تحقيق إخباري

لن تعود الجامعات كسابق عهدها أبدًا

حتى بعد انقشاع أسوأ موجات جائحة فيروس كورونا الجديد، فمِن شأن آثارها أن تغيِّر إلى الأبد من طرق عمل العلماء، ومن ماهية ما يدرسونه، وحجم التمويل الذي يتلقونه.

ألكساندرا ويتز

  • Published online:

Credit: The Project Twins

في عصر يوم الجمعة، الموافق السادس من شهر مارس الماضي، أُعلن الخبر التالي: تدريس جميع الصفوف في جامعة واشنطن بسياتل –المدينة التي شكلت بؤرة تفشي جائحة "كوفيد-19" آنذاك– سينتقل إلى الإنترنت في يوم الاثنين اللاحق. وعليه، أخذ المحاضرون يسارعون بإعداد خيارات للتعلم عن بُعد لأكثر من 40 ألف طالب. وعن ذلك، تقول ماري ليدستروم، نائب عميد الجامعة لشؤون البحوث: "سرعان ما اتضح أن هذه الأزمة لن تزول عن قريب".

وتكررت مَشاهد مشابهة في جامعات أخرى حول العالم، فصارت قاعات المحاضرات يخيم عليها صمت دائم، والمختبرات إما مُعطلة، أو تعمل بالحدّ الأدنى من طاقمها، فيما يسعى المسؤولون جاهدين لإيجاد طرق ليستأنف الطلاب حضور الصفوف على نحو آمن.

إنّ أزمة فيروس كورونا الجديد ترغم الجامعات على مواجهة تحديات ظلت قائمة منذ وقت طويل في قطاع التعليم العالي، من بينها –على سبيل المثال– الارتفاع الشديد في نفقات التعليم، وتصوّرات اقتصار التعليم فيها على النخبة؛ وربما يكون بعض التغييرات التي تتولد من مواجهة هذه التحديات دائمًا. فعلى المدى الطويل، قد تنتقل الجامعات إلى تدريس كثير من الصفوف على الإنترنت (وهو اتجاه قيد التطبيق بالفعل)، وإلى أنْ تستقبل عددًا أقل من الطلاب من الدول الأخرى، بل وربما تعيد تصميم برامجها، كي تناسب المجتمعات المحلية والوطنية بصورة أكبر، بهدف حل المشكلات الملحّة، وللبرهنة على أهميتها في وقت يتعرض فيه الخبراء والمؤسسات العامة لنقد متزايد. من هنا، يقول بيرت فان دير زفان، الرئيس السابق لجامعة أوترخت في هولندا، ومؤلف كتاب "التعليم العالي في عام 2040: نحو نهج عالمي" Higher Education in 2040: A Global Approach، الصادر في عام 2017: "إن الجائحة تسرع من وقوع التغييرات بوتيرة هائلة".

وفي الوقت الذي تواجه فيه الجامعات تحديات كبرى، فإن التنبؤات بمستقبلها المالي تنذر بوضع خطير؛ فالإيرادات تنخفض بحدة مع التزام الطلاب (ولا سيما طلاب الدول الأخرى) بالبقاء في منازلهم، وإعادة تفكيرهم في خططهم المستقبلية، كما أن صناديق المنح تتبدد بفعل الضغوط عليها مع تدني أسعار الأسهم الشديد.

مسألة مالية بحتة

إن الجامعات المرجح أن تنجح في التعامل مع الأزمة هي تلك التي تتمتع بالمال والنفوذ، ولكن حتى هذه المؤسسات تواجه تحديات بدورها. على سبيل المثال.. يقدم معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا في كامبريدج الدورات الدراسية عبر الإنترنت مجانًا منذ عام 2002، لكن معظم الأكاديميين الذين تولوا مهام التدريس في الفصل الدراسي الحالي في المعهد اضطروا إلى التحرك على عجالة، للتوصل إلى طريقة لنقل جميع موادهم التعليمية إلى الإنترنت عندما وقعت الجائحة، على حد قول سانجاي سارما، نائب رئيس المعهد لشؤون التعليم المفتوح. وبوجه عام، بدأت مؤسسات تعليمية كثيرة تدرك –عبر تجارب أليمة– أن الاكتفاء بتقديم مواد الدورات الدراسية عبر المنصات الرقمية ليس الحل الأفضل لتدريس الطلاب. ويضيف سارما قائلًا: "تدريس المقررات الجامعية عبر تطبيق "زوم" Zoom لا يصنع التعليم الإلكتروني الأمثل".

