أخبار

النيوترينوات تكشف آخِر أسرار الاندماج النووي في الشمس

ما رصده الباحثون من جسيماتٍ تُنتَج في لُب الشمس يدعم نظريةً مقترحة منذ فترةٍ طويلة عن كيفية تزوُّد نجمنا بالطاقة.

دافيديه كاستلفيكي
  • Published online:
تنبعث النيوترينوات خلال تفاعلات الاندماج النووي في مركز الشمس.

تنبعث النيوترينوات خلال تفاعلات الاندماج النووي في مركز الشمس.

Detlev Van Ravenswaay/Science Photo Library

تمكَّن الفيزيائيون من كشف آخِر ما كان ينقصنا من تفاصيلٍ عن كيفية تزوُّد نجمنا بالطاقة من عملية الاندماج النووي، وذلك عبر رصد النيوترينوات المنبعثة من لُب الشمس.

يؤكد هذا الكشف صحة توقعاتٍ نظرية مطروحة منذ عقود، مفادها أنَّ بعضًا من طاقة الشمس يَنتُج عن سلسلةٍ من التفاعلات التي تدخل فيها أنوية الكربون والنيتروجين. وتعمل هذه العملية على دمج أربعة بروتونات، لتكوين نواة هيليوم واحدة، وهو ما يؤدي إلى إطلاق اثنين من النيوترينوات –أخف جسيمات المادة الأولية المعروفة- إضافةً إلى جسيماتٍ دون ذَرية أخرى، وكمياتٍ وفيرة من الطاقة. وهذا التفاعُل بين الكربون والنيتروجين (CN) لا يُمثِّل المسار الوحيد لتفاعلات الاندماج في الشمس، فهو يُنتِج أقل من 1% من طاقتها، لكن يُعتَقد أنَّه مصدر الطاقة الرئيس في النجوم الأكبر. وتُمثِّل هذه النتائج أول عملية رصد مباشرة للنيوترينوات الناتجة عن هذه العملية.

وعن ذلك الاكتشاف، يقول مارك بينسونوه، عالِم الفيزياء الفلكية في جامعة ولاية أوهايو بمدينة كولومبوس الأمريكية: "أنْ نؤكد بالفعل واحدًا من التوقعات الأساسية لنظرية البِنية النجمية لهُوَ أمرٌ رائع على الصعيد الفكري".

وقد أُعلِنَ عن هذه النتائج -التي لم تخضع بعد لمراجعة أقران- في الثالث والعشرين من يونيو الماضي، في مؤتمر النيوترينو الافتراضي لعام 2020، حين كشف عنها القائمون على مشروع تجربة "بوريكسينو" Borexino، التي تجرى تحت الأرض في وسط إيطاليا.

كانت المنشأة التي أٌجري فيها المشروع هي أول موقعٍ يرصد النيوترينوات مباشرةً من خلال ثلاث خطواتٍ منفصلة خاصة بتفاعلٍ آخر، يُسمَّى التفاعل المتسلسل بين البروتونات، وهو التفاعل الذي يشكل النسبة الغالبة من عمليات الاندماج النووي في الشمس13. وتعقيبًا على هذا الحدث، قال جواكينو رانوتشي، عالِم الفيزياء بجامعة ميلان في إيطاليا، وأحد المتحدثين باسم المشروع، الذي عَرَض تلك النتائج في المؤتمر: "بهذه النتيجة، تكون تجربة بوريكسينو قد كشفت تمامًا العمليتين اللتين تزوّدان الشمس بالطاقة".

وتُعَد تلك النتائج آخِر الإنجازات الهائلة التي حققها مشروع "بوريكسينو"، الذي ربما يتوقف في غضون عام، بعد أن حقَّق ذلك الاكتشاف. وفي هذا الصدد، يقول ماركو بالافيتشيني، عالِم الفيزياء بجامعة جنوه في إيطاليا، والمتحدث الآخَر باسم المشروع: "لقد أنهينا التجربة باكتشافٍ مدوٍّ".

الراصد البالوني

تجري تجربة "بوريكسينو" لدراسة النيوترينوات الشمسية منذ عام 2007 في قاعةٍ تمتد إلى أكثر من كيلومتر تحت الصخور في مختبرات جران ساسو الوطنية بالقرب من مدينة لاكويلا في إيطاليا. وجهازُ الرصد المستخدَم في التجربة هو بالونٍ ضخم من مادة النايلون، مملوء بكميةٍ تبلغ 278 طنًّا من الهيدروكربونات السائلة، ومغمور في الماء. وعندما تمر تقريبًا جميع النيوترينوات القادمة من الشمس سريعًا عبر الأرض في خطٍ مستقيم، وكذلك عبر موقع تجربة بوريكسينو، فإنَّ عددًا ضئيلًا منها يرتد عن الإلكترونات الموجودة في الهيدروكربونات، منتِجًا ومضاتٍ ضوئية تلتقطها المستشعرات الفوتونية في خزَّان المياه.

ونظرًا إلى أنَّ سلسلة التفاعل بين الكربون والنيتروجين مسؤولة عن نسبة صغيرة فحسب من عمليات الاندماج في الشمس، فإنَّ النيوترينوات الناتجة عنها تتسم نسبيًّا بالندرة. وإضافةً إلى ذلك، فمن السهل الخلط بينها وبين النيوترينوات الناتجة عن الانحلال الإشعاعي لعنصر البزموث-210، وهو نظيرٌ يتسرب من النايلون المصنوع منه البالون إلى خليط الهيدروكربونات.

