أخبار

فيزيائيون يتوصَّلون إلى أقوى دليل على وجود بِنًى ثنائية الأبعاد تُعرف بالأنيونات

العُلماء يُثبتون وجود أشباه جسيمات غريبة، تُدعى الأنيونات، قد تُحدث نقلةً هائلة في مجال صناعة الحواسيب الكمية.

دافيدي كاستلفيكي

  • Published online:
يشير نمط التداخل الذي يُدعى "خطوط البيجاما" إلى وجود الأنيونات في النظام الإلكتروني.

يشير نمط التداخل الذي يُدعى "خطوط البيجاما" إلى وجود الأنيونات في النظام الإلكتروني.

James Nakamura and Michael Manfra

أعلن فيزيائيون عن اكتشافهم لما يرجّحون أنه أول دليل قاطع على وجود أجسام غريبة شبيهة بالجسيمات، تدعى الأنيونات (anyons)، التي افترض العلماء وجودها لأول مرة قبل أكثر من 40 عامًا. وتُعَدّ الأنيونات آخر عضو ينضمّ إلى عائلة متنامية من الظواهر الطبيعية تُدعى أشباه الجسيمات، وهي ليست جسيمات أولية، بل هي استثارات مجمعة لعدة إلكترونات داخل مواد صلبة. وقد يمثل هذا الاكتشاف -الذي تم باستخدام جهاز إلكتروني ثنائي الأبعاد- أول خطوة باتجاه الاعتماد على الأنيونات أساسًا للحواسيب الكمية في المستقبَل.

وحول هذا الشأن، يقول ستيفن سايمون، باحث الفيزياء النظرية بجامعة أكسفورد في إنجلترا: "يبدو أن هذا الاكتشاف على درجة كبيرة من الأهمية حقًّا". وكانت النتائج قد نُشرت خلال الأول من الشهر الحالي ضمن دراسة لم تخضع بعد لمراجعة الأقران على خادم "أركايف" arXiv للمسوَّدات البحثية1.

تتميز أشباه الجسيمات المعروفة بمجموعة من الخصائص الغريبة. فعلى سبيل المثال، تملك أشباه الجسيمات المغناطيسية أحادية القطب قطبًا مغناطيسيًّا واحدًا فقط، على خلاف جميع المواد المغناطيسية العادية، التي دائمًا ما يكون لها قطبان، شمالي وجنوبي. ولعلَّنا نجد في أشباه جسيمات "الماجورانا" مثالًا آخر، إذ تُعَد جسيماتٍ مضادةً لذاتها.

أما الأنيونات، فهي الأشدُّ غرابة. ففي الوقت الذي تندرج فيه جميع الجسيمات الأولية تحت إحدى فئتين اثنتين، هما: الفرميونات، والبوزونات، لا تندرج الأنيونات تحت أي منهما. تتمثَّل الخاصية المُميِّزة للفيرميونات (المشتمِلة على إلكترونات) فيما يُعرف بإحصاء فيرمي (Fermi statistics)؛ ويُشار به إلى الظاهرة التي تحدث عندما يتبادل اثنان من الفرميونات موضعيهما، فتدور موجتهما الميكانيكية الكمية -التي يُطلَق عليها الدالة الموجية- بزاوية مقدارها 180 درجة، ولكن عندما يتبادل اثنان من البوزونات موضعيهما، فإن دالتهما الموجية لا تتغير. ويفترض أن يُحدِث تبادل أنيونين لموضعيهما دورانًا بزاوية تتوسط هاتين القيمتين، غير أنَّ هذا التأثير، الذي يُدعى الإحصاء الكسري، لا يمكن أن يحدث في حيِّز ثلاثي الأبعاد، وإنما يحدث فقط في صورة حالات مجمَّعة للإلكترونات التي تقتصر في حركتها على بُعدين اثنين.

