أخبار

استخدام علوم الجينوم لتجنُّب الموجة الثانية من "كوفيد-19" 

يستخدم العلماء في نيوزيلندا وأماكن أخرى بيانات التسلسل الجينومي لتتبع انتشار حالات العدوى، تزامنًا مع تخفيف إجراءات الإغلاق.

كلير واتسون
  • Published online:

Credit: Lisa Maree Williams/Getty

تزامنًا مع خروج بلدان عديدة من حالة الإغلاق، يتهيأ الباحثون لاستخدام تقنيات تحديد التسلسل الجينومي، لتجنب موجة ثانية متوقعة من حالات العدوى بمرض "كوفيد-19" COVID-19.

وتجدر الإشارة إلى أنه منذ نشر أول تسلسل جينومي كامل لفيروس كورونا الجديد "سارس-كوف-2" SARS-CoV-2 عبر الإنترنت، في الحادي عشر من يناير الماضي، حدَّد العلماء تسلسلات حوالي 32 ألفًا من جينومات الفيروس من جميع أنحاء العالم، وشاركوا بياناتها. وقد ساعدت هذه البيانات الباحثين على تتبع مصدر تفشي "كوفيد-19" في بلدانهم، وتحديد الوقت الذي بدأت فيه حالات الانتشار المجتمعي لعدوى المرض1.

وفي الوقت الحالي، نجد أنّ البلدان التي نجحت في كبح انتشار حالات العدوى بصدد خوض المرحلة التالية من جائحة "كوفيد-19"؛ التي يُحتمل فيها ظهور حالات إصابة جديدة بالمرض، تزامنًا مع تخفيف القيود الاجتماعية. وفي ذلك الصدد، يقول الباحثون إن علم الجينوم سيكون له دور بالغ الأهمية في الإسراع بتتبع حالات الانتشار هذه، والسيطرة عليها. وتشير الدراسات بالفعل إلى أن تفشي المرض عادة ما يكون أصغر نطاقًا وأقصر أمدًا عند استخدام علم الجينوم إلى جانب نظام تتبُّع مخالطي المرضى2.

يقول جيتيس دوداس، استشاري البيولوجيا المعلوماتية في مركز جوتنبرج العالمي للتنوع البيولوجي في السويد: "عندما يكون عدد الحالات قليلاً، يمكن لعلوم الجينوم أن تخبرنا بطبيعة ما نتعامل معه بسرعة كبيرة، ومن ثم يمكنها أن ترشدنا إلى أساليب التدخل بدقة لعلاج الوضع".

وهناك عدة مناطق في وضع جيد للغاية يسمح لها بتطبيق ذلك، وهذا لأنها بذلت جهودًا في عمليات تحديد التسلسلات الجينومية لفيروسات "سارس-كوف-2" في وقت مبكر من الجائحة، إضافة إلى أن عدد الحالات فيها منخفض نسبيًّا. من هنا، على سبيل المثال، قرر باحثون في نيوزيلندا، وولاية واحدة على الأقل في أستراليا، استهداف تحديد تسلسلات معظم جينومات فيروسات "سارس-كوف-2" في مناطقهم.

ومع انتشار هذه الفيروسات في جميع أنحاء العالم، وتطورها في مناطق شتى تدريجيًّا، بدأ العلماء في ملاحظة تشكّل سلالات مختلفة منها. ومن خلال مقارنة التسلسلات الجينومية لهذه الفيروسات، يمكن للباحثين استبعاد مسارات محتملة لانتشار العدوى في حال عدم تطابق تسلسلين، كما يمكنهم الربط بين الحالات التي تتطابق فيها التسلسلات الجينومية لهذه الفيروسات.

يعمل أيضًا علماء في المملكة المتحدة، والولايات المتحدة، وبلدان أخرى على تحديد التسلسلات الجينية لفيروس "سارس-كوف-2" لدى نسبة كبيرة من الحالات المصابة به هناك، لكن نظرًا إلى استمرار الوباء في هذه البلدان، وإلى ارتفاع عدد حالات الإصابة به فيها، فإن علم الجينوم يُستخدم في رصد التفشي والمساعدة في تحديد مصدر بعض الحالات عندما يفشل نظام تتبع مخالطي المرضى.

ومن الجدير بالذكر، أنه قبل وصول أول حالة جرى رصد إصابتها بالمرض من مدينة ووهان الصينية إلى أستراليا في أوائل يناير الماضي، بدأ الباحثون في أحد مختبرات مدينة ملبورن بولاية فيكتوريا –وهو مختبر يتقصى عادة تفشي الأمراض المنقولة بالأغذية–الاستعداد لتحديد تسلسلات جينومات فيروسات "سارس-كوف-2".

