كتب وفنون

ثلاث عالمات بارزات دارت عليهن رحى العِلم

تستعرض ألكسندرا ويتزي ممارسات العنصرية الممنهجة، والتحرش الجنسي، والتحيز المؤسسي، التي يضمّها فيلم وثائقي عن ثلاث باحثات صمدن ونجحن في مواجهة الصعوبات. 

ألكسندرا ويتزي

  • Published online:
اختصاصية علم الكيمياء ريتشيل بِركس تشارك تجربتها بشأن التحيز القائم على النوع الجنسي والتمييز العنصري في فيلم "لقطات من حياة ثلاث باحثات".

اختصاصية علم الكيمياء ريتشيل بِركس تشارك تجربتها بشأن التحيز القائم على النوع الجنسي والتمييز العنصري في فيلم "لقطات من حياة ثلاث باحثات".

Credit: Uprising, LLC

"لقطات من حياة ثلاث باحثات"

 فيلم لشارون شاتوك، وإيان تشيني، من إنتاج شركة "أبرايزينج" Uprising، عُرض على شبكة الإنترنت حتى السادس والعشرين من يونيو 2020 على الرابط: https://www.pictureascientist.com

إذا طلبتَ من الناس تخيُّل منظر عالِم، فماذا سيدور بمخيلة الكثير منهم؟ من المؤسف أنه سيكون صورة لرجل أبيض يرتدي معطف مختبر أبيض.

ويوضح فيلم "لقطات من حياة ثلاث باحثات" Picture a Scientist الأسباب التي تكمن وراء هذه الصورة النمطية، إذ يسرد -من خلال قصص ثلاث باحثات متميزات- التحيزات العنصرية القائمة على أساس النوع الجنسي، التي تدفع الكثير من الأشخاص إلى مغادرة مجال العلوم. ويتضمن الفيلم جميع العوامل المعتادة المُشتبَه بها في هذا السياق، وهي العنصرية الممنهجة، والتحيز المؤسسي، والتحرش الجنسي. وهذه العوامل مجتمعة تُخبر كثيرًا من الباحثين الطموحين كَذِبًا أنهم لا ينتمون إلى هذا المجال.

ويمزج صانعو الفيلم في هذا الإطار بين المقابلات الشخصية، والإحصائيات الصادمة، ويوضح الفيلم أن النساء تشكلن نسبة قوامها 50% من الحاصلين على درجات البكالوريوس في المجالات العلمية والتقنية في الولايات المتحدة. ومع ذلك، لا تمثلن إلا نسبة قدرها 29% من إجمالي العاملين في تلك المجالات، فخطوط الإمداد التي تفرز المهتمين بالعلوم تكون مكتظة بهم في البداية، لكنها بمرور الوقت تعاني شحًّا نتيجة لممارسات التمييز والتحرش، على حد قول بولا جونسون، رئيسة كلية ويليسلي في ولاية ماساتشوستس.

ولا شك أن أشكال التحيز المستتر واسعة الانتشار، وعلى سبيل المثال، يُفضَّل الرجال على النساء، حتى وإنْ كان لدى كل منهما السجل نفسه من الإنجازات. وقد برهن علماء النفس على ذلك التمييز عن طريق تحري ردود أفعال علماء تجاه مجموعة من السِّيَر الذاتية الزائفة، التي تتطابق في كل شيء، عدا أن بعضها أرسلها رجال، وبعضها الآخر ورد من نساء، أو تتضمن -أو تغفل- ذِكر حالة مُقدِّم الطلب فيما يخص انتماءه إلى مجموعة عرقية من الأقليات من عدمه، بل إن علماء الاجتماع أنفسهم، الذين يعون تحيزاتهم، لا يستطيعون التغلب عليها، كما يُقِرّون في الفيلم.

