تحقيق إخباري

كيف نجحت الإمارات في بناء بعثة للمريخ من لا شيء في ستة أعوام 

كيف تمثل القفزة إلى المريخ نقطة انطلاق لمجال العلوم في دولة الإمارات العربية المتحدة؟

إليزابيث جيبني

  • Published online:
مسبار "الأمل" لاستكشاف المريخ في مركز محمد بن راشد للفضاء في دبي.

مسبار "الأمل" لاستكشاف المريخ في مركز محمد بن راشد للفضاء في دبي.

MBRSC

عندما أعلنت دولة الإمارات العربية المتحدة في عام 2014 أنها سوف ترسل بعثة إلى المريخ بحلول الذكرى الخمسين لتأسيس الدولة في ديسمبر عام 2021، بدا هذا وكأنه رهان صعب المنال إلى أبعد الحدود. في ذلك الوقت، لم يكن لدى دولة الإمارات وكالة فضاء ولا علماء في مجال الكواكب، وكانت قد أطلقت قمرها الصناعي الأول لتوها. وعلى حد قول سارة الأميري -وهي في الأصل مهندسة كمبيوتر وقائدة الفريق العلمي للمشروع- كثيرًا ما كان يتنامى إلى سمع فريق مهندسي المشروع الذي شُكل على عجل، وبلغ متوسط أعمار أفراده 27 عامًا، العبارة الساخرة ذاتها: "لستم سوى مجموعة من الفتية؛ فكيف ستصلون إلى المريخ؟".

وبعد مرور ست سنوات، وبينما كانت تُجرى الاختبارات على المسبار في فبراير الماضي، تهلل وجه الأميري إعجابًا بالمسبار المخصص لاستكشاف المريخ والذي صُمِّم  بالكامل في بلادها. ففي غرفة نظيفة ساطعة في مركز محمد بن راشد للفضاء (MBRSC) في دبي، عكف مهندسون على اختبار المسبار -الذي يضاهي حجمه حجم سيارة- قبل شحنه إلى مركز تانيجاشيما الفضائي في اليابان. ومن المقرر إطلاق المسبار في غضون فترة تبلغ ثلاثة أسابيع بداية من يوم الخامس عشر من يوليو الجاري.

سوف يكون "مشروع الإمارات لاستكشاف المريخ" EMM هو أول مشروع بين الكواكب تباشره دولة عربية، بيد أن المهمة ليست مجرد استعراض للتكنولوجيا؛ فبمجرد وصول المسبار المعروف باسم "الأمل" Hope إلى الكوكب الأحمر في فبراير من عام 2021، سوف يقوم بإنتاج أول خريطة عالمية للغلاف الجوي للمريخ. وعلى غير المعتاد إلى حد ما بالنسبة للبعثات الفضائية، سوف يشارك "مشروع الإمارات لاستكشاف المريخ" البيانات التي تتوصل إليها مع الأوساط العلمية الدولية دون أي قيود.

وفي ذلك الصدد، يقول بريت لاندين -المهندس بجامعة كولورادو بولدر، وقائد فريق المركبة الفضائية بالبعثة- إن التقدم الذي أحرزته دولة الإمارات بالانتقال من إطلاق أقمار صناعية تدور حول الأرض إلى تدشين بعثة إلى الفضاء السحيق في خلال ست سنوات هو "أمر مذهل ولا يُصدَّق". وقد استقطبت دولة الإمارات هذا المهندس الأمريكي عبر شراكة غير اعتيادية، قدذَم من خلالها فريق جامعة كولورادو الإرشاد والتوجيه إضافة إلى خبراته في عمليات الإنشاء. ويصف لاندين هذه التجربة متعجبًا بقوله: "لم أر شيئًا كهذا قط".

لكن فيما يخص الإماراتيين، فإن الأهداف المتعلقة بعلوم الفضاء تأتي في المرتبة الثانية. ففي مواجهة التحديات الاقتصادية والبيئية، تأمل هذه الدولة الخليجية الصغيرة الغنية بالنفط في أن يؤدي مشروع المريخ إلى تسريع مساعيها للتحول إلى اقتصاد قائم على المعرفة من خلال تشجيع الأبحاث، والبرامج التي تمنح درجات علمية في العلوم الأساسية، ومن خلال إلهام الشباب في جميع الدول العربية. فيقول عمران شرف -مدير مشروع البعثة- إن مشروع استكشاف المريخ بمثابة مشروع ضخم مُصمَّم لإحداث "نقلة نوعية في أسلوب التفكير"، شأنه في ذلك شأن المشروعات الكبرى السابقة في قطاعات الموانئ والطرق. أي أن الدافع، على حد قوله: "ليس الفضاء، وإنما هو دافع اقتصادي".

