أخبار

الأطفال أقلُّ عُرضة لأخطار "كوفيد-19".. والسرُّ ربما يكمُن في شرايينهم

تشير الأدلة إلى أنَّ مقاومة جسم الطفل لتجلط الدم تحميه من المضاعفات الخطيرة للمرض، مثل السكتات الدماغية.

ديفيد سيرانوسكي
  • Published online:
تبلغ نسبة الإصابات المؤكدة بعدوى "كوفيد-19" بين الأطفال في الولايات المتحدة أقل من 2% من إجمالي الإصابات.

تبلغ نسبة الإصابات المؤكدة بعدوى "كوفيد-19" بين الأطفال في الولايات المتحدة أقل من 2% من إجمالي الإصابات.

Jaime Reina/AFP/Getty

منذ بدء تفشِّي فيروس كورونا، والعلماء يتساءلون عن السبب الذي يجعل الأطفال أقل عرضةً من البالغين للإصابة بمضاعفاتٍ حادة من جرّاء الإصابة بالعدوى. والآن، تشير الأبحاث إلى أنَّ الإجابة ربما تكمن في تمتُّع الأطفال بأوعية دموية صحية.

لا يشكل الأطفال سوى نسبة ضئيلة من أعداد المصابين بفيروس "سارس-كوف-2" SARS-CoV-2، المسبب لمرض «كوفيد-19». فقد خلُصت دراسةٌ استقصائية كبرى، أجرتها مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها (CDC)، التي يقع مقرُّها الرئيس في مدينة أتلانتا بولاية جورجيا الأمريكية، إلى أنَّ الأطفال الذين يبلغون من العمر سبعة عشر عامًا -أو أقل- يمثلون نسبةً تقلّ عن 2% من حالات الإصابة المؤكدة بالعدوى في جميع أنحاء الولايات المتحدة، في حين أنَّ هذه الشريحة العمرية تشكِّل 22% من إجمالي عدد السكان. وتبيَّن أيضًا أنَّه من بين 2572 طفلًا شملتهم الدراسة، لم يذهب إلى المستشفى سوى 5.7% فقط، أما عدد الوفيات، فلم يزد على ثلاثة أطفال (انظر: go.nature.com/2yocpzf).

وقد طُرِحت نظريات عدَّة في تفسير أسباب عدم تعرُّض الأطفال لأعراضٍ حادة من جرَّاء الإصابة بالمرض. ومن بين تلك النظريات هناك نظرية تقول باحتمالية أن تكون الاستجابة المناعية الأوَّلية للفيروس أقوى وأكثر فعالية لدى الأطفال منها لدى البالغين، وأنَّ الأطفال ربما يتمتعون بنوعٍ خاص من المناعة، نتيجةَ تعرُّضهم في الماضي القريب لفيروساتٍ مماثلة، غير أنَّ هناك عددًا متزايدًا من الباحثين يعتقدون بأنَّ الفَرْق بين البالغين والأطفال ربما يكمُن في حالة أوعيتهم الدموية.

فقد لُوحظ أن الدم يتجلَّط في الأوعية الدموية لدى عديدٍ من البالغين الذين يعانون إصاباتٍ حادة بمرض "كوفيد-19"، ما يؤدي إلى تعرُّضهم لنوبات قلبية، أو سكتات دماغية. ويقول فرانك روشيتسكا -طبيب القلب بمستشفى جامعة زيورخ في سويسرا- إنَّ عملية التجلط هذه تبدو مرتبطةً بخللٍ في وظيفة بطانة الأوعية الدموية، وهي النسيج الأملس الذي يبطّن الأوعية الدموية، ويحُول عادةً دون تجلط الدم، حيث إن جلطات الدم عادةً ما تتكون فقط لوقف النزيف الناتج عن إصابةٍ ما، لكنَّها قد تتكون أيضًا في حالة تعرُّض تلك البطانة للتلف.

ومما توصَّل إليه روشيتسكا وفريقه أنَّ فيروس "سارس-كوف-2" يمكن أن يصيب الخلايا البِطانية، المنتشرة في جميع أجزاء الجسم. ففي دراسة أُجريت على ثلاثة من المصابين بمرض "كوفيد-19" -توفي اثنان منهم- اكتشف الفريق أنَّ الفيروس أصاب البِطانة، وتَسبب في حدوث التهابٍ بها، كما ثَبَت وجود علاماتٍ على تجلط الدم (Z. Varga et al. Lancet 395, 1417–1418; 2020). صحيحٌ أنَّ الدراسة كانت صغيرةً، وفقًا لما أفاد به روشيتسكا، الأمر الذي يستلزم إخضاع مثل هذه المضاعفات لمزيدٍ من البحث، إلا أنَّ مشكلات البِطانة سمة شائعة -على ما يبدو- في معظم الإصابات التي تتطور إلى مرضٍ حاد لدى البالغين، أو تُودي بهم.

وعادةً ما تكون حالة بطانة الأوعية الدموية لدى الأطفال أفضل بكثير منها لدى البالغين. وفي ذلك، يقول بول موناجل، أخصائي أمراض دم الأطفال في كلية طب الأطفال بجامعة ملبورن في أستراليا: "إن البِطانة لدى الأطفال تكون في حالةٍ مثالية، ثم تتدهور مع التقدم في العمر".

ويذهب موناجل مع القائلين إنَّ الأوعية الدموية لدى الأطفال تمتاز بقدرةٍ أكبر على مقاومة الهجمات الفيروسية. ويقول إنَّ هذه النظرية يدعمها أيضًا ما لاحظه الباحثون من أنَّ عددًا قليلًا من الأطفال المصابين بمرض "كوفيد-19" هُم مَن يعانون من فرط تجلط الدم، وتلف الأوعية الدموية.

ويعكف موناجل على محاولة فهْم ما يحدث عندما يدخل الفيروس إلى الخلايا البِطانية، إذ يميل إلى الاعتقاد بأنَّه ربما يعوق التواصل بين الخلايا، والصفائح الدموية، ومكونات البلازما المساهِمة في عملية التجلط، وأنَّ هذا الانقطاع في التواصل هو ما يؤدي إلى زيادة الجلطات.

ومن هذا المنطلق.. شرع في إجراء عدة تجارب تهدف إلى فهم هذه الآلية، ومعرفة ما إذا كانت ثمة سمةٌ وقائية تميِّز الأوعية الدموية لدى الأطفال، بحيث تجعلهم أقل عُرضة لزيادة معدَّل تجلط الدم عند تعرُّضهم للعدوى الفيروسية. في التجربة الأولى، سيحاول فريقه محاكاة الظروف داخل الأوعية الدموية الخاصة بكل من الأطفال والبالغين في المختبر. وسعيًا إلى تحقيق ذلك، سيأخذ الباحثون خلايا بِطانية مستزرعة مصابة بفيروس «سارس-كوف-2»، ويغمرونها في بلازما مستمَدة من ثلاثة مصادر: أطفال، وبالغين أصحاء، وبالغين مصابين بأمراضٍ في الأوعية الدموية. وعن طريق المقارنة بين آليات تفاعل الخلايا المصابة، وأنواع البلازما المختلفة، يُفترض أن يتمكن الباحثون من اكتشاف سبب اختلال عمليات التأشير في الأوعية الدموية.

ويأمل موناجل أن توفر دراسة العينات المأخوذة من الأطفال أدلةً تقود إلى تفسير الخلل الذي يحدث لدى بعض البالغين.