أخبار

أدلة تشير إلى أن فيروس كورونا قد يسبب الإصابة بداء السكري

الشواهد المستمَدَّة من دراسات الأنسجة وتجارب المصابين تظْهِر أن الفيروس يمكن أن يتلف الخلايا المنتجة للإنسولين.

سمريتي مالاباتي
  • Published online:
لا يستطيع جسم الشخص المصاب بداء السكري من النوع الأول -وهو أحد عوامل الخطر المعروفة للإصابة بمرض "كوفيد-19"- إنتاج هرمون الإنسولين.

لا يستطيع جسم الشخص المصاب بداء السكري من النوع الأول -وهو أحد عوامل الخطر المعروفة للإصابة بمرض "كوفيد-19"- إنتاج هرمون الإنسولين.

Bernard Chantal/Alamy

في منتصف شهر إبريل الماضي، اكتشف فين جنادْت، وهو طالب يبلغ من العمر 18 عامًا من كيل بألمانيا، أنه مُصاب بفيروس "سارس-كوف-2" SARS-CoV-2، المسبِّب لمرض "كوفيد-19"، بالرغم من أنه لم تظهر عليه أيَّة أعراض. كان والداه قد أصيبا بوعكة صحية بعد رحلة نهرية في النمسا، وعلى أثرها خضع أفراد الأسرة لفحص الأجسام المضادة للفيروس، التي ينتجها الجسم كاستجابةٍ للإصابة بالعدوى الفيروسية.

ظنَّ جنادت أنه قد تجاوز العدوى سالمًا، دون أن يلحق به ضرر يُذكر، ولكن ما هي إلا أيام قلائل حتى بدأ يشعر بالإنهاك والظمأ الشديدين. وفي أوائل شهر مايو، عَلِم أنه قد أصيب بداء السكري من النوع الأول. وأشار تيم هولشتاين، طبيبه المعالج بمستشفى شليسفيج-هولشتيان الجامعي في كيل، إلى أن ظهور المرض على هذا النحو المفاجئ ربما يكون مرتبطًا بالعدوى الفيروسية التي ألمَّت بالمريض.

جديرٌ بالذكر أنَّه في معظم حالات الإصابة بداء السكري من النوع الأول، تبدأ الخلايا المناعية في تدمير خلايا بيتا –المسؤولة عن إنتاج هرمون الإنسولين– في البنكرياس، وغالبًا ما يحدث ذلك على نحوٍ مفاجئ. اشتبه هولشتاين في أن الفيروس قد دمَّر خلايا بيتا في جسم جنادت، بعدما لاحظ أن عينات دمه تخلو من أنواع الخلايا المناعية المسؤولة عادةً عن إحداث هذا الضرر.

وقد بات من المعروف أن داء السكري يُعَد من عوامل الخطر الرئيسة للإصابة الحادة بمرض كوفيد-19 (انظر المرجع 1)، وأن احتمالات الوفاة من جرَّاء الإصابة بالعدوى تزداد بين مرضى السكري2. وفي هذا الصدد، يقول بول زيميت -الباحث في مجال أمراض الأيض بجامعة موناش في مِلبورن بأستراليا- إن "داء السكري سيكون له تأثير شديد الضراوة، إذا ما أُصيب المريض بمرض كوفيد-19".

والواقع أنَّ زيميت هو واحد من بين عددٍ متنامٍ من الباحثين الذين يعتقدون أن داء السكري لا يجعل أصحابه أكثر عرضةً للإصابة بفيروس كورونا فحسب، وإنما يذهبون إلى أبعد من ذلك، ويقولون باحتمال تسبُّب الفيروس في إصابة البعض بداء السكري أيضًا3. وفي تعليقه على ذلك، يقول زيميت: "إن داء السكري -في حد ذاته- جائحة، شأنه شأن جائحة "كوفيد-19"، وربما تتلاقى الجائحتان".