ويأمل سارما أن تكون التجربة التعليمية مختلفة جذريًّا عندما تعاود الجامعات تدريس صفوفها في القاعات الدراسية؛ بأن يوزع المعلمون محاضراتهم المسجَّلة عبر مقاطع الفيديو مبكرًا، لينصبّ تركيزهم لدى التقائهم بطلابهم على التفاعل معهم، من أجل التأكد من استيعابهم المفاهيم المطروحة على أتم وجه. ويقول سارما معقبًا: "يجب ألا نهدر فرصة التقاء المحاضرين بطلابهم في التعليم التلقيني، بل يجب أن يكون التعليم تفاعليًّا".

التدريس الافتراضي

يتوقع بعض التربويّين أن تؤدي الجائحة إلى زيادة التدريس عبر الإنترنت، وتَحَسُّنه عن ذي قبل، في كلٍّ من البلدان الثريّة، وكذلك البلدان ذات الدخول الأدنى. وعلى سبيل المثال.. عندما أغلقت الجامعات في باكستان أبوابها في شهر مارس الماضي، لم يتوفّر لكثير من المحاضرين الأدوات للتدريس عبر الإنترنت، كما لم يُتح لكثير من الطلاب قنوات الوصول الموثوقة إلى الإنترنت في منازلهم، حسب ما أفاد به طارق بانوري، رئيس لجنة التعليم العالي في إسلام آباد، لكن اللجنة أخذت تعكف على وضع مواصفات قياسية للتدريس عبر الإنترنت، وعلى دعوة شركات الاتصالات إلى أن توفر للطلاب باقات نطاق عريض أقل تكلفةً للأجهزة المحمولة.

ويقول بانوري: "نتخذ هذه الخطوات في ظل أزمة تفشي الفيروس، لكننا نعتقد أنه ستكون لها فوائد طويلة الأمد"، مثل تخريج طلاب مدربين بدرجة أكبر على الوظائف التقنية. وفي البلدان منخفضة الدخل، أو متوسطة الدخل، على غرار باكستان، يمكن أن تجبر جائحة فيروس كورونا الجامعات على تسريع وتيرة خططها طويلة الأمد، من أجل تحسين جودة برامجها التعليمية وجدواها.

من زاوية أخرى، تواجه المؤسسات كلها مشكلات مالية جسيمة. فالجامعات الأمريكية الخاصة الثريّة، مثل جامعة جونز هوبكنز في بالتيمور بميريلاند، تتوقع أن تخسر مئات الملايين من الدولارات في العام المالي المقبل. وتواجه جامعات المملكة المتحدة كلها عجزًا بقيمة 2.5 مليار جنيه إسترليني على الأقل (ثلاثة مليارات دولار أمريكي) في العام القادم، بسبب الانخفاض المتوقع في معدلات تسجيل الطلاب في برامجها، وذلك طبقًا لما أوردته مؤسسة الاستشارات البريطانية "لندن إيكونومكس" London Economics. أما الجامعات الأسترالية، فقد تسرح 21 ألفًا من العاملين بدوام كامل بها في هذا العام، من بينهم سبعة آلاف شخص من العاملين في المجال البحثي، حسب تقرير حكومي صادر في شهر مايو الماضي.

ويمثل الانخفاض المتوقع في العائدات المتحققة من وفود الطلاب من دول أخرى إحدى كبرى المشكلات في هذا الصدد. يقول أندرو نورتون، الذي يَدرِس سياسات التعليم العالي في الجامعة الوطنية الأسترالية في كانبيرا، إن الجامعات الأسترالية التي تعتمد بكثافة على مصاريف التعليم التي يسددها الطلاب القادمون من الصين، تتوقع أن تخسر من ثلاثة إلى خمسة مليارات دولار أسترالي (أي من اثنين إلى ثلاثة مليارات دولار أمريكي)، كانت تأتي بصفة رئيسة من إيرادات وفود الطلاب إليها من دول أخرى. ويضيف أن الخسائر ستتركز في جامعات بحثية، مثل جامعة سيدني، لأن الدخل المتحقَّق من وفود الطلاب من دول أخرى يصب غالبًا في دعم البحوث ماديًّا.