الإحصاء الكسري

الإحصاء الكسري هو الخاصية المميِّزة للأنيونات. ويُعَد البحث الأخير -الذي قاده مايكل مانفرا، عالِم الفيزياء التجريبية بجامعة بوردو في مدينة ويست لافاييت بولاية إنديانا- هو أوَّل بحث يتمكن من قياس ذلك بهذه الدرجة من اليقين.

عندما يتبادل شبه جُسيمين موضعيهما، فإن هذا السلوك ينطوي على شيء من الغرابة؛ إذ يعني أنه إذا تحرَّك أحدهما في دائرة كاملة حول الآخر —ما يعني أنهما يتبادلان موضعيهما مرتين— فسوف يحتفظ بذاكرة لتلك الحركة في حالته الكمية. وتلك الذاكرة هي إحدى العلامات المميِّزة للإحصاء الكسري، التي طالما حاول علماء الفيزياء التجريبية العثور عليها.

أنشأ مانفرا وفريقه بِنْية تتكون من طبقات رقيقة من زرنيخيد الجاليوم، وزرنيخيد ألومنيوم الجاليوم؛ وهو ما يحصر حركة الإلكترونات في بُعدين فحسب، كما يؤدي وظيفة الدرع كذلك، بحيث يقيها من الشحنات الكهربائية الشاردة في أجزاء الجهاز الأخرى. وقد خفض الباحثون حرارتها إلى جزء من 10 آلاف جزء من الدرجة فوق الصفر المطلق، ثم سلَّطوا عليها حقلًا مغناطيسيًّا قويًّا، فنتجت عن ذلك حالة من حالات المادة داخل الجهاز، تُدعى عازل "هول" الكمي الكَسري (FQH)، التي تتميز بخاصية غريبة، وهي أنها لا تسمح بمرور التيار الكهربي في الجزء الداخلي من الجهاز ثنائي الأبعاد، لكنها تسمح بمروره بمحاذاة حافته. ويمكن لعوازل "هول" الكمية الكسرية أن تضم أشباه الجسيمات التي تتصف بأن شحنتها لا تعادل أحد مضاعفات شحنة الإلكترون، وإنما تكون شحنتها -على العكس من ذلك- معادِلةً ثلث شحنة الإلكترون؛ وهي أشباه جسيمات طالما رجَّح العلماء أنها الأنيونات.

ولإثبات صحة ذلك، أقدم الباحثون على حفر مسارين طرفيَّين بالجهاز نفسه، بحيث يستطيع تمرير تيارات كهربية من قطب كهربي إلى آخر على امتداد هذين المسارين المُحتملين، ثم أدخلوا تغييرات على ظروف التجربة بتعديل قوة الحقل المغناطيسي، وإضافة حقل كهربي. وكان من المتوقع أن يترتب على تلك التغييرات إنشاء مستويات طاقة للأنيونات المحصورة في الجزء الداخلي من الجهاز، أو تدميرها، وأن ينتج عنها كذلك مرور أنيونات بين القطبين الكهربيين. يمكن للأنيونات المتحركة أن تتخذ أحد مسارين، بحيث يُنتِج كلُّ مسار التواءً في الموجات الكمية الميكانيكية الناشئة بداخله، مختلفًا عما ينتُج في المسار الآخر. ولذا، فعندما وصلت الأنيونات إلى نقطة النهاية، نتج عن دالّتها الموجية نمط تداخُل، يُطلَق عليه "خطوط البيجاما".

يُظهِر هذا النمط كيف أنَّ الكم النسبي للدوران يتباين بين المسارين، استجابةً للتغيرات في الجهد الكهربي، وشدة الحقل المغناطيسي، ولكن التداخل يكشف كذلك عن وجود قفزات، تُعَد دليلًا قاطعًا2 على ظهور الأنيونات واختفائها في معظم أجزاء المادة.