إن تشبيه التحرش الجنسي بجبل الجليد لفي محله، فهو يحمل في طياته فكرة أن ما يصل إلى الوعي والإدراك العام ليس إلا نزر يسير من أشكال التحرش، أو –بعبارة أخرى- ممارسات واضحة، مثل الاعتداء الجنسي، والإكراه على ممارسة الجنس. أما البقية الباقية من جبل الجليد، فتكون مطمورة في الأعماق، وخافية على الأعين. وتدخل في ذلك الجزء المستتر من جبال التحرش اعتداءات أكثر خسة وخبثًا، ابتداءً بالسباب المروع، وانتهاءً بتخريب معدات المختبر الخاصة بضحية التحرش. وعلى سبيل المثال، من بين جملة كبيرة من العبارات التي لا تُنسى في سياق الفيلم، ما ورد على لسان طالبة دراسات عليا وهي تتحدث عن المشرف على أطروحتها قائلة: "أتذكر المرة الأولى التي وصفني فيها بأنني ...". وثمَّة جبل جليد من نوع آخر للاعتداءات العنصرية الخفية التي تختبئ وراء التعديات السافرة (انظر، على سبيل المثال، go.nature.com/3hfuco8).

خاضت ريتشيل بِركس غمار معركة أشد وطأة من معظم قريناتها، وهي تعمل حاليًّا عالمة كيمياء تحليلية بالجامعة الأمريكية في العاصمة واشنطن، وتتخصص في تطوير تقنيات للكشف عن المتفجرات. وتصوِّرها كاميرا الفيلم في أثناء عملها في أحد المختبرات، وهي ترتدي قميصًا، وسروالًا من الجينز، وتشرح الكيمياء للطلاب وقد غمرها الحماس. تجدر الإشارة إلى أن بِركس من النساء سوداوات البشرة اللاتي اقتحمن الوسط الأكاديمي. ولكونها كذلك، التبس الأمر على شخص ذات مرة أثناء عملها في مكتبها، واعتقد أنها عاملة نظافة. ولأنها تصادِف عددًا أقل من العلماء السود كلما ترقَّت في عملها؛ تعمل على الدوام في مجال توصيل العلوم، والتواصل العلمي، كي يتمكن الأطفال من رؤية عالمة من ذوات البشرة المُلوَّنة في هذا المجال، الذي يشير فيه كثيرون إليها باسم دكتور روبيديوم.

يتتبع صانعو الفيلم بِركس في أثناء حضورها اجتماعًا لعلماء الكيمياء في كندا، حيث تتحدث عن تمثيل الأطياف البشرية المختلفة في قاعة يغلب عليها أصحاب البشرة البيضاء. تُخبر بِركس الحاضرين أننا جميعًا نتقمص أدوارًا مختلفة بدرجة ما، بمعنى أننا نتنقل ما بين شخصياتنا الفردية، وشخصياتنا المهنية، لكي نتفاعل مع العلماء الآخرين، لكنْ -على حد قولها- لم يتساءل أحد قط عن السبب في أن نسخة معينة من المظهر المهني –على سبيل المثال، البَذْلة الرسمية، والشعر الناعم– تُعد أكثر ملاءمة من المظهر الذي تبدو عليه بِركس.

 
أطلقت عالمةُ الأحياء نانسي هوبكنز حملة من أجل المساواة في المعاملة بين الباحثات ونظرائهن الذكور في أثناء العمل.

أطلقت عالمةُ الأحياء نانسي هوبكنز حملة من أجل المساواة في المعاملة بين الباحثات ونظرائهن الذكور في أثناء العمل.

Credit: Uprising, LLC

لا يتطرق فيلم "لقطات من حياة ثلاث باحثات" إلى ما هو أبعد من ذلك في تناوله للتحديات الناجمة عن تداخل أشكال التمييز التي يواجهها كثير من الباحثات. أما بطلتا الفيلم الأخريان، فهما من النساء البيض، ولهما أيضا نصيب من القصص المثيرة للاهتمام.

