أخبار

دراسات أتراب ضخمة تتجه إلى تقصي آثار الجائحة 

ستتحول مشروعات، عملت على مدار عدة سنوات على متابعة بعض المجموعات السكانية،  إلى رصد آثار الجائحة الجسدية، والعقلية، والاجتماعية.

أليسون أبوت

  • Published online:
"دراسة راينلاند" للأتراب في ألمانيا تجمع عينات دم، لإجراء فحوص، للكشف عن الأجسام المضادة لفيروس كورونا الجديد.

"دراسة راينلاند" للأتراب في ألمانيا تجمع عينات دم، لإجراء فحوص، للكشف عن الأجسام المضادة لفيروس كورونا الجديد.

 Martin Meissner/AFP/Getty

كل خمس عشرة دقيقة، في مدينة بون في ألمانيا، تتوجه مجموعة مكونة من ثلاثة أفراد مرتدين كمامات إلى داخل مركزين بحثيين محددين، للمشاركة في دراسة تهدف إلى التحقق مما إذا كانت لديهم أجسام مضادة لفيروس كورونا المسبب لجائحة "كوفيد-19" COVID-19، أم لا. وتغادر كل مجموعة من خلال باب آخَر، غير الباب الذي دخلت منه، وقد جرى سحب 28 ملِّيلترًا من الدم من كل فرد من أفرادها، ليعرفوا بعدها في وقت قريب ما إذا كانوا قد نجوا من الإصابة بعدوى فيروس كورونا، أم لا.

يمثل هؤلاء المشاركون جزءًا من مجموعة من الأتراب، خاضعة لدراسةٍ يُطلَق عليها "دراسة راينلاند" Rhineland Study، وهم يترددون على المركزين على مدار ستة أيام من الأسبوع، منذ الرابع والعشرين من إبريل الماضي، حيث تبرع حتى الآن حوالي 5000 شخص بهذه المنطقة ببلازما الدم لصالح المبادرة.

وتُعَد هذه الدراسة -التي تقودها عالمة الأوبئة مونيك بريتلر- إحدى دراسات مجموعات الأتراب طويلة الأجل، التي كانت تنصبّ في بادئ الأمر على دراسة أمراض أخرى، لكن سرعان ما عُدِّل الغرض منها لتستهدف دراسة فيروس كورونا. وتجدر الإشارة إلى أنه في دراسات مجموعات الأتراب، تُجمع من آلاف المشاركين معلوماتٌ جينية، وصحية، وأخرى تتعلق بنمط حياتهم على مدى سنوات، أو حتى عقود، لمعرفة أي العوامل الجينية والبيئية تتحد معًا لتعزز خطورة الإصابة بأمراض بعينها. على سبيل المثال، "دراسة راينلاند" جرى إعدادها في عام 2016 بهدف دراسة اضطرابات التنكس العصبي كمرض أُلزهايمر.

ويأمل الباحثون في أن يتمخض استخدام مجموعات الأتراب لدراسة فيروس كورونا عن مجموعات بيانات وفيرة يمكنها -على المدى القصير- مساعدة صانعي السياسات على تحديد الوسيلة الأفضل للسيطرة على المرض، وتخفيف عمليات الإغلاق التي طُبقت لإيقاف انتشار الفيروس. أما على المدى الطويل، فسيكون ممكنًا لمجموعات البيانات تلك تتبُّع آثار الجائحة الجسدية، والعقلية، والاجتماعية، والاقتصادية، كما ستتيح للعلماء تناوُل مسائل معينة، مثل ما إذا كان التعرض للفيروس يعزز المخاطر الصحية في وقت لاحق من الحياة، أم لا.

وفي هذا السياق، تقول بريتلر: "من ناحية، يمكن لمجموعات البيانات هذه أن تساعدنا على فهْم لِماذا لا يعاني بعض الأشخاصأعراضًا، في حين يبلغ البعض الآخر مرحلة خطيرة من المرض". ومن هنا، تضيف بريتلر أنّ هذه المعلومات يمكن لها –على سبيل المثال– أن ترشد عملية اتخاذ القرارات التي تتعلق بالأشخاص الذين يجب تطعيمهم أولًا بمجرد توفر دفعات محدودة من اللقاح المضاد للفيروس.

وتختلف دراسات مجموعات الأتراب عن الجهود التي تلجأ إلى قياس الأجسام المضادة، بهدف حساب نسبة مَن قد أصيبوا بعدوى "سارس-كوف-2" من المجموعات السكانية. ومن المقرر أن يَجمع الكثير من دراسات مجموعات الأتراب التي عُدِّل غرضها لتستهدف دراسة فيروس كورونا عينات دم من المشاركين فيها على فترات زمنية متعددة، للتعرف على المدة التي قد تدوم لها المناعة التي تحققها الأجسام المضادة. فضلًا عن أن تصميم تلك الدراسات يتيح لها الإجابة عن تساؤلات مفصلة حول الأبعاد البيولوجية لعدوى مرض "كوفيد-19"، من خلال الجمع بين معلوماتها، وبيانات المشاركين الجينية والصحية، وتلك المتعلقة بأنماط حياتهم.