وقد تَولَّد لدى الباحثين هذا الانطباع استنادًا إلى وجود بضعة أشخاص –على غرار جنادت– ممَّن أُصيبوا تلقائيًّا بداء السكري4، عقب إصابتهم بفيروس "سارس-كوف-2"، وكذلك إلى الأدلة المستقاة من عشرات الأشخاص الآخرين المصابين بمرض "كوفيد-19"، الذين اكتُشف لدى وصولهم إلى المستشفيات أنهم يعانون من ارتفاعٍ شديد في مستويات سكر الدم والكيتونات5، التي تنتجها الدهون المترسبة على الكبد. ومن المعلوم أنه عندما يعجز الجسم عن إنتاج ما يكفي من الإنسولين لتكسير السكر، فإنه يعتمد على الكيتونات كمصدر بديل للطاقة.

كما يسُوق الباحثون أدلة أخرى؛ فهناك فيروسات عديدة، من بينها الفيروس المسؤول عن الإصابة بالمتلازمة التنفسية الحادة الوخيمة (سارس)، سبق الربط بينها وبين أمراض المناعة الذاتية، مثل داء السكري من النوع الأول6. وإضافةً إلى ذلك، فإن العديد من أعضاء الجسم المشارِكة في ضبط مستوى سكر الدم يحتوي على نِسَب مرتفعة من بروتين ACE2، وهو البروتين ذاته الذي يستخدمه فيروس "سارس-كوف-2" لإصابة الخلايا بالعدوى7.

أما أحدث الأدلَّة، فيأتي من دراسة تجريبية أُجريت على أعضاء بنكرياس مُصغَّرة مستزرَعة في المختبر؛ إذ تذهب الدراسة -التي نُشرت خلال الشهر الماضي8 - إلى أن الفيروس ربما يتسبب في الإصابة بداء السكري، عن طريق إتلاف الخلايا المسؤولة عن ضبط مستوى السكر في الدم، غير أنَّ هذه الأطروحات قُوبلتْ بالتحفُّظ من قِبل باحثين آخرين، من بينهم نافيد ساتار، باحث أمراض الأيض بجامعة جلاسجو في المملكة المتحدة، إذ يقول: "علينا أن نراقب -عن كثب- معدلات الإصابة بداء السكري بين المتعافين من مرض «كوفيد-19»، لنحدد ما إذا كانت هذه المعدلات ترتفع كثيرًا عن المستويات المتوقعة".

ويرى عبد طهراني -الطبيب الإكلينيكي والباحث بجامعة برمنجهام في المملكة المتحدة- أن إثبات وجود رابطٍ بين المرضين يتطلَّب من الباحثين العثور على أدلة أكثر تماسكًا.

وقد أُطلِقت مبادرة للسعي في هذا الاتجاه؛ ففي شهر يونيو الماضي، أنشأت مجموعة دولية تضمُّ عددًا من العلماء -بينهم زيميت- قاعدة بيانات3 تهدف إلى جمع المعلومات من الأشخاص المصابين بمرض "كوفيد-19" ويعانون من ارتفاع مستويات السكر في الدم، على ألا يكونوا مصابين بداء السكري، أو يواجهون أية مشكلات متعلقة بضبط مستوى السكر في الدم، قبل الإصابة بالعدوى الفيروسية.

وقد بدأت الحالات تَترى، على حدِّ قول ستيفان بورنشتاين، الطبيب بجامعة دريسدن التقنية في ألمانيا، وأحد المشاركين في إنشاء السجلّ المذكور. ويأمل الباحثون في الاستفادة من بيانات هذه الحالات على النحو الذي يُعِينهم على فهم ما إذا كان يمكن لفيروس "سارس-كوف-2" أن يتسبب في الإصابة بداء السكري من النوع الأول، أم بنوع جديد من المرض. كما يعتزمون دراسة ما إذا كان داء السكري الذي يظهر على نحوٍ فجائي يتحوَّل إلى حالة دائمة لدى الأشخاص الذين أُصيبوا بمرض "كوفيد-19". وكذلك فإنهم يتطلعون إلى معرفة ما إذا كان بإمكان الفيروس أن يُفضي بالأشخاص الذين هم في طريقهم إلى الإصابة بداء السكري من النوع الثاني إلى الإصابة الفعلية بالمرض.

