كتب وفنون

انتقادات لاذعة في كتاب محرِّر مجلة "ذا لانسيت" حول جائحة كورونا

ريتشارد هورتون يوجِّه سهام النقد صوب قادة اثنين من أغنى بلدان العالم، وأقواها، وأكثرها تقدمًا في مجال العلوم، على خلفية الأخطاء الفادحة في مواجهة "كوفيد-19".

ستيفن بوراني
  • Published online:
رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون (في المنتصف) مع كبار المستشارين الطبيين والعلميين أثناء المؤتمر الصحفي اليومي بشأن مرض "كوفيد-19"في أوائل شهر مارس الماضي.

رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون (في المنتصف) مع كبار المستشارين الطبيين والعلميين أثناء المؤتمر الصحفي اليومي بشأن مرض "كوفيد-19"في أوائل شهر مارس الماضي.

LEON NEAL/BLOOMBERG VIA GETTY

منذ بدء أزمة فيروس كورونا، ظل ريتشارد هورتون -رئيس تحرير الدورية الطبية الرائدة "ذا لانسيت" The Lancet- يطوف في جنبات الحياة العامة في بريطانيا.. فتارةً تستمع إلى حديثه في هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي" BBC، وتارةً أخرى تُطالِع كلماته على صفحات "الجارديان" The Guardian. وفي كلتا الحالتين تراه ينتقد الحكومة على إخفاقاتها التي جعلت من المملكة المتحدة، حتى الآن، صاحبة ثاني أعلى نسبة وفاة في العالَم من جرَّاء الإصابة بمرض "كوفيد-19" COVID-19، نسبةً إلى عدد السكان (تاليةً لبلجيكا، التي تتصدَّر القائمة). والحقُّ أن هورتون لم ينأَ بنفسه يومًا عن الجدل؛ فالدورية التي يرأس تحريرها هي التي نشرت الورقة البحثية الزائفة لأندرو ويكفيلد، التي زعمت وجود صلة بين اللقاحات، ومرض التوحُّد، خلافًا للحقيقة، والتي سُحبت بعد ذلك، كما أنه لم يتوانَ عن خوض معارك حقوقية ضد الحرب على العراق، أو للمطالبة باتخاذ موقف سياسي من التغيُّر المناخي، ثم حلَّت أزمة فيروس كورونا الراهنة، حاملةً في طيَّاتها قضيةً، يوجِّه إليها هورتون طاقته الوافرة؛ فدورية "ذا لانسيت" تعكف على نشر أحدث الأبحاث، إلى جانب الانتقادات اللاذعة التي يوجهها هورتون إلى سياسة الحكومة. وفي مايو الماضي، قدَّم هورتون عرضًا لكتاب جديد، وضعه الفيلسوف الماركسي سلوفيني الجنسية سلافوي جيجيك، يتخيل فيه العالَم بشقيه الاقتصادي والاجتماعي فيما بعد الجائحة.

"كارثة كوفيد-19.. الخطأ الذي حدث، وكيف نمنع تكراره"، ريتشارد هورتوندار نشر بوليتي  (2020)

"كارثة كوفيد-19.. الخطأ الذي حدث، وكيف نمنع تكراره"، ريتشارد هورتوندار نشر بوليتي  (2020)

وها هو هورتون يُصدِر كتابه الخاص، الذي يحمل عنوان: "كارثة كوفيد-19" The COVID-19 Catastrophe، ويجمع بين التأريخ، والتشخيص، وتوصيف العلاج في آنٍ معًا، بينما لم تنطوِ صفحة الجائحة بعد. ويتميز الكتاب باتساع مداه، إذ يَعرض للتغيُّرات التي تطرأ على التعاون الدولي، وتداعيات اقتصاديات التقشف. كما يستكشف أبعاد رد الفعل الصيني حيال الأزمة من الناحيتين العلمية والسياسية، وينجح في تقديم قراءة أعمق من تلك التي طالَعَتْنا بها غالبية وسائل الإعلام الغربية، لكن الكتاب يتوقَّف مرارًا وتكرارًا عند وقائع الكارثة التي ألمَّت بكل من المملكة المتحدة، والولايات المتحدة. وأما الهاجس الذي يسيطر على الكتاب، فيرتبط بالسؤال التالي: كيف لاثنتين من أغنى دول العالم، وأقواها، وأكثرها تقدمًا من الناحية العلمية، أن تُخطئا في التقدير إلى هذا الحدّ، ما تسبَّب في تلك المعاناة المستمرة لمواطنيهما؟