سارة الأميري، قائدة الفريق العلمي للبعثة.

سارة الأميري، قائدة الفريق العلمي للبعثة.

Natalie Naccache for Nature.

وتقول سارة الأميري -التي تشغل أيضًا منصب وزير الدولة للعلوم المتقدمة- إن المشروع لا يزال في بدايته، لكن ثمَّة بوادر بأن الأمور تسير على ما يُرام. جمعت الأميري فريقًا من علماء الكواكب -هم في الوقت ذاته مهندسون "أُعيد تأهيلهم لغرض مختلف"- كما افتتحت كبرى الجامعات بدولة الإمارات في السنوات القليلة الماضية برامج دراسية جديدة تمنح درجات علمية في علوم الفلك، والفيزياء، وغيرها من العلوم الأساسية. وتُشكِّل النساء نسبة قوامها 34% من أفراد الفريق (انظر «المرأة في المجتمع العلمي الإماراتي») و80% من علماء البعثة. كذلك تدرس حكومة الإمارات العربية المتحدة في الوقت الراهن المشاركة في بعثات مستقبلية إلى القمر، وتنظر في إنشاء أول برنامج وطني لتمويل المنح على مستوى البلاد.

غير أن دولة الإمارات لا يزال أمامها شوط طويل لتقطعه؛ فعدد قليل جدًا من مؤسسات التعليم العالي بالبلاد – التي يبلغ عددها 100 مؤسسة أو نحو ذلك – يُجري أبحاثًا علمية، وبحسب تقديرات الأميري، فربما لا يزيد عدد الباحثين الأكاديميين المتفرغين على بضع مئات. وعلى الرغم من أن البلاد بها العديد من المهندسين والتقنيين، يقول أحمد بالهول، وزير التعليم العالي ورئيس مجلس إدارة وكالة الإمارات للفضاء، التي أُسست جنبًا إلى جنب مع بعثة استكشاف المريخ في عام 2014: "اكتشفنا أن لدينا نقصًا حادًا في أعداد العلماء".

وإذا تمكنت دولة الإمارات من تحقيق هذا التحول الاقتصادي، فستكون ثمار ذلك التحول أعظم بكثير من مجرد جمع البيانات من المريخ. فعلى حد قول الأميري، إن الوصول إلى المريخ مهم، لكن "الأهم منه هو كيفية الوصول إلى هناك".

ما بَعْد النفط

في كثير من النواحي، تبلغ دولة الإمارات من الحداثة ما يجعلها تبدو وكأنها دولة من المستقبل. إذ إن برج خليفة في دبي - وهو أطول مبنى في العالم - ونظام المترو ذاتي القيادة بها هما مظهران بعيدان كل البعد عن البدايات التي كانت فيها البلاد تتكون من مجموعة من المجتمعات المحلية الفقيرة التي تنتمي إلى قبائل مختلفة وحدت صفوفها في أعقاب الاستقلال عن المملكة المتحدة في عام 1971. فمنذ ذلك الحين، أسهمت الثروة النفطية ومشروعات البنية التحتية الجريئة في تحويل هذه الدولة الصحراوية إلى مركز عالمي للأعمال، والشحن، والسياحة، وإلى واحدة من أغنى دول العالم من حيث نصيب الفرد من الدخل. وعن ذلك، يقول شرف: "كل ما بذلته الإمارات من جهود منذ قيامها كان دافعه البقاء".

