افتتاحيات

التواصل ركيزة أساسية نحو مُراجَعة أقران بنَّاءة

ينبغي أن تجري عملية المُراجَعة في إطار حواريّ، تحكُمُه الأمانة من جهة، وروح الزمالة من جهةٍ أخرى.

  • Published online:

إن اختلاف الرأي، وتبادل النقد، واحتدام النقاش هي أمور تقع في القلب من المنهج الذي من خلاله يتقدم البحث العلمي. فتعلُّم الطريقة التي يستطيع بها المرء تكوين حجَّته، والاستجابة لحُجج الآخرين، والتدرُّب على ذلك، يُشكلان معًا إحدى الركائز الأساسية التي يقوم عليها كلٌّ من البحث العلمي، ونشر الأبحاث. فعندما يطرح الباحثون أوراقهم العلمية، فإنهم لا يُلقون بها في الفراغ، وإنما يضيفونها إلى رصيدٍ من المعارف القائمة، ومن ثم يتعيَّن عليهم تقديم البراهين المُقنِعة على أنهم قد انتهوا إلى نتائج جديدة، ثم يأتي دور المُراجِعين، الذين يتولَّون تقييم تلك الأعمال، وإبداء الرأي فيها، متوخِّين الصدق والأمانة، وحريصين على شرح الأسباب، لا سيَّما إذا اختلفَتْ الآراء.

وغير أن تلك الاختلافات في الرأي لا يُعبَّر عنها دومًا بالأسلوب اللائق الذي تقتضيه الزمالة. وما مِن أحدٍ من المنخرطين في العملية البحثية -سواء أكان مُؤلِّفًا، أم مُحرِّرًا، أم مُراجِعًا- إلا ويذكر مواقف بعينها، شَهِد فيها تجاوزًا للحدود. وفي إطار سعي دورية Nature للتوصل إلى فهمٍ دقيق لتجارب الباحثين، مع التواصل الذي تنطوي عليه عملية مراجَعة الأقران، أجرت الدورية -في مطلع هذا العام- استطلاعين قصيرَين للرأي، استهدفا عددًا من المُؤلِّفين والمُحرِّرين.

ففي استطلاعٍ وُجِّه إلى مُحرِّري مجلات "نيتشر ريسيرش" Nature Research، قال ما يقرب من ربع المشاركين (23%)، وعددهم 108، إنهم قد صادفوا حالات استخدام لغةٍ غير لائقة في سياق اتخاذ قرارات النشر.

ومن بين 295 مُؤلِّفا شاركوا في استطلاع منفصل حول مُراجَعة الأقران، قال 48% إن تجاربهم مع تلك العملية كانت -في المُجمَل- إيجابية، وقال 5% إن تجاربهم كانت سلبية إلى حدٍّ بعيد، بينما صرَّح 47% من المشاركين بأن تجاربهم لم تكن إيجابية، ولا سلبية.

وللحصول على مزيدٍ من المعلومات، طلبت دورية Nature من المشاركين في الاستطلاع إسداء نصيحة واحدة أساسية لمُحرِّري المجلات؛ نصيحة من شأنها أن تساعد الباحثين الذين يحاولون الحصول على فرصة لنشر أعمالهم. ومن بين أكثر من مائة إجابة على هذا السؤال، تكرَّرت توصية بعينها، مفادُها أنه يتعيَّن على المُحرِّرين والمُراجِعين التأكد من أن النقد الذي يوجهونه إلى المؤلِّفين يتَّسم بأنه نقد بنَّاء.

قال أحد المشاركين إنه يريد "ملاحظاتٍ صادقة، وبِلُغَة ودية، توضح سبب رفض نشر الورقة البحثية". وقال آخر إنه يتطلَّع إلى "مراجعات بنَّاءة، وتعليقات مُشجِّعة"، فيما قال ثالث: "على المراجعين تجنُّب التعليقات الفظة، أو غير اللائقة".

من الواضح أنَّ ثمة دورًا ينبغي أن نضطلع به من أجل تحسين المناقشات التي تجري في إطار عملية المراجَعة. ومن بين النُهُج التي يمكن أن تكون نافعة في هذا الصدد، أن تتمَّ عملية مراجَعة الأقران في إطارٍ من الشفافية، بحيث تُنشر المناقشات التي تجري بين المؤلِّفين والمُراجِعين جنبًا إلى جنب مع الأوراق البحثية، وأن تُذكر فيها أسماء المُراجِعين، إذا ما رغبوا في ذلك. والحقُّ أن هذا النَّهج قد شهِد إقبالًا متناميًا على مدار السنوات القليلة الماضية؛ لِما يتيحُه من سبيلٍ لتشجيع المُراجِعين على تقديم حُجج واضحة، تؤيد وجهات نظرهم، وتُفصح عن الأسباب الكامنة وراء التوصية بنشر ورقة بحثية، أو رفضها. ويحظى هذا النهج بأهمية خاصة في الحالات التي يطلب فيها المراجِعون ردَّ الأوراق البحثية إلى مؤلفيها، لإجراء تعديلات عليها.

وقد يصعُب على المرء أحيانًا أن يستمع إلى النقد، وأن يتقبَّله، وهنا تقع المسؤولية على عاتق المُؤلِّف بالدرجة الأولى. ويجدُرُ به أن يسوق الحُجج القائمة على البيانات والتحليلات، فتلك هي الحُجج التي غالبًا ما تكون الأكثر فاعلية في الرد على تساؤلات المُراجِعين والمُحرِّرين، والتعامل مع مخاوفهم. وبالنظر إلى أن كثيرًا من المُؤلِّفين سوف يشاركون -هم أنفسهم- في عملية المراجَعة، ومنهم مَن سيصبح مُحرِّرًا لدى المجلات العلمية، فإن ذلك من شأنه أن يساعدهم على تقدير المواقف من وجهات النظر المختلفة.

ويرى أحد المشاركين في الاستطلاع (وهو مُؤلِّف) أنه سيكون من المفيد أن يتعامل جميع المشاركين مع عملية نشر الورقة البحثية بالطريقة نفسها التي يتعاملون بها مع حوارٍ دائر بين زملاء. ففي الظروف المثالية، سوف تأخذ تلك العملية شكل نِقاش بين مجموعة من الأقران الذين يشتركون في العمل على حل المشكلة نفسها. وسوف يُشكِّل هذا الأسلوب أساسًا لنهجٍ جماعي، وإنْ كان هذا مطمحًا بعيد المنال؛ لأن المجال البحثي يتسم غالبًا بالتنافسية الشديدة، فضلًا عن أن عملية نشر الأوراق البحثية لا تزال عاملًا من العوامل الرئيسة المحدِّدة لمسار الترقي الوظيفي، بصرف النظر عما إذا كان ذلك مَيزةً، أم عيبًا.

وحينما تكون المخاطر عالية، يكون وقوع الأخطاء حتميًّا، ومِن جميع الأطراف. وفي خضم هذه الضغوط، يمكن أن يُمثِّل التمسُّك بروح الزمالة تحديًا صعبًا، ولكنه تحدٍّ يجب أن ينهض به الجميع. ففي نهاية المطاف، يقف المشاركون في هذه العملية في خندقٍ واحد: المُراجِعون الذين ينفقون من وقتهم الساعات الطوال، والمُحرِّرون الذين يناصرون المُؤلِّفين، ويحتكمون إلى المعايير العلمية، والمُؤلِّفون الذين يتطلَّعون إلى تحسين أعمالهم البحثية من خلال مراجَعة الأقران، حتى يَرَوها منشورةً بعد ذلك.