افتتاحيات

العالم يتجه إلى كوكب المريخ

كيف تصل إلى كوكب آخر في الوقت الذي يعرقل فيه وباءٌ كوكبك.

  • Published online:

ألقت البشرية أولى نظراتها عن كثب على كوكب المريخ في الخامس عشر من يوليو عام 1965، حينما تجاوزت مركبة الفضاء "مارينر 4" Mariner 4 -التابعة لوكالة ناسا- الكوكب الأحمر، والتقطت صورًا مشوشةً لسطح قاحل مليء بالفوهات. كانت هذه الصور هي اللمحة الأولى لكوكب آخر، كما تراءى من الفضاء.

وبعد مرور قرابة الـ55 عامًا، من المزمع إطلاق 3 بعثات طال انتظارها إلى كوكب المريخ. ففي خضم أحداث تفشي جائحة كورونا، والتوترات الجيوسياسية المستعرة، تقدم هذه البعثات، التي تنطلق من الولايات المتحدة الأمريكية، والصين، والإمارات العربية المتحدة، رمزًا عميقًا لقدرة الدول على تجاوز مصائبها الأرضية، في سعيها الحثيث لسبر أغوار العوالم الأخرى، وفهم كنهها.

على مدار العقود المنصرمة، ومنذ إطلاق بعثة "مارينر 4"، أرسلت ناسا 19 بعثة إلى كوكب المريخ، أخفقت 4 منها. واليوم، تمتلك الوكالة ثلاث بعثات نشطة تدور حول الكوكب، وروبوتَين يُجريان تجارب على سطحه. أما آخِر بعثة أمريكية، وهي بعثة "بيرسفيرنس" Perseverance، التي من المقرر إطلاقها في 30 يوليو، على أقل تقدير، فهي تهدف إلى الارتقاء بهذا الاستكشاف إلى المستوى التالي. سوف تدور هذه البعثة حول دلتا نهر عتيق في فوهة جيزيرو، بحثًا عن علامات على الحياة الماضية. والأهم من ذلك، أنها سوف تحفر الصخور المريخية، وتجمع عينات من الصخور والتراب في أثناء تنقلها. ويتمثل الطموح الأمريكي في إرسال بعثة مستقبلية تهبط في جيزيرو، وتلتقط هذه العينات الصخرية، وتأخذها إلى الأرض. وفي حالة حدوث ذلك، فستكون هذه العينات هي الأولى على الإطلاق التي تأتي من كوكب المريخ، وهي أشد ما يتوق الباحثون إلى تحليله.

ولا يقل الطموح الصيني عن هذا القَدْر. ففي وقت لاحق من هذا الشهر، تعتزم "إدارة الفضاء الوطنية الصينية" إطلاق مهمة فضائية -مكونة من مركبة مدارية، ومركبة هبوط، وطوافة- يُطلق عليها "تيانوين-1" Tianwen-1، أو "البحث عن الحقيقة السماوية". ولم يُزَح الستار بعد عن تفاصيل كثيرة تتعلق بهذه المهمة، ربما خوفًا من الفشل، إذ حاولت الصين إرسال مركبة مدارية إلى كوكب المريخ في عام  2011، ولم تكلل جهودها بالنجاح، غير أنها نجحت مؤخرًا في تحقيق إنجازات مذهلة عديدة في الفضاء، منها سلسلة بعثات "مون" Moon، التي بلغت أوجها في العام الماضي في أول مهمة إلى الجانب البعيد من القمر. وربما حان الوقت لبكين أن تنجح في الوصول إلى كوكب المريخ.  

وهناك أيضًا مهمة "الأمل" Hope، تلك المركبة المدارية التي من المقرر أن تطلقها وكالة الفضاء الإماراتية -التي أنشئت قبل ستة أعوام- إلى المريخ في الخامس عشر من يوليو، على أقل تقدير، فيما يُعَد أول محاولة للسفر بين الكواكب تضطلع بها دولة عربية. وقد تم تطوير الكثير من تكنولوجيا هذه المركبة بالتعاون مع مهندسين سابقين في بعثات وكالة ناسا، الذين استعانت بهم وكالة الفضاء الإماراتية، لكنْ يقود الأسس العلمية للبعثة -في الأساس- باحثون إماراتيون ممثَّلون في فريق من المستكشفين الشباب النابضين بالحياة. وتهدف المهمة "هوب" إلى تصميم أوضح خريطة للطقس المريخي يمكن أن تُنتَج حتى الآن.