لكن القطاعات عينها التي ساعدت المدن الكبرى في الإمارات العربية المتحدة على الازدهار تأثرت سريعًا بالسلب بسلسلة من الانهيارات الاقتصادية، كما أن الربيع العربي زعزع أرجاء المنطقة. كما خلقت بعض جوانب الثروة النفطية مشكلات طويلة الأمد، تتمثل بالأخص في ما نتج عنها من وظائف حكومية ذات أجور مرتفعة، وإعانات سخية تمنحها الدولة لمواطنيها، الذين يشكلون 12% فقط من تعداد السكان (وهو تعداد يتألف معظمه من الوافدين المغتربين). ففي شتى أرجاء منطقة الخليج العربي، أدت هذه العوامل على مدار وقت طويل إلى جعل الوظائف في الشركات الناشئة، أو القطاع الخاص، أو مجال البحوث أقل جاذبية. وعلى الرغم من أن دولة الإمارات العربية المتحدة تشتهر بأهدافها المذهلة، فإن مواطنيها – كنتيجة- لا تراودهم عادةً طموحات كبيرة، حسبما يقول جون ألترمان، مدير برنامج الشرق الأوسط بمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في العاصمة الأمريكية واشنطن. ويضيف ألترمان: "تحاول الحكومة منذ سنوات خلق مسارات ومُحفِّزات بديلة لجعل الناس يطمحون إلى ما هو أكثر من مجرد وظيفة حكومية لا تتطلب سوى قليل من الجهد".

ولا تعاني البلاد من قرب نفاد النفط فحسب، وإنما تواجه أيضًا تحديات كبيرة فيما يتعلق بتوفير ما يكفي من الماء والغذاء لسكانها. إذ يتجه الطلاب الجامعيون من أبناء الإمارات إلى دراسة الهندسة أو إدارة الأعمال، في حين أن نسبة مَنْ يسعون منهم للحصول على درجات علمية في العلوم الأساسية -بما فيها الطب- أو يواصلون الدراسة إلى مستوى درجة الدكتوراة تقل عن 5%. وتُظهِر البيانات الواردة من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) أن الإمارات لم تفرز أي خريجين حاصلين على درجة الدكتوراة قبل عام 2010. وفي عام 2017، كان طلاب الدكتوراة يُشكِّلون أقل من 0.8% من إجمالي الملتحقين بالتعليم بعد الثانوي، وهو ما يعادل نصف النسبة في الدول العربية إجمالًا. وعلى الرغم من أن النساء يُشكلن قرابة 60% من جميع الخريجين الجامعيين و41% من خريجي تخصصات العلوم، والتكنولوجيا، والهندسة، والرياضيات، فقد تبيَّن أن تحويل هذه المواهب إلى قوة عاملة، لا سيما في مجال العلوم، يُمثِّل تحديًا صعبًا.

جاءت فكرة استخدام مهمة كوكب المريخ لخلق وظائف في مجال العلوم ولإلهام الشباب الإماراتي بامتلاك الرغبة في الالتحاق بتلك الوظائف من أعلى مستويات الدولة مباشرة؛ وذلك إثر نقلة شهدتها توجهات مجلس الوزراء في نهاية عام 2013. فقد تلقى شرف -الذي كان حينذاك أحد المهندسين القلائل المتخصصين في مجال الأقمار الصناعية في البلاد- اتصالًا مباشرًا من نائب رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة ورئيس الوزراء محمد بن راشد آل مكتوم يسأله فيه عما إذا كانت الإمارات قادرة على الوصول إلى المريخ بحلول عام 2021.

وحسبما تقول سارة الأميري، فإن إرسال بعثة إلى المريخ أكثر تعقيدًا بكثير من تثبيت قمر صناعي في مدار أرضي منخفض، وقد مُنيت قرابة نصف الرحلات إلى الكوكب الأحمر عبر التاريخ بالفشل. لذا، لا بد أن تتمتع المركبة المتجهة إلى المريخ باستقلال ذاتي إلى حد كبير يتيح لها التعامل مع تأخر الاتصالات مع الأرض (التي قد تتأخر بما يصل إلى 22 دقيقة). ولا بد أيضًا أن تكون المركبة قادرة على تجاوز تأثير القوى الهائلة لعملية الإقلاع، وأن تستخدم أنظمة دفع وملاحة متطورة لدخول مدار المريخ، وهي أمور لم يكن لدى الإمارات أية خبرات سابقة بها. من هنا، يقول بالهول: "لا يمكنك أن تستيقظ من نومك فجأة وتقول أريد الذهاب إلى المريخ. أريد بناء مركبة فضائية. عليك أن تتعلم حقًا كيفية القيام بذلك".