والإجابة السهلة إنما تتمثل في قيادتَي البلدين. ويشير هورتون بإصبع الاتهام إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، متهمًا إياه بارتكاب "جريمة ضد الإنسانية" على خلفية امتناع الأخير عن تمويل منظمة الصحة العالمية، وهي الجهة نفسها التي تسعى حاليًّا إلى تقديم يد العون إلى الولايات المتحدة، وإلى غيرها من البلدان. أما بالنسبة إلى رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون، فإن المؤلف يرى أنه إمَّا كَذِب على شعبه، أو أساء التصرّف، عندما أدلى بتصريحات قال فيها إن الحكومة على أتم استعداد لمواجهة الجائحة. وواقع الأمر أنَّ الحكومة تقاعست عن اتباع النصائح التي تفي بالمعايير العالمية -والتي تتضمَّن تكثيف الفحوص، وتتبُّع المصابين والمخالطين، وعزلهم- طيلة شهر مارس الماضي، دون إبداء أية أسباب أو تفسيرات لذلك. وفي شهر إبريل، هرعت الحكومة إلى تكثيف الفحوص، غير أنها لم تتمكن -في كثيرٍ من الأحيان- من بلوغ الأهداف التي رَصَدتها لنفسها، وهو الأمر الذي جعلها متأخرة بأسابيع عن بقية دول العالم. كما أظهر تحقيق أجرته هيئة الإذاعة البريطانية في شهر إبريل أن الحكومة قد توانت عن تخزين مستلزمات الوقاية الشخصية الضرورية لسنوات قبل وقوع الأزمة، وكان عليها أن تفطِن إلى أن هيئة الخدمات الصحية الوطنية (NHS) لم تكن مستعدة بما فيه الكفاية.

إنَّ السياسيين أهداف سهلة للنقد. ولذا.. يذهب هورتون إلى ما هو أبعد من ذلك، فيشير إلى أنه على الرغم من أن العلماء -على وجه العموم- قد أدوا دورهم على نحو مثير للإعجاب، إلا أن كثيرًا منهم -ممن يقدمون المشورة إلى الحكومة- أسهموا إسهامًا مباشرًا فيما يعُدُّه المؤلف "الفشل الأكبر لسياسة العلوم على مدى جيل كامل".

ويتَّخذ هورتون من المملكة المتحدة مثالًا -مرةً أخرى- عندما يشير إلى أن الباحثين لم يكونوا على درايةٍ كافية بالأزمة التي كانت تتفجَّر في الصين آنذاك، أو فهمٍ تام لأبعادها، بل كانوا في عزلة، بحيث لم يسْعَوا إلى مدِّ خطوط التواصل المباشر مع العلماء الصينيين. ويبدو أن نموذج العمل الذي اعتمده هؤلاء الباحثون -في بعض الأحيان- كان مبنيًّا على البيانات المتعلقة بمرض الإنفلونزا، فيما يُعَد استهانة هائلة بالتهديد الحقيقي الذي يحمله فيروس كورونا الجديد. والأعجب من ذلك.. أنه عندما حادَت استجابة الحكومة عن جادَّة الصواب في شهر مارس، خرج علماء ممَّن يدَّعون استقلال الرأي، لكي "يعلنوا بصوتٍ واحدٍ تأييدهم لسياسة الحكومة"، ما أبقى على الصورة الزائفة التي تزعم أن كل شيء في البلاد يسير على ما يرام. ويرى المؤلف أن ذلك يُعَد فسادًا في وضع السياسات العلمية على جميع المستويات. ويقول إن المسؤولين قد أخفقوا في النهوض بمسؤوليتهم، المتمثلة في السعي إلى الحصول على أفضل استشارةٍ علمية ممكنة؛ حيث إن الهيئة الاستشارية كانت أقرب ممَّا ينبغي إلى الأطراف السياسية التي كانت تتولى مسؤولية عملية صُنع القرار، فجاءت المشورة موافِقةً لهوى تلك الأطراف. وهكذا، يخلُص المؤلف إلى أن "المستشارين العلميين تحولوا إلى مسؤولي علاقات عامة في حكومة خذلَتْ شعبها".

ساء الوضع إلى حدٍّ دفع ديفيد كينج -كبير المستشارين العلميين السابق لدى حكومة المملكة المتحدة- في الثالث من مايو الماضي إلى تشكيل لجنة بديلة لإبداء المشورة العلمية، وذلك لسببين: أوَّلهما الإتيان بلجنة تتبنَّى خطابًا أكثر شفافية، وثانيهما أن تتحلَّى تلك اللجنة باستقلالية التصور وإبداء الرأي؛ وهي الاستقلالية التي شعر كينج أن اللجان الرسمية كانت قد تخلَّت عنها. وبدوره، يستحسن هورتون هذه الخطوة. صحيحٌ أنه لم يتَّضح بعدُ ما إذا كان لهذه المجموعة تأثير على سياسة الحكومة، أم لا، إلا أنها منحتْ الجمهور ووسائل الإعلام مصدرًا ثابتًا ومفتوحًا للمعلومات العلمية.

"كُشك متنقل لأخْذ العينات" في إقليم كيرالا بالهند، للكشف عن الإصابة بفيروس "سارس-كوف-2".

"كُشك متنقل لأخْذ العينات" في إقليم كيرالا بالهند، للكشف عن الإصابة بفيروس "سارس-كوف-2".

