كتب وفنون

بطلة رياضيات في فيلم

فيلم وثائقي يحتفي بأول امرأة تفوز بوسام «فيلدز»

دافيديه كاستلفيكي

  • Published online:
حققت ميرزاخاني إنجازات في مجالات مثل الديناميكا.

حققت ميرزاخاني إنجازات في مجالات مثل الديناميكا.

The Simons Foundation

أسرار السطح

إخراج: جورج تشيتشاري

أفلام زالا (2020)

في عام 2014، دخلت مريم ميرزاخاني النادي الحصري لكبار الفائزين بجوائز الرياضيات من أوسع أبوابه. وكان هذا حدثًا جللًا؛ سواء بسبب تحيزات لجان منح هذه الجوائز، أم التحديات التي تشكلها العقبات النظامية والضغوط الاجتماعية في هذا الصدد، إذ لم يسبق لأي امرأة أن فازت بأكثر جائزة تداعب الأحلام في حقل الرياضيات، وهي جائزة وسام فيلدز، التي تأسست في عام 1936. ويبدو الآن أن مَددًا من المواهب النسائية قد بدأ في الظهور أخيرًا.

يُعَد فيلم «أسرار السطح» Secrets of the Surface لجورج تشيتشاري أول فيلم روائي طويل عن ميرزاخاني. ويحتفي الفيلم بهذه العالمة، ويوضح كيف أنها قهرت العديد من العقبات والتقاليد التي تواجه النساء، لتصبح أول امرأة من إيران تفوز بالجائزة. ويوازن الفيلم -بشكل شيق- بين عرض أفكارها المذهلة في علم الرياضيات، والجانب الإنساني من قصتها، التي انتهت بوفاتها في سن مبكرة في عام 2017 من جراء الإصابة بالسرطان، عن عمر بلغ 40 عامًا.

يتتبع الفيلم جذور ميرزاخاني وإرثها، حيث أُجريت فيه مقابلات مع الطلاب والمعلمين الحاليين في مدرسة الفتيات النابغات التي التحقت بها في طهران. ومن اللافت للنظر أن ميرزاخاني لم تُظْهِر اهتمامًا خاصًّا بالرياضيات في البداية، بل كانت تقرأ الكتب بنهم، وتحلم بأن تصبح كاتبة، إلا أن براعتها الرياضية كانت جلية، حتى إن زميلاتها في الصف أشرن -مازحات- إلى أنها كانت تستمتع بحل المسائل الرياضية بأربع طرق مختلفة في حصص الرياضيات.

أداء ملهم

في عام 1994، أصبحت ميرزاخاني وأعز صديقاتها رويا بيهيشتي –وهي حاليًّا عالمة رياضيات في جامعة واشنطن في سانت لويس بولاية ميسوري- أول امرأتين تنضمان إلى الوفد الإيراني المشارك في الأولمبياد الدولي للرياضيات. وفي العام التالي، عادت ميرزاخاني للمشاركة في الأولمبياد، وحصلت على الدرجة النهائية فيه. وقد جعلها أداؤها الاستثنائي آنذاك تنضم إلى مصاف الشخصيات الوطنية الشهيرة، وألهم غيرها من الفتيات الإيرانيات لدراسة الرياضيات.

ألهم النجاح الذي حققته مريم ميرزاخاني الفتيات الإيرانيات بدراسة الرياضيات.

ألهم النجاح الذي حققته مريم ميرزاخاني الفتيات الإيرانيات بدراسة الرياضيات.

GEORGE CSICSERY

تخرجت ميرزاخاني في جامعة شريف للتكنولوجيا في طهران، ثم واصلت دراستها للحصول على درجة الدكتوراة من جامعة هارفارد في مدينة كامبريدج بولاية ماساتشوستس (وهي خطوة كانت ستُعَد في عصرنا الحالي جمة الصعوبة، نظرًا إلى فرْض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب القيود على السفر إلى الولايات المتحدة من إيران وبلدان أخرى). وفي أطروحتها، توصلت ميرزاخاني إلى حل لإحدى المعضلات الرياضية المهمة المتعلقة بالمنحنيات على سطوح ريمان، وهي معضلة تعود أصولها إلى 150 سنة مضت. ويتنقل الفيلم الوثائقي في وصف هذا الإنجاز وغيره من نجاحاتها ما بين سرد سيرتها الذاتية، وشرح المعلومات الرياضية، بعرض أنيق لرسوم متحركة.

إنجاز كرات البلياردو

بعد وقت قصير من حصول ميرزاخاني على درجة الدكتوراة، أصبحت عضوًا في هيئة التدريس في جامعة ستانفورد بولاية كاليفورنيا، حيث توصلت إلى العديد من الاكتشافات الأخرى بالتعاوُن مع جهات شتى. ومن أعظم إنجازاتها، دراسة أجرتها حول الديناميات العشوائية لكرات البلياردو، بالتعاوُن مع أليكس إسكين من جامعة شيكاجو في إلينوي.

ويصف الفيلم -على لسان العديد من أقرانها ومَن تعاونوا معها في أبحاثها- براعتها في ابتكار الحلول، إذ اتسمت بروح لا تُقهَر، تضاهي في عزْمها عَدّائي الماراثون. وكان مِن بينهم مَن يقاومون دموعهم وهم يتذكرون العمل معها. وتُثري رواياتهم عنها مقابلات ولقطات أخرى صُورت لـميرزاخاني من أجل سلسلة من مقاطع الفيديو عن الفائزين الأربعة بجائزة وسام «فيلدز» في عام 2014.

وتجدر الإشارة إلى أن تشيتشاري قد تبوأ مكانة فريدة، بوصفه صانعًا لأفلام جذابة عن علماء الرياضيات، بدءًا من فيلمه الرائع في عام 1993 »إنْ هو رقم« N is a number، الذي تناول سيرة حياة »بول إيردوس«، عالم الرياضيات الأغزر إنتاجًا في العصر الحديث، الذي أمضى حياته متنقلًا بلا سكن. أما فيلم »أسرار السطح«، أحدث أعمال تشيتشاري، فيحتفي بأهمية النماذج النسائية التي يُقتدى بها، من خلال إظهار تأثير حياة ميرزاخاني القصيرة المذهلة على الشابات في يومنا هذا، لكنه لا يتناول -بشكل مباشر- السؤال الأهم: لِمَ لَمْ يسبق أن فازت أي امرأة أخرى بوسام «فيلدز»؟ (ولِمَ فازت امرأة واحدة – كانت كارين يوهلينبيك في عام 2019- بجائزة «أبيل»؟)، وما الذي يمكن القيام به لتغيير ذلك؟

دافيديه كاستلفيكي كبير مراسلين في دورية Nature، يعيش في لندن.