في الغرفة النظيفة بمركز الفضاء، يعكف الفنيون على تجهيز المسبار المُغلَّف للشحن إلى اليابان.

في الغرفة النظيفة بمركز الفضاء، يعكف الفنيون على تجهيز المسبار المُغلَّف للشحن إلى اليابان.

Natalie Naccache for Nature.

ولتحقيق ذلك، كان على الإمارات أن تستفيد من الخبرة الأجنبية مُستعينة بنموذج سبق أن أثبت نجاحه. ففي عام 2007، كانت دولة الإمارات قد استعانت بالشركة الكورية الجنوبية "ساتريك إينيشياتيف" Satrec Initiative لتصميم أول أقمارها الصناعية وبنائه، على أن يتضمن ذلك اضطلاع الشركة أيضًا بتدريب المهندسين الإماراتيين. وبحلول عام 2018، تمكنت الإمارات من إطلاق قمر صناعي جرى تصميمه وبنائه بالكامل على أراضيها.

وبتطبيق الخطوات ذاتها على بعثة المريخ، استعانت دولة الإمارات بخبراء مُتمرِّسين من بعثات وكالة ناسا، وبصفة رئيسية من جامعة كولورادو بولدر، للعمل مع باحثيها جنبًا إلى جنب وتوفير التدريب على كيفية إرسال مسبار إلى كوكب آخر. ويقول لاندين -الذي يقود فريق المركبة الفضائية الدولي المكون من 45 شخصًا- إنه سمع في بادئ الأمر أناسًا يشيرون إلى أن دولة الإمارات العربية المتحدة ربما كانت تحاول أن تشتري لنفسها موطئ قدم في الفضاء بالمال. ويضيف لاندين: "لم تسر الأمور في هذه البعثة على هذا النحو مطلقًا، بلا أدنى شك".

وبحسب قول شرف فإن رؤساءه قالوا له أن "يشيد تلك المركبة، لا أن يشتريها"، وأن يعمل على خلق المهارات اللازمة لذلك داخل دولة الإمارات نفسها. من هنا، عمل المهندسون الأمريكيون والإماراتيون معًا تحت قيادة شرف على كل خطوة من خطوات تطوير البعثة، بدءًا من التصميم ووصولًا إلى التصنيع، وكان أغلب الأعمال يجري في مقر جامعة كولورادو في بولدر، إلى جانب مركز محمد بن راشد للفضاء في دبي أيضًا. وقد عاش العديد من المهندسين الإماراتيين -الذين أقام بعضهم بعيدًا عن عائلاته لمدة ستة أشهر متتالية– تجربة جبال روكي كاملة بكل ما فيها، بما في ذلك التزلج، والتخييم. ويقول لاندين عن ذلك: "بعض الصداقات التي أقمتها سوف تدوم إلى الأبد".

رفض شرف التصريح بالميزانية المُخصَّصة للبعثة، موضحًا أن الخطة المقررة هي الكشف عن التكلفة الإجمالية بمجرد وصول مسبار "الأمل" إلى مداره حول كوكب المريخ. إلا أنه يؤكد على أن ذلك التحول السريع الذي استغرق ست سنوات فحسب لم يكن نتيجة لإهدار الأموال بلا حساب. وأضاف شرف قائلًا إن أهم ما في الأمر كان دعم القيادة لاتخاذ قرارات سريعة. ففي ظل افتقار دولة الإمارات لعلماء كواكب من أبنائها -وهم العلماء الذين يقترحون في المعتاد حمولات المركبات الفضائية في عملية مفتوحة- فإن قادة البعثة أيضًا وفروا الوقت من خلال تخطي عملية التقييم التنافسي المعتادة.

ويعرب لاندين عن شعوره تجاه المهمة قائلًا إن تدريب مجموعة من الشباب الإماراتيين المتحمسين، والعمل في بيئة تتميز بالجرأة وروح المغامرة –اللتين اتسمت بهما وكالة ناسا في السنوات الأولى– جعل أيضًا البعثة واحدة من أكثر المهام التي قام بها على مدار مسيرته المهنية تشويقًا. ولاندين من الخبراء المتمرسين في بعثات وكالة ناسا، بما فيها بعثتان لمركبتين جوالتين تجوبان حاليًا سطح المريخ. وكثيرًا ما يُسأل عن كيفية معاملة دولة الإمارات للنساء، وهو يجد متعة في الرد قائلًا إن النساء مُمثَّلات تمثيلًا جيدًا، بل إنهن يحظين في الواقع بتمثيل أكبر بكثير في الفريق الإماراتي مقارنة بنظيراتهن في الولايات المتحدة.

