط، في حين أن الحمض النووي في الخلايا البشرية يتألَّف من شريطين مَجْدُولَين معًا. لذا.. كان لُو مضطرًا في الماضي إلى الاعتماد على إنزيم "كاس9" لكسر الحمض النووي، وتحويل منطقةٍ منه إلى منطقةٍ أحادية الشريط (غير مَجْدُولَة)، لكي تؤثر عليها الإنزيمات التي يستخدمها. ونظرًا إلى اعتماد تلك التقنية على شريط الحمض النووي الريبي المُوجِّه لإنزيم "كاس9"، فإنَّها لم تستطع الوصول إلى جينوم الميتوكوندريا.

وأما الإنزيم الذي اكتشفه فريق موجوس، والذي يُعرف باسم DddA، فبإمكانه أن يؤثر مباشرةً على الحمض النووي مزدوج الشريط، دون الاعتماد على إنزيم "كاس9" لكسره. وقد استنتج لُو وموجوس أنَّ ذلك ربما يجعله مناسبًا للوصول إلى جينوم الميتوكوندريا.

ورغم ذلك.. فمن أجل تحويل إنزيم DddA إلى أداةٍ فعَّالة لتعديل الجينوم، كان على لُو أولًا أن "يكبح جماح" ذلك الإنزيم؛ فقدرته على تعديل الحمض النووي مزدوج الشريط تجعله فتَّاكًا أيضًا، لأنَّه إذا تُرك طليقًا، خارجًا عن السيطرة، فسوف يُغيِّر كل قاعدة سايتوسين يُصادِفها. ولمنع ذلك.. قَسَّم الفريق الإنزيم إلى جزءين لا يمكنهما تعديل الحمض النووي، إلَّا حين يجتمعان معًا في الوضعية الصحيحة. وللتحكم في تسلسُل الحمض النووي الذي يُعدِّله الإنزيم، أقدَمَ الفريق بعد ذلك على ربط كل نصفٍ منه ببروتيناتٍ مُهندَسة على النحو الذي يجعلها ترتبط بمواقع محددة في الجينوم.

دراسة الأمراض

يلفت لُو الانتباه إلى أنَّ تلك التقنية ما زالت بحاجة إلى كثيرٍ من العمل، قبل البدء في استخدامها لأغراض علاجية. وأضاف أنَّه على الرغم من أنَّ الدراسات الأولية التي أجراها فريقه رصدت حدوث عددٍ قليلٍ من التغييرات غير المرغوبة في الحمض النووي -وهي مشكلة شائعة في تقنية التعديل الجيني "كريسبر-كاس9"- فإنَّ هناك حاجة إلى إجراء مزيدٍ من الدراسات على أنواعٍ مختلفة من الخلايا.

وفي نهاية المطاف، قد تعزِّز هذه التقنية الطرق الحالية المُستخدَمة لمنع الإصابة بأمراض الميتوكوندريا، أو علاجها، ومنها -على سبيل المثال- الإجراء المعروف باسم "استبدال الميتوكوندريا"، الذي أجازته بلدان بالفعل، ويتضمَّن زرع نواة بويضة، أو جنين داخل بويضةٍ أو جنين يخصان إحدى المتبرعات، ويحتويان على ميتوكوندريا سليمة.

ويسعى الباحثون أيضًا إلى إصلاح طفرات الميتوكوندريا، معتمِدين في ذلك على أنَّ الخلايا قد تحتوي على آلاف النسخ من الجينوم الميتوكوندري، وأنَّ تلك النسخ كثيرًا ما تكون خالية من الطفرات المرتبطة بالمرض. وتجدُرُ الإشارة إلى أن عددًا من الباحثين، بينهم مورايس، يعكفون على تطوير إنزيماتٍ تدخل الميتوكوندريا، وتقطع الحمض النووي في موقع الطفرة الضارة. وبدلًا من إصلاح القطع، غالبًا ما تُحلِّل الميتوكوندريا الحمض النووي المُتضرِّر مباشرةً، لتتركها خاليةً من النسخة الطافرة من الجينوم؛ وهو ما يمهد الطريق أمام انتشار النسخة الطبيعية.

ويرى ميكال مينكزوك -عالِم الجينات، المتخصص في الميتوكوندريا بجامعة كامبريدج في المملكة المتحدة- أنَّ هذه المقاربة الجديدة قد تتيح للباحثين إصلاح هذه الطفرات، حتى عندما تفتقر الميتوكوندريا إلى نسخٍ طبيعية كافية من الجين. وأضاف قائلًا: "إنَّها خطوةٌ رائعة إلى الأمام".