وتُظهِر الدراسة التي أُجريت على العُضيَّات المستزرعة مخبريًّا كيف أن فيروس "سارس-كوف-2" يمكن أن يتلف البنكرياس8. فقد أوضحت شويبينج تشين -اختصاصية بيولوجيا الخلايا الجذعية بكلية طب وايل كورنيل في مدينة نيويورك- وزملاؤها أن الفيروس يمكن أن يصيب الخلايا ألفا وبيتا في تلك العُضيَّات، ما يؤدي إلى موت بعضها. يُذكر أنه بينما تنتج خلايا بيتا الإنسولين لخفض مستويات السكر في الدم، تنتج خلايا ألفا هرمون الجلوكاجون الذي يرفع هذه المستويات. وبإمكان الفيروس أيضًا أن يحفِّز إنتاج البروتينات المعروفة باسم الكيموكينات، والسيتوكينات، التي من شأنها إحداث استجابة مناعية يمكن أيضًا أن تتسبب في قتل الخلايا، حسب الدراسة المنشورة في دورية "سيل ستيم سيل" Cell Stem Cell في التاسع عشر من يونيو الماضي.

وتضيف تشين قائلة إن التجارب تشير إلى أن الفيروس بإمكانه تعطيل وظيفة خلايا جوهرية ذات صلة بالإصابة بداء السكري، عن طريق قتلها مباشرةً، أو إطلاق استجابة مناعية لمهاجمتها.

وفضلًا عن ذلك.. لُوحظ أن الفيروس يهاجم عُضيَّات بنكرياس سبَقَتْ زراعتها في الفئران، وكذلك بعض خلايا عُضيَّات الكبد. والجدير بالذكر أن الكبد يلعب دورًا بارزًا في تخزين السكر وإفرازه في مجرى الدم عندما يستشعر وجود الإنسولين.

وفي تعليقه على ذلك.. ذكر طهراني أن الدراسة التي أُجريت على العُضيات المستزرعة مخبريًّا تؤيد الحُجة القائلة إن الفيروس قد يتسبب في الإصابة بداء السكري، أو إحداث مضاعفات لدى مَن يعانون من المرض بالفعل، ولكنَّ الورقة البحثية وحدها ليست كافية لإثبات وجود هذه الصلة.

وربما توجد عوامل أخرى بخلاف تلك التي يُشير إليها بعض العلماء، حسب قول شاين جراي، اختصاصي أمراض المناعة في معهد جارفان للأبحاث الطبية في سيدني بأستراليا، الذي يضيف قائلًا إن الفيروس يمكنه إحداث التهاب حاد من شأنه أن يعوق قدرة البنكرياس على استشعار الجلوكوز، وإفراز الإنسولين، فضلًا عن أن بإمكانه إضعاف قدرة الكبد والعضلات على رصد الهرمون؛ الأمر الذي من شأنه أن يقود إلى الإصابة بداء السكري.

ويقول ساتار إن الدراسات طويلة الأمد هي وحدها الكفيلة بالكشف عما يعتمل في جسم الإنسان عند الإصابة بمرض "كوفيد-19".

References

  1. Docherty, A. B. et al. Preprint at medRxiv https://doi.org/10.1101/2020.04.23.20076042 (2020). 
  2. Zhu, L. et al. Cell Metab. 31, 1068–1077 (2020). | article
  3. Rubino, F. et al. New Engl. J. Med. https://doi.org/10.1056/NEJMc2018688 (2020). | article
  4. Chee, Y. J., Ng, S. J. H. & Yeoha, E. Diabetes Res. Clin. Pract. 164, 108166 (2020). | article
  5. Li, J. et al. Diabetes Obes. Metab. https://doi.org/10.1111/dom.14057 (2020). | article
  6. Yang, J.-K., Lin, S.-S., Ji, X.-J. & Guo, L.-M. Acta Diabetol. 47, 193–199 (2010). | article
  7. Hamming, I. et al. J. Pathol. 203, 631–637 (2004). | article
  8. Yang, L. et al. Cell Stem Cell https://doi.org/10.1016/j.stem.2020.06.015 (2020). | article