ARUN CHANDRABOSE/AFP VIA GETTYT

وفي مواضع أخرى من الكتاب، يتناول هورتون بُلدانًا كانت الإخفاقات فيها أقلَّ فداحة، مثل إسبانيا، وفرنسا، كما يَعرضُ لنماذج النجاح النادرة، مثل نيوزيلندا، وإقليم كيرالا الهندي. ويُظهِر المؤلف حرصًا شديدًا على تقديم إطارٍ زمني مُحكَم؛ فبعدما عايشْنا الجائحة على مدار الأشهر الستة الماضية، من خلال ما يُنشر في وسائل التواصل الاجتماعي، والتقارير الإخبارية القصيرة من شذراتٍ معلوماتية متناثرة، يأتي دور هذا الكتاب ليجمع الأحداث في مكان واحد، وبترتيب وقوعها؛ الأمر الذي يبعث على الارتياح، فهو وإنْ كان إجراءً بسيطًا، إلا أنه ليس عديم الأهمية.

إنَّ هذه التوليفة، التي يقدمها هورتون في كتابه، تمثل كذلك حصنًا منيعًا أمام سيل المعلومات المُضلِّلة، الذي بات يُعرف باسم "الوباء المعلوماتي"، والذي أسهم في التعمية على فداحة الأزمة. ويقول المؤلف -مُحقًّا- إن المسألة لا تتوقَّف على المحتالين وأنصار نظرية المؤامرة ممن يروِّجون المعلومات المغلوطة، وإنما تشمل كذلك مساعي يندَى لها الجبين من قِبل بعض الحكومات. ومن بين الأمثلة التي يسُوقها المؤلف في هذا الصدد: التأكيدات الغريبة التي صَدَرَتْ مؤخرًا عن المملكة المتحدة، والتي تفيد بأنها لم تنتهج قط استراتيجية "مناعة القطيع"، على الرغم من أن كلًّا من رئيس الوزراء وأحد المستشارين العلميين قد ناقشا تلك الاستراتيجية على الملأ. كما استشهد بإقدام السلطات الصينية على إسكات الطبيب لي وين ليانج، الذي حاول أن يدق ناقوس الخطر مع البدايات الأولى لتفشي فيروس كورونا في مدينة ووهان.

أمَّا مَواطن ضَعف الكتاب، فتتجلَّى في المواضع التي يعرِّج فيها المؤلف على النواحي المستقبلية. ولا عجب في ذلك؛ إذ إنَّ أحدًا لا يعرف إلامَ ستنتهي هذه المحنة. وتجدُر الإشارة إلى أنَّ هورتون ينتمي إلى المعسكر الذي يستبعد احتمال العودة إلى الحياة الطبيعية مرةً أخرى، فيقول في كتابه: "لعلَّ «كوفيد-19» يمثل نقطة فارقة بين مرحلة وأخرى من حياتنا، ولن يكون بإمكاننا أبدًا أن نستعيد حياتنا السابقة". ورغم ذلك.. فإن توصيات المؤلف بخصوص المستقبَل مثيرة للإعجاب إلى حدٍّ بعيد، فهو يدعو إلى أن يتحلَّى المجتمع بدرجةٍ أكبر من الترابط ويقظة الضمير، وأن تكون الحكومة أكثر ارتباطًا بالمجتمع، وأن تُظهِر النخبة العلمية حرصًا أكبر على ممارسة النقد الذاتي؛ ولكنْ تعُوزنا البِنْية أو الوسيلة المطلوبة لبلوغ تلك الطموحات. وبدوري، آملُ أن تصبح الولايات المتحدة عضوًا فاعلًا على نحوٍ أفضل في المجتمع الدولي، دون وجود رئيس مثل دونالد ترامب. ومما يدعو إلى الأسف أنني أجد صعوبة في تخيُّل كيف لذلك أن يحدث.

لقد أُعدَّ هذا الكتاب على عَجَل، شأنه في ذلك شأن الكثير من الأعمال العلمية التي صدرت إبَّان فترة الجائحة، ومن ثم لم يخضع للمعايير الصارمة التي تُطبَّق في الأوقات العادية. ومع ذلك.. فإنه يشبه الأعمال العلمية في حيويته، واشتماله على أحدث المعلومات. وفي الأجزاء الأولى من الكتاب، يُعيد هورتون صياغة كلمات عالِم الرياضيات والكاتب آدم كوتشارسكي، فيقول: "إذا شهِدْتَ جائحة، فإنك ما شهدت ... سوى جائحة واحدة". فما نكتسبه من معارف الآن، لن يساعدنا بالضرورة في المرة القادمة، فضلًا عن أننا لم نتجاوز بعدُ ذروة الجائحة الحالية. إنّ الأحداث التي يرصُدُها الكتاب لا تزال في طور التشكل، ولا يزال المسؤولون الذين ينتقدهم الكتاب في مواقعهم، غير أنَّه يتضمن دروسًا لها نفْعها في المرحلة الدقيقة.

ستيفن بوراني كاتب متخصص في العلوم والبيئة، مقيم في لندن.

البريد الإلكتروني:  stephen.gyorgy@gmail.com