وحتى الآن، استطاع الفريق تحديد التسلسل الجينومي لهذه الفيروسات بعينات مأخوذة من ثلاثة أرباع الحالات في الولاية، التي يبلغ عددها 1700 حالة تقريبًا3، ويُعتقد أن هذه أوسع عملية في العالم لتغطية التسلسلات الجينية في واقعة انتشار مرض معد. 

وستُستخدم هذه البيانات للمساعدة على تحديد المصدر المحتمل للحالات الجديدة التي تظهر مع تخفيف القيود الاجتماعية في ولاية فيكتوريا. وعلى حد قول تورستن سيمان، اختصاصي نظم المعلومات الحيوية في مختبر الصحة العامة بوحدة التشخيص الميكروبيولوجي في معهد بيتر دوهيرتي لدراسات العدوى والمناعة، فإن مسؤولي الصحة العامة سيتمكنون من اتخاذ قرارات تتيح السيطرة على تفشي المرض، على نحو أسرع بكثير مما أمكن في الأسابيع القليلة الأولى من ظهور الجائحة، حينما كان عدد جينومات الفيروس القابلة للمقارنة بينها أقل.

على سبيل المثال، ساعدت بيانات التسلسل الجينومي على تحديد المصدر الحقيقي للعدوى التي تعرض لها أحد العاملين في مجال الرعاية الصحية في أحد المستشفيات، وهو ما أثبت إصابته بالفيروس في فعالية اجتماعية، وليس من مريض مُودَع بالمستشفى. ويضيف تورستن أن هذه المعلومات حالت دون الحاجة إلى إجراء بحث في احتمالية حدوث انتشار للمرض في ذاك المستشفى.

وستكون البيانات الجينومية ذات أهمية كبيرة عند استئناف حركة السفر الإقليمية. فقد أُغلقت حدود جميع الولايات في أستراليا منذ شهر مارس الماضي، لكن من المتوقع حدوث إصابات جديدة عند إعادة فتحها. ويقول الباحثون إنه من المتوقع أن تكون جينومات فيروسات "سارس-كوف-2" قد تحورت على مدار الشهرين الماضيين بدرجة تكفي لتحديد ما إذا كانت قادمة من خارج الدولة أم من داخلها.

وقد حدد علماء في نيوزيلندا حتى الآن التسلسل الجينومي لهذه الفيروسات لدى 25% من الحالات التي أُبلغ عنها، البالغ عددها 1154 حالة. وفي ذلك الصدد، يقول جوب دي لايت -كبير اختصاصيي نظم المعلومات الحيوية في معهد العلوم والبحوث البيئية الكائن بالقرب من ويلينجتون، حيث تجري عمليات تحديد التسلسل الجينومي لفيروسات "سارس-كوف-2" لدى الحالات المصابة بها في البلاد- إن هؤلاء العلماء يستهدفون تحديد التسلسل الجينومي لأكثر من 70% من الحالات للحصول على أكثر صورة مكتملة يمكن الوصول إليها من الناحية العملية. ويضيف أن بيانات التسلسل الجينومي هذه قد أثبتت فاعليتها بالفعل في التصدي لتفشيات المرض. فقد حددت البيانات الجينومية العلاقات بين الحالات التي أغفلها تتبع مخالطي المرضى التقليدي، وأوضحت الفروق بين مجموعتين كان يُعتقد أنهما مجموعة واحدة.

غير أن استخدام علم الجينوم كجزء من الاستجابة لفاشية تحكمه قيود، كما يقول دي لايت، الذي يضيف أنه من المستبعد إجراء اختبار للمصابين بعدوى «سارس-كوف-2» ممن لا يُظهِرون أعراضًا للمرض، وهو ما يتسبب في وجود ثغرات في البيانات الجينومية.

وتقول ميرو شيل -اختصاصية الوبائيات في الجامعة الوطنية الأسترالية في كانبيرا- إن استخدام التحليل الجينومي لمساعدة جهود تتبع مخالطي المرضى يقتصر -إلى حد كبير- على البلدان ذات الدخل المرتفع. وتأمل شيل أن تشهد التعامل مع علم الجينوم بوصفه أداة للتصدي للفاشيات في البلدان محدودة الموارد في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، مثلما حدث في جمهورية الكونجو الديمقراطية، وسيراليون، وغينيا، أثناء تفشي مرض الإيبولا بين عامي 2014، و2016.

References

  1. Zhang, Y.-Z. & Holmes, E. C. Cell 181, 223–227 (2020). | article
  2. Stevens, E. et al. Front. Microbiol. 8, 808 (2017). | article
  3. Seemann, T. et al. Preprint at MedRxiv https://doi.org/10.1101/2020.05.12.20099929 (2020). | article