الأهداف العلمية

فيما يتعلق بأهداف الإمارات العلمية، استعانت الدولة بـ"مجموعة تحليل برنامج استكشاف المريخ"، وهو منتدى دولي بقيادة وكالة ناسا يتوافق على الفجوات المعرفية التي يجب معالجتها في بعثات المريخ المستقبلية. وتقول سارة الأميري في هذا السياق: "كان من المهم جدًا بالنسبة لنا أن يكون لنا موطئ قدم في مجال علمي لا يكون وثيق الصلة بدولة الإمارات فحسب، لكن بالمجتمع العلمي العالمي كذلك".

من ثم، اختار فريق "مشروع الإمارات لاستكشاف المريخ" الأدوات والمدار الذي من شأنه أن يسد فجوة معرفية كبرى تتعلق بكيفية تغيُّر الغلاف الجوي للمريخ خلال الدورات اليومية والموسمية. ويكمن الجانب المبتكر في مسبار "الأمل" في اختيار مداره المُميَّز. إذ سيسلك المسبار مسارًا واسعًا ونائيًا، لذا سوف يكون المسبار الأول من نوعه الذي يُقدِّم صورة شاملة للغلاف الجوي للمريخ وكذلك للغيوم، والغازات، والعواصف الترابية على سطح الكوكب على مدار اليوم بأكمله، بدلًا من الاكتفاء بفترات زمنية أو مساحات مكانية مُحدَّدة. كما أن البيانات التي ستتوصل إليها البعثة سوف تكون أيضًا متاحة تمامًا للجميع لدراستها.

وتقول بعض عضوات الفريق العلمي -اللاتي تحولن من مهندسات إلى مؤلفات لأبحاث ذات صلة بالبعثة - إنهن شعرن في وقت ما بأنهن تلفتن الأنظار في الاجتماعات الدولية بسبب ملابسهن؛ إلا أنهن الآن صرن من العناصر الأساسية الثابتة في المشروع، حيث يتبادلن البيانات ويلقين المحاضرات. فتقول فاطمة لوتاه، وهي مهندسة كيميائية تعمل على مقياس طيف الأشعة فوق البنفسجية الخاص بالبعثة: "لا يزال مظهرنا بالحجاب لافتًا للانتباه، لكنني اليوم أعرف الكثير من الأشخاص بالبعثة وأشعر أنني جزء من هذا المجتمع العلمي".

تأمل لوتاه أن يصبح هناك قريبًا خريجون في مجال العلوم لكي يأخذوا أماكنهم داخل الفريق. وبالفعل ارتفع عدد موظفي مركز محمد بن راشد للفضاء من سبعين شخصًا إلى أكثر من مائتي شخص، ويرسل المركز الباحثين إلى خارج البلاد على نحو منتظم في مهام تبادلية، كما يستضيف باحثين جامعيين متدربين.

يأتي كثير من هؤلاء المتدربين من جامعات بدأت للتو في تقديم برامج أكاديمية في المجالات ذات الصلة. وقد دشنت خمس جامعات إماراتية برامج في العلوم الأساسية. فعلى سبيل المثال، بدأت الجامعة الأمريكية في الشارقة في تقديم برامج دراسية للراغبين في نيل درجة البكالوريوس في الفيزياء، وأطلقت جامعة خليفة في أبو ظبي برنامجًا في هندسة الفضاء والطيران. وفي الوقت ذاته، سرعان ما أصبح المركز الوطني لعلوم وتكنولوجيا الفضاء (NSSTC) -الذي تأسس عام 2016 بجامعة الإمارات العربية المتحدة في العين- مصدرًا للوظائف البحثية للخريجين.