وتقول جيني جيه. لي -باحثة التعليم العالي بجامعة أريزونا في توسان- إن العجز المالي الذي تواجهه الجامعات حول العالم قد يعني أن هناك جامعات، ولا سيما الجامعات الأصغر، ستغلق أبوابها نهائيًّا. وربما تشهد جامعات أخرى حركات اندماج بين بعضها البعض، وربما يخرج بعضها بمناهج مبتكرة للتعامل مع الأزمة، مثل برنامج شبكة «ميكرو كامباس» في أريزونا. جرى إعداد هذا البرنامج والتوسّع في نطاقه على مدار سنوات قليلة مضت، وهو يدمج بين الجامعة ومؤسسة تعليمية خارج البلاد، بحيث يتمكن الطلاب من تلقي الصفوف من أريزونا عبر الإنترنت، ويُتاح لهم -في الوقت نفسه- الالتقاء شخصيًّا بعضو هيئة تدريس محلِّي، لتوفير الإرشاد لهم. وتضيف لي قائلة: "جعلتنا جائحة "كوفيد-19" ندرك فجأة ما يحدث عندما تنقطع صِلاتنا المادية بالبلدان الأخرى".

وحتى بعد أن ينقشع الأثر المباشر للأزمة المالية، قد يظل مستقبَل المؤسسات التعليمية من المنظور الاقتصادي قاتمًا. ويذهب بعض الباحثين إلى أن هذا ربما يدفع الجامعات ووكالات التمويل إلى التركيز على مشروعات البحوث والبِنية التحتية الأوثق صلةً بالمصالح الوطنية في عالَم ما بعد زوال الجائحة. وعلى سبيل المثال.. تعمل حكومة المملكة المتحدة على تشكيل فريق عمل معنِيّ باستدامة البحوث، يهدف إلى تقييم المشروعات البحثية عبر الجامعات، مع إيلاء اهتمام خاص بالتخطيط لمستقبل البلد على المدى الطويل.

الجدوى المجتمعية

وربما تساعد هذه الجائحة الجامعات على أن تنفي عن نفسها فكرة أنها كيانات للنخبة، ومنفصلة عن المجتمع، وهي الرؤية التي تدعمها الأحزاب الشعبوية في هولندا، وإيطاليا، وإسبانيا، وبلدان أخرى. فالجامعات في كثير من البلدان -على سبيل المثال- قادت الجهود الرامية إلى إيجاد سبل لعلاج مرض "كوفيد-19"، أو الوقاية منه.

من هنا، يقول نِك هيلمان، مدير معهد سياسات التعليم العالي في أكسفورد بالمملكة المتحدة: "إذا كان مُقدّرًا للقاح الفيروس أن يخرج إلى العالَم من المملكة المتحدة، فسيكون هذا ثمرة جهود إحدى مؤسساتها الجامعية"، ولكنْ لا يزال القلق يساور هيلمان إزاء احتمالية أن تعزز الجائحة أوجه التفاوت بين الجامعات، إذا قررت الحكومات تحويل مسار تمويلاتها إلى القلاع البحثية، مثل جامعة أكسفورد.

وعلى الرغم من التغييرات الجارية، يشكّ فان دير زفان في أن هذه الجائحة ستكون بمثابة النهاية لمعظم الجامعات. فقد أخذ يتحرى الأحداث التي أعقبت "الموت الأسود"، أو جائحة الطاعون الدُّمُليّ التي دمرت الكثير من ملامح المجتمع في القرن الرابع عشر. ومن بين 30 جامعة تقريبًا كانت قائمة في أوروبا آنذاك، اندثرت خمس منها فقط. وحول ذلك.. يقول زفان: "بعد النجاة من تلك الصدمة، عادت جامعات إلى الحياة، وازدهر نشاطها. ولعل هذا يكون درسًا جيدًا من الماضي".
ألكساندرا ويتز صحفية تكتب لـNature من بولدر بولاية كولورادو الأمريكية