صُدمت عالمة الأحياء نانسي هوبكنز عندما وضع فرانسيس كريك يديه على صدرها أثناء عملها في مختبر معه. وعندما أصبحت فيما بعد أستاذة في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) في كامبريدج، أدركت أن هذا النوع من المشكلات ضارب بجذوره، وأنه أقل وضوحًا. وعندما لم تتمكن من الحصول على مختبر ذي مساحة كافية لإجراء بحثها الذي يتناول تطور سمك الزرد، استخدمت شريط قياس، لإثبات أن أعضاء هيئة التدريس من الذكور تُتاح لهم مساحة أكبر بكثير من تلك التي تُمنَحها نظيراتهم. ونتابع في الفيلم الوثائقي هوبكنز وهي تسير اليوم في أروقة المعهد نفسها، لتدرس أبعاده، وترصد أوجه عدم المساواة فيه. 

استقطبت هوبكنز بعض زملائها لجمع المزيد من البيانات في هذا السياق، وتُوِّج هذا الجهد بدراسة رائدة نُشرت في عام 1999 عن التحيز القائم على النوع الجنسي، الذي يُمارَس في كلية العلوم التابعة لمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا انظر: (go.nature.com/2ngyiyd). وقد ترددت أصداء تلك الدراسة في جميع جنبات نظام التعليم العالي في الولايات المتحدة، وأجبرت العديد من المسؤولين الإداريين على مواجهة التمييز الراسخ فيها، لكن هوبكنز -كما تروي- كانت تُحبِّذ قضاء ذلك الوقت في إجراء الأبحاث العلمية.

أما القصة الثالثة، فبطلتها جين ويلينبرينج، وهي اختصاصية في علوم الأرض، قدَّمت في عام 2016 شكوى رسمية تتهم فيها المشرف على أطروحة الدكتوراة الخاصة بها، ديفيد مارشانت، باعتياده الإساءة إليها أثناء العمل الميداني في القارة القطبية الجنوبية قبل سنوات. أُقيل مارشانت، الذي أنكر تلك التهم، من منصبه في جامعة بوسطن في إبريل من عام 2019، بعد خضوعه للتحقيق. وتجمع مَشاهد من فيلم "لقطات من حياة ثلاث باحثات" ويلينبرينج بآدم لويس، الذي كان أيضًا طالب دراسات عليا خلال موسم العمل الميداني ذاك في القارة القطبية الجنوبية، وكان شاهدًا على العديد من تلك الإساءات. والمحادثات التي جرت بين الاثنين تُذَكِّرنا -على نحو صارخ- بمدى السرعة التي يمكن أن تسقط بها –إلى حد صادم- الحواجز التي يتحتم أن تحكم علاقات العمل، وبخاصة في بيئات العمل النائية، إذ يخبر لويس ويلينبرينج في أثناء الحوار أنه لم يدرك آنذاك أنها كانت تشعر بالاستياء، لأنها لم تُبدِ ذلك. وتُعقِّب ويلينبرينج على ذلك قائلة: "إن تلال الإساءات –حتى وإن كانت إساءات بسيطة- تظل تلالًا!".

وفي تناقض صارخ، يعرض لنا الفيلم لقطة لويلينبرينج، التي تعمل حاليًّا بمعهد سكريبس لعلوم المحيطات في سان دييجو بولاية كاليفورنيا، بصحبة اثنين من طلابها وهم عاكفون على العمل على طول المنحدرات الساحلية، حيث يتعاون الفريق لجمع عينات من الصخور باستخدام مثقاب، بهدف استخلاص أدلة بشأن الكيفية التي قد تُثْبِت بها كاليفورنيا قدرتها على الصمود في وجه تغيُّر المناخ، ويجري ذلك كله بأناة وحرص. وقد أدهشني هذا المشهد، ورأيته في موضعه تمامًا؛ بالنظر إلى مدى صمود ويلينبرينج، وقوة الباحثات اللاتي يتناول الفيلم بعض تفاصيل حياتهن المهنية.
ألكسندرا ويتزي مراسلة لدورية Nature، تقيم في مدينة بولدر بولاية كولورادو.