ولا بّد من إطلاق البعثات الثلاث جميعها، المقرر وصولها إلى كوكب المريخ في فبراير القادم، في غضون الأسابيع القليلة القادمة، حينما تكون الأرض والمريخ في أفضل موضعين لهما في مداراتهما لسفر المراكب الفضائية بينهما، وهو حدث لا يتكرر إلا مرة واحدة كل 26 شهرًا. وجدير بالملاحظة أن جائحة كورونا لم تعرقل سير عمل برامج هذه البعثات. وكان من المقرر أيضًا إطلاق مهمة رابعة إلى كوكب المريخ خلال هذا الصيف، لكن وكالة الفضاء الأوروبية أرجأت إطلاقها إلى عام 2022، بسبب تفشي الجائحة. وهو سبب من بين أسباب أخرى. واضطرت وكالة ناسا إلى استخدام بعض طائراتها الخاصة، لنقل المهندسين بين كاليفورنيا، وموقع إطلاق المهمة "بيرسفيرنس" في فلوريدا، نظرًا إلى توقف الرحلات التجارية. في تلك الأثناء.. عجّلت كل من الصين والإمارات العربية المتحدة إنهاء مهمتيهما أثناء استشراء فيروس "كوفيد-19".

جدير بالملاحظة أيضًا أن البعثات الثلاث لا تتنافس فيما بينها، رغم أن بعض المعلقين يطلقون على الحالة الراهنة للعلاقات بين الولايات المتحدة، والصين مسمى حرب باردة جديدة. وفيما هيمنت الحرب الباردة الأصلية بين الاتحاد السوفيتي، والولايات المتحدة على طموحات غزو الفضاء في كلتا الدولتين في عقود سابقة، فإن وكالات الفضاء اليوم تسودها علاقات أكثر تآزرًا إلى حد ما.   

ومع ذلك، فرغم أن وكالة ناسا، ووكالة الفضاء الإماراتية تنتويان إتاحة البيانات الواردة من مهمتيهما للجمهور، تبقى سياسة البيانات الصينية غير واضحة. ومع أن الصين تواصل نشر مجموعات بيانات من مهمات "مون" التابعة لها. وقد أصدرت الدفعة الثالثة من البيانات المتعلقة بمهمتها في الجانب البعيد من القمر في الشهر الماضي، وحريّ بها أن تنضم إلى الركب، وأن تتعهد بنشر البيانات القادمة من بعثتها إلى كوكب المريخ أيضًا.

في حين تبدو العلاقات بين الحكومات على الأرض مشحونة بالصراع بدرجة غير مسبوقة، يتعين على الباحثين مواصلة سعيهم لتجاوز هذه التوترات الجيوسياسية. ويشمل ذلك ضمان استمرار التعاون الدولي في إطار هذه البعثات، وإتاحة البيانات للجمهور على وجه السرعة.  

وإذا تكللت جهود إطلاق هذه البعثات الثلاث بالنجاح في غضون الأسابيع المقبلة، فإننا سنبقى مترقبين؛ في انتظار أن يقطعوا مئات الملايين من الكيلومترات عبر الفراغ شديد البرودة في الفضاء، وأن يسترشدوا بالقيادة القادمة من الأرض من حين إلى آخر. وعندئذ، سوف يبدو كوكب المريخ الأحمر أكبر حجمًا، فيما يتضاءل حجم كوكب الأرض الأزرق. ومن المتوقع أن تصل البعثات في وقت مبكر من العام القادم إلى كوكب غريب، وفي الوقت ذاته مألوف للغاية، فيما نتابعهم نحن أيضًا عن كثب.