علَّق سايمون على ذلك بقوله: "يُعَد هذا -فيما أعلم- رصدًا قاطعًا للأنيونات، إذ ينجح في رصد خاصيتها المُميِّزة مباشرة، المتمثلة في مُراكمة طورٍ كسريٍّ عندما يدور أحد الأنيونات حول آخر".

وهذه ليست المرة الأولي التي يعلن فيها الباحثون عن اكتشاف دليل على ظاهرة الإحصاء الكسري. فقد سبق أن أعلن روبرت ويلت -وهو فيزيائي يعمل في معامل "نوكيا بيل لابز" Nokia Bell Labs في مدينة موراي هيل بولاية نيوجيرسي- أن فريقه قد توصَّل في عام 2013 إلى "دليل قويّ"3 على الظاهرة نفسها.

الحوسبة الكمية

بعض علماء الفيزياء النظرية يقولون إن الدليل في تلك التجربة، وغيرها من التجارب، لا يُعَد حاسمًا، وإنْ كان لافتًا للنظر. ويقول بيرنارد روزناو، عالِم الفيزياء النظرية في مجال المواد المكثفة بجامعة لايبتسيش الألمانية: "في كثيرٍ من الأحيان، تكون هناك عدة طرق لتفسير التجربة". ولكن في حال ثبوت الدليل الذي توصل إليه فريق مانفرا، فإنه سيكون قاطعًا. ويضيف قائلًا: "لا أعرف تفسيرًا معقولًا لتلك التجربة لا يتضمن الإحصاء الكسري".

ويُمكن لهذه النتائج أن تمثل حجر الأساس الذي ستقوم عليه التطبيقات العملية للأنيونات. فقد وضع سايمون وآخرون نظريات مُفصَّلة حول كيفية استخدام الأنيونات، بوصفها المنصة التي ستقوم عليها الحواسيب الكمية؛ إذ يمكن لأزواج أشباه الجسيمات أن تُشفّر المعلومات في ذاكرتها التي تتضمن كيفية دوران أحدهما حول الآخر. ولأن الإحصاء الكسري هو إحصاء "طوبولوجي"، حيث يعتمد على عدد مرات دوران أحد الأنيونات حول الآخر، وليس على التغيرات الطفيفة في مسار دورانه، فإنه لا يتأثر بالاضطرابات الطفيفة. ومن شأن تلك البِنية القوية أن تسهِّل عملية رفع مستوى الحواسيب الكمية الطوبولوجية أكثر من تكنولوجيا الحوسبة الكمية المتاحة حاليًّا، التي تُعَد أكثر عُرضة للخطأ.

لكن الحوسبة الكمية الطوبولوجية ستتطلب أنيونات أكثر تطورًا من تلك التي عرضها مانفرا وفريقه في تجربتهم. والحق أن الفريق يعمل حاليًّا على إعادة تصميم الجهاز من أجل تحقيق ذلك. ومع ذلك، ينبِّه الباحثون إلى أن التطبيقات العملية للأنيونات لا تزال بعيدة المنال. ويقول سايمون: "حتى بعد خروج هذه النتائج الجديدة، ما زال من الصعب أن ننظر إلى أنيونات [هول-الكمية الكسرية] على أنَّها منافس قوي في مجال الحوسبة الكمية".

إنّ الخواص الفيزيائية الفريدة لأشباه الجسيمات تستحق الاستكشاف. وفي ذلك الشأن يقول روزناو: "بوصفي عالِم فيزياء نظرية في مجال المواد المكثفة، أرى أنها تعدِل في روعتها وغرابتها جُسيم هيجز، على أقل تقدير".

References

  1. Nakamura, J., Liang, S., Gardner, G. C. & Manfra, M. J. https://arxiv.org/abs/2006.14115 (2020). | article
  2. Rosenow, B. & Stern, A. Phys. Rev. Lett. 124, 106805 (2020). | article
  3. Willett, R. L. et al. Phys. Rev. Lett. 111, 186401 (2013). | article