وعلى حد قول بالهول، تسهم البعثة إلى كوكب المريخ حاليًا في زيادة الاهتمام بمواد العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات. وقد زاد معدل التحاق الطلاب الإماراتيين ببرامج الدراسة الجامعية في هذه التخصصات الأربعة بنسبة تقترب من 12% سنويًا، وهو معدل أسرع بست مرات من الاتجاه العام لحركة الالتحاق بالتعليم الجامعي، علمًا بأن الزيادة في معدلات الالتحاق بهذه التخصصات بلغت أعلى مستوياتها بين النساء.

ويرى بالهول أن الحماس لارتياد الفضاء يشهد حاليًا انتشارًا واسعًا في المنطقة بفضل هزاع المنصوري، أول رائد فضاء إماراتي، والذي وصل إلى محطة الفضاء الدولية في عام 2019. وكانت دولة الإمارات قد أعلنت في وقت سابق من هذا العام أنها سوف تقود اتحادًا يضم إحدى عشرة دولة عربية لبناء قمر صناعي لرصد المناخ في المركز الوطني لعلوم وتكنولوجيا الفضاء. ومنذ عام 2014، أنشأت المملكة العربية السعودية والبحرين وكالات فضاء خاصة بهما. ويقول بالهول إن "مشروع الإمارات لاستكشاف المريخ" يمثل واجهة عامة لتوجه أوسع نحو تشجيع البحث العلمي في دولة الإمارات العربية المتحدة. ووفقًا لخطط دُشِنَت في عام 2017، تهدف الدولة إلى زيادة عدد خريجي الدكتوراة من المواطنين الإماراتيين بمعدل ثلاثة أضعاف بحلول عام 2030، وهو الإنجاز الذي ستكمله الجهود المبذولة لاستقدام باحثين من الخارج من خلال برنامج أكثر مرونة لمنح التأشيرات.

وتأمل وزارة بالهول أن يعتمد مجلس الوزراء في وقت لاحق من هذا العام اقتراحه بإنشاء صندوق وطني تنافسي للأبحاث يعمل على تحفيز النمو العلمي من خلال توفير دعم ثابت وطويل المدى لقطاع العلوم في الجامعات، بما في ذلك تقديم التمويل اللازم لاستقطاب باحثين من الخارج. ويجري بالفعل حاليًا تنفيذ برنامج تجريبي مدته أربع سنوات تديره الوزارة بميزانية تبلغ مائة مليون درهم إماراتي (ما يعادل 27 مليون دولار أمريكي)، حيث سيقدم البرنامج منحًا تمتد لعدة سنوات لبرامج بحثية مختارة، على أن تكون الخطوة المقبلة "أكبر بكثير"، على حد قول بالهول.

لقد ارتفعت الحصة المُخصَّصة للبحث والتطوير من الناتج المحلي الإجمالي لدولة الإمارات العربية المتحدة بالفعل من 0.5% في عام 2011 إلى 1.3% في عام 2018، وهي بذلك تسير قدمًا في طريقها نحو تحقيق هدفها لبلوغ 1.5% بنهاية العام القادم. وتملك دولة الإمارات مُخططات كبيرة لمواصلة التقدم في مجال الفضاء؛ حيث تخطط لبناء «مدينة المريخ العلمية» خارج إمارة دبي، وهي المدينة التي ستكون مكرسة للبحث والتعليم، وكذلك الترفيه. كما تدرس دولة الإمارات حاليًا -شأنها في ذلك شأن العديد من البلدان الأخرى- إرسال مركبات فضائية، وربما بعض البشر، إلى القمر.

ويشعر كثير من الباحثين خارج البلاد بالحماس لهذه المغامرة الإماراتية لارتياد الفضاء. فتقول دانييل وود، وهي اختصاصية هندسة الفضاء والطيران والسياسات في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا في كامبريدج: "أحب الاستماع إلى أفراد الفريق وهم يتحدثون عن دوافعهم للقيام بهذه المهمة، وعن رؤيتهم لها بوصفها هدفًا مُلهمًا يبث الحماس والأمل في جميع أنحاء منطقة الشرق الأوسط".