ورغم أنَّ معدل التلوث بنظير البزموث ضئيل للغاية، إذ ينحل بضع عشراتٍ على الأكثر من نويات البزموث يوميًّا في تجربة "بوريكسينو"، فإنَّ فصل الإشارة الشمسية عن التشويش الناتج عن انحلال البزموث تطلَّب جهدًا مضنيًا، بدأ في عام 2014، حيث لم يتسنَّ للقائمين على التجربة منع البزموث-210 من التسرُّب خارج البالون، ولذا، استهدفوا خفض معدل تسرُّبه إلى منتصف السائل، مع تجاهل الإشارات الواردة من الحواف الخارجية. ولتحقيق هذا، كان الفريق بحاجة إلى التحكم في أي اختلالات في درجة الحرارة في جميع أنحاء الخزان، إذ قد تتسبب هذه الاختلالات في توليد حِملٍ حراري، ومن ثمَّ تؤدي إلى امتزاج محتويات الخزان بسرعةٍ أكبر. ويقول بالافيتشيني عن ذلك: "لا بد أن يكون السائل ساكنًا إلى حد استثنائي، بحيث لا يتحرك إلَّا بمقدار بضعة أعشار من السنتيمترات شهريًّا على الأكثر".

وللحفاظ على الهيدروكربونات عند درجة حرارة ثابتة ومُوَحَّدة، غلَّف الباحثون الخزان بأكمله بغطاءٍ عازل، وركَّبوا مبادلاتٍ حرارية لموازنة درجة الحرارة تلقائيًّا في جميع أرجاء الخزان، ثم انتظروا. ولم تتراجع قوة تشويش البزموث بما يكفي لتتضح إشارة النيوترينوات إلَّا في عام 2019. وبحلول أوائل عام 2020، كان الباحثون قد تمكنوا من جمع عددٍ كافٍ من الجسيمات، ليعلنوا بحسم أنَّهم قد رصدوا نيوترينواتٍ ناتجة عن سلسلة تفاعل الاندماج النووي بين الكربون والنيتروجين.

وعن هذا الكشف، قال ألدو سيرينيللي، عالِم الفيزياء الفلكية بمعهد علوم الفضاء في مدينة برشلونة بإسبانيا: "إنَّه أول دليل مباشر حقًّا على أنَّ الهيدروجين الذي يحترق في التفاعل بين الكربون والنيتروجين يؤدي وظيفةً ما في النجوم. ولذا.. هذا مدهش حقًّا".

توقعاتٌ بشأن سطح الشمس ولُبِّها

إضافةً إلى تأكيد التوقعات النظرية بشأن مصدر طاقة الشمس، فإنَّ رصد نيوترينوات التفاعل بين الكربون والنيتروجين يمكن أن يُسلِّط الضوء على بِنْية لُب الشمس؛ وتحديدًا تركيزات العناصر التي يُطلق عليها علماء الفيزياء الفلكية اسم المعادن (العناصر الأثقل من الهيدروجين، والهيليوم).

وفي هذا الصدد، تبدو كميات النيوترينوات التي رصدتها تجربة "بوريكسينو" متسقةً مع النماذج القياسية التي تقضي بأنَّ "وفرة العناصر المعدنية" في لُب الشمس تكافئ وفرتها في سطحها، غير أنَّ الدراسات الأحدث بدأت تُشكِّك في هذا الافتراض، حسبما أوضح سيرينيللي، إذ تشير هذه الدراسات إلى أنَّ تلك العناصر متوفرةٌ بكميةٍ أقل في لُب الشمس. ولمَّا كانت هذه العناصر تُنظِّم سرعة انتشار الحرارة من اللُب، فإنَّ ذلك يعني ضمنيًّا أنَّ لُب الشمس أبرد قليلًا مما قُدر سابقًا، لكن سيرينيللي أوضح أنَّ إنتاج النيوترينوات يتأثر بشدة بدرجة الحرارة، وأنَّه بالنظر إجمالًا إلى كميات النيوترينوات المختلفة التي رصدتها تجربة "بوريكسينو"، فإنَّها تبدو متسقةً مع التقديرات القديمة لوفرة العناصر المعدنية في لُب الشمس، وليس مع التقديرات الجديدة.

وكتفسيرٍ مُحتَمل لذلك، أشار سيرينيللي وعلماء فيزياء فلكية آخرون إلى أنَّ لُب الشمس ربما يتوفر به قدرٌ أكبر من العناصر المعدنية، مقارنةً بالطبقات الخارجية. ويمكن لتكوينه أن يكشف المزيد عن المراحل المبكرة من عمر الشمس، التي تسبَّب بعدها تشكُّل الكواكب في إزالة بعضٍ المعادن التي كانت تتراكم على النجم اليافع.

References

  1. Bellini, G. et al. Phys. Rev. Lett. 107, 141302 (2011). | article
  2. Bellini, G. et al. Phys. Rev. Lett. 108, 051302 (2012). | article
  3. Bellini, G. et al. Nature 512, 383–386 (2014). | article