وستتاح المعلومات التي تنتجها هذه الدراسات لباحثين في مجالات متنوعة، يسعون لمعرفة أي العوامل تؤثر على قابلية الإصابة بالعدوى، أو مقاومتها، ومدى خطورة المرض. ولعل للجينات والحالة المناعية والأيضية والعوامل البيئية دور في هذا الصدد.

يقول رالف راينتيس، عالِم الأوبئة بجامعة هامبورج للعلوم التطبيقية في ألمانيا: "كلنا مختلفون، ومن شأن مجموعات الأتراب الأوسع نطاقًا، الموجودة سلفًا، أن تكون ذات قيمة كبيرة في مساعدتنا على فهم أي العوامل البيولوجية أو العوامل المتعلقة بنمط الحياة تعرِّضنا لخطر المرض، إذ ستمنحنا فهمًا أفضل للخطوات المطلوب اتخاذها في المستقبل القريب؛ للعودة إلى حياة آمنة وطبيعية؛ فهمًا لا يستند إلى حدس، بل إلى أدلة".

وفي ذلك الصدد، تقول أليسا جودمان -وهي خبيرة اقتصادية، تدير مركز الدراسات طويلة الأمد بكلية لندن الجامعية- إن بيانات مجموعات الأتراب ستصبح مهمة كذلك لتتبُّع الكيفية التي قد تؤدي بها الأزمة الناتجة عن "كوفيد-19" إلى مفاقمة أوجه عدم المساواة الاقتصادية والاجتماعية. ويدير هذا المركزُ دراسات عن أربع مجموعات أتراب من البريطانيين المتساوين في أعمارهم، ويجمع المعلومات عن كيفية تغيير فيروس كورونا لحياة 50,000 شخص من المشاركين.

عوامل متداخلة

كان العلماء القائمون على "دراسة راينلاند" قد ألحقوا خُمْس عدد المشاركين المطلوب في الدراسة الأصلية عندما تسببت عمليات الإغلاق التي شهدتها ألمانيا، والتي أُعلنت في يوم الثاني والعشرين من مارس الماضي، في إغلاق المركزين التابعين للدراسة. وعن ذلك، تقول بريتلر إنه كان من "البديهي" عندئذ توجيه الموارد الوفيرة التي تتمتع بها الدراسة إلى المساعدة في التصدي للجائحة.

بعد ذلك.. توالت دراسات الأتراب، وبدأت في تقييم ما إذا كانت لدى المشاركين أجسام مضادة لفيروس كورونا، أم لا. وعلى سبيل المثال.. بدأت دراسة لمجموعات من الأتراب المتساوين في العمر في النرويج ــ وهي "مجموعة الأتراب النرويجية للأم والطفل" Norwegian Mother and Child Cohortــ في جمْع عينات لهذا الغرض من المشاركين فيها في نهاية إبريل. واستعانت حكومة أيسلندا بالشركة المتخصصة في مجال الجينوم، "ديكود" deCODE، الواقع مقرها في ريكيافيك، لرصد الأجسام المضادة للفيروس في حوالي 50,000 شخص. وفي شهر مايو، شرع "البنك الحيوي البريطاني" UK Biobank، الذي يحوي المعلومات الجينومية والصحية الخاصة بالمشاركين فيه، في برنامج لجمع عينات دم من 10,000 مشارك به، ومن 10,000 شخص من أبناء هؤلاء المشاركين وأحفادهم، لإجراء فحوص، للتحقق من وجود الأجسام المضادة لفيروس كورونا.

وتشجع منظمةٌ يُطلَق عليها "الائتلاف الدولي لمجموعات الأتراب فوق المائة ألف"HundredK+ Cohorts Consortium على مشاركة البيانات بين 66 مجموعة أتراب حول العالم، كما تعمل كذلك على تنسيق الجهود الدولية لفحص أي عينات بيولوجية، يُحتمل أنها جُمعت عن مجموعات الأتراب هذه في أكتوبر، أو نوفمبر، من العام الماضي. وإذا كشفت تلك الفحوص عن وجود فيروس "سارس-كوف-2" في تلك العينات، فيمكن أن يُكوِّن ذلك صورة تبين التوقيت الذي بدأ فيه انتشار الفيروس، والمسار الذي سلكه حول العالم.