وثمة خطة حكومية أخرى مُعلنة تتمثل في أن تصبح البعثة في نهاية المطاف جزءًا من مستوطنة على كوكب المريخ؛ على الرغم من أن هذا لن يمكن تحقيقه قبل عام 2117. ويقول بالهول: "ما زلنا نحتفظ بطموحنا طويل الأمد للذهاب إلى المريخ، لكن القمر يمثل خطوة مهمة نحو تحقيق ذلك". وحتى لو كانت مثل هذه التصريحات مجرد وسائل دعائية، فإن بعثة مسبار "الأمل" قد جلبت إلى دولة الإمارات بالفعل العديد من المهارات، حسبما يقول كريستيان كوتس أولريخسن، وهو مؤرخ متخصص في شؤون الخليج بجامعة رايس في هيوستن بولاية تكساس. ويضيف أولريخسن إن البعثة أسهمت في توظيف جيل جديد من الإماراتيين في مجالي العلوم والتكنولوجيا، وهي خطوة على طريق تنويع الاقتصاد (انظر "العلم في ازدهار").

كبر الصورة
كبر الصورة

وبالنظر إلى حداثة عهد دولة الإمارات في منح درجات الدكتوراة، فمن المُرجَّح أن يتطلب حدوث ازدهار كبير في مجالي التعليم والبحوث في تخصصات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات إسهام علماء أجانب في الوقت الحالي. وحتى الآن، لم تواجه المدن الكبرى في دولة الإمارات أية متاعب في اجتذاب أصحاب المواهب في قطاع الأعمال من جميع أنحاء العالم، لكن اجتذاب العلماء الأكاديميين قد يكون أكثر صعوبة. ويُحذِّر كوتس أولريخسن من أنه على الرغم من أن دولة الإمارات تعد نفسها مجتمعًا متسامحًا وليبراليًا (إلى حد أن لديها "وزارة للتسامح")، فإن الحكومة –التي تُعد واحدة من المَلَكيَّات الفيدرالية القليلة حول العالم- فرضت إجراءات أكثر صرامة على حرية التعبير منذ بداية الربيع العربي في عام 2011.

وعلى حد قول أولريخسن، فإن العلماء الذين ينأون بأنفسهم عن السياسة لن يواجهوا أية مشكلات، لكن الباحثين الذين يُعبِّرون عن آراء تسبب حساسية سياسية أو يعارضون أجندة حكومة الإمارات العربية المتحدة يواجهون خطر الاعتقال والاحتجاز. ويضيف قائلًا: "من حيث ما يُمكن أن يُقال وما لا يمكن أن يُقال، يُعد المجتمع الإماراتي واحدًا من أكثر المجتمعات خضوعًا للمراقبة في العالم". كما أن ثمة بعض القوانين الأخرى التي تثير مخاوف الأجانب، على الرغم من أنها نادرًا ما تُطبَّق، مثل القوانين التي تحظر جميع الممارسات الجنسية خارج نطاق علاقات الزواج الطبيعية.

كذلك قد يكون من الصعب على دولة الإمارات الحفاظ على الزخم اللازم لتوسيع نطاق قدرتها العلمية، لأن الاقتصاد الإماراتي كان يعاني حتى قبل حدوث التباطؤ الاقتصادي وانخفاض أسعار النفط الخام بمعدل النصف بسبب الجائحة. ويقول ألترمان إن البلاد حققت تقدمًا ملحوظًا، لكن الجانب السلبي لطموحها الكبير قد يتمثل في عدم القدرة على الاستمرار. ويضيف ألترمان: "العديد من التحديات التي تواجهها البلاد كانت تتمثل في مواصلة التركيز على متابعة العمل، لأنه دائمًا ما تلوح في الأفق مشروعات واعدة وبراقة جديدة".

في وقت سابق من هذا العام، أبلغ أعضاء من مجلس المراجعة العالمي لـ«مشروع الإمارات لاستكشاف المريخ» سارة الأميري أنهم في عام 2015 كانوا متشككين في إمكانية نجاح المشروع، على الرغم من أنهم لم يُفصحوا لها عن تلك الشكوك حينذاك. لكن سارة الأميري اعتادت أن تجد نفسها في هذا الموقف المستضعف. من هنا، تقول: "نحن دولة حديثة تأخرت عن المنافسة من المنظور العالمي. من الطبيعي أن يظن الناس أن ما نحاول تحقيقه ضرب من الجنون". وتضيف قائلة إنه لا يمكن لدولة أن تتقدم بهذه الخطى السريعة التي حققتها دولة الإمارات دون قيامها بمشروعات جريئة. وتختم حديثها قائلة: "المسألة بالنسبة لنا ليست رفاهية، وليست دعاية زائفة. إنها ضرورة حتمية لتنمية المهارات والقدرات وتطوير البلاد ككل".

منى الحمادي، مهندس أول في المشروع، تباشر عملها في أحد مختبرات مركز الفضاء.

منى الحمادي، مهندس أول في المشروع، تباشر عملها في أحد مختبرات مركز الفضاء.

NATALIE NACCACHE FOR NATURE

على الرغم من أن النساء تشكلن نسبة كبيرة من الخريجين في مجالي العلوم والتكنولوجيا، فإن هذه المكاسب لم تنتقل إلى بيئة العمل.

عندما تنطلق بعثة دولة الإمارات العربية المتحدة إلى المريخ، سيكون ذلك نصرًا للبلد بأكمله، ولا سيما للنساء، اللاتي يشكلن نسبة قوامها 34% من فريق العمل في البعثة، و80% من الفريق العلمي. لكن تمثيل المرأة في قوة العمل الإماراتية بشكل عام يقل عن ذلك، حيث يبلغ 28%، لكن هذا الوضع يشهد الآن تغيرًا على الرغم من التشبث بالأدوار التقليدية للجنسين ولأفراد الأسرة ككل.

في دولة الإمارات، تُمثِّل النساء على نحو استثنائي قسمًا كبيرًا من أصحاب العقول النابغة. إذ تمثل النساء الإماراتيات نسبة 56% من الخريجين في تخصصات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، لكن تلك النسبة تنخفض إلى 41% إذا أدرجنا الطلاب الأجانب. لكن كلتا النسبتين أعلى بكثير من المتوسط ​​العالمي. كذلك تمثل النساء حوالي 70% من جميع الخريجين الإماراتيين. فتقول مايا الهاشم -وهي شريكة في مجموعة بوسطن الاستشارية في دبي- إن الأسباب وراء ذلك غير واضحة. لكن النساء تنخرطن بحماس أكبر في التعليم العالي في البلاد، في حين أن الرجال غالبًا ما يلتحقون بوظائف في المجالات التجارية أو العسكرية أو يدرسون بالخارج، على حد قولها. وتضيف الهاشم أن الفتيات في المدارس القائمة على الفصل بين الجنسين تتلقين العلم على يد معلمات أكثر تفانيًا، لأن ثقافة المجتمع لطالما عدت التدريس وظيفة مرموقة للنساء أكثر منها للرجال.

ويظل معدل التحاق النساء بقوة العمل منخفضًا بالنظر إلى مستوياتهن التعليمية، كما تقول الهاشم. وتختار بعض النساء ألا تلتحقن بوظيفة، وفي المناطق المحافظة من البلاد بصفة خاصة تتوقع العائلات أن تبقى النساء أقرب إلى المنزل، مما يُصعب عليهن دخول سوق العمل. ووفقًا لمنظمة هيومان رايتس ووتش، لا تزال ثمة قوانين تُبيح درجات من العنف المنزلي وتلزم المرأة الإماراتية بالحصول على إذن ولي أمرها من الرجال من أجل الزواج.

لكن ثقافة المجتمع في البلاد تطورت إلى حد كبير على مدار الأعوام الخمسين الماضية، وتتحول النظرة إلى الأدوار التي تضطلع بها المرأة إلى نظرة ذات طابع أكثر ليبرالية عامًا بعد عام، بحسب قول سارة الأميري، وزيرة العلوم المتقدمة في دولة الإمارات. فقد اضطلعت النساء بالمزيد من الأدوار القيادية في العقد الماضي، وتُوِّج ذلك بمشاركتهن في الحكومة. وتضيف الأميري أن ثلثي الموظفين الحكوميين وربع الوزراء من النساء. وفي السنوات الثلاث الماضية، استحدثت الحكومة إجازة وضع أطول لموظفاتها وساعات عمل مرنة. كما أقرت أيضًا هذا العام قانوناً يقضي بالمساواة بين النساء والرجال في الأجور التي يتقاضونها لقاء العمل نفسه.

إليزابيث جيبني هي كبيرة مراسلي دورية Nature في لندن.