تكنولوجيا

إنشاء محتوى الرسوم التوضيحية من أجل علوم مصورة

أداة "بايوريندر" القائمة على الويب تصبح عنصرًا أساسيًّا في إنتاج الرسوم الخاصة بالبحوث الطبية الحيوية.

جفري إم. بِيركِل 
  • Published online:

Illustration by The Project Twins

تلقَّت ريتا ساتلر، شأنها في ذلك شأن العديد من الباحثين الآخرين، تدريبات على إنجاز المهام العلمية، لا على تصويرها بالرسوم. وهذا في الوقت الذي يظل فيه الباحثون بحاجة إلى كتابة الأوراق البحثية، مع شرحها بالرسوم التوضيحية. لذلك، عندما سنحت الفرصة أمام ساتلر لتوثيق إنجازات فريقها البحثي في مقال صحفي، عمدت إلى ما يفعله زملاؤها مرارًا وتكرارًا؛ حيث لجأت إلى الاستعانة ببرنامج "باوربوينت" PowerPoint.

و"باوربوينت" هو من أدوات شركة "مايكروسوفت"، التي تهدف إلى إعداد العروض التقديمية واستعراضها باستخدام شرائح عرض، وهو أحد خيارين شائعين لإنشاء الرسوم التوضيحية العلمية. أما الخيار الآخر، فيتمثل في برنامج "أدوبي إليستريتور" Adobe Illustrator، وهو أداة احترافية معروفة بصعوبة تعلُّم استخدامها، في حين تتمثل نقطة قوة برنامج "باوربوينت" في عرض الشرائح، وليس في تصميم الرسوم التوضيحية. من هنا، تقول ساتلر عن الصور الناتجة باستخدام "باوربوينت": "لن أصرح بالوصف الذي أريده، لكن تلك الصور لم تكن جيدة حقًّا"، لكن في عام 2019، اقترح طالب دراسات عليا يعمل في مختبر ساتلر بديلًا، متمثلًا في أداة "بايوريندر" BioRender، وهي أداة على الويب، صُمَّمت بوجه خاص لإعداد الرسوم التوضيحية في مجالَي علوم الحياة، والطب، كما أنها تُشبِه إصدارًا أبسط من برنامج "إليستريتور". وقد ابتَكرت هذه الأداة شركة ناشئة في تورنتو بكندا، تحمل الاسم نفسه، وطرحتها في عام 2017. وتتميز الأداة بمكتبة ضخمة من "الأيقونات" القابلة للتطوير في مختلف علوم الحياة والطب. ويمكن للباحثين سحب تلك الأيقونات، وإفلاتها على لوحة فارغة، والتحكم فيها، كما لو كانت دوائر أو مضلعات.

وبالنسبة إلى ساتلر –وهي متخصصة في علم الأعصاب، من معهد بارو للأعصاب في فينيكس بولاية أريزونا– فقد أتاح لها ذلك توضيح مسارات تمايز الخلايا في بحثها سريعًا، دون الاضطرار إلى رسم كل خلية من الصفر. وعن رد فعل فريقها إزاء الأداة، تقول ساتلر: "اعترانا جميعًا ما يشبه الذهول، ووجدناها رائعة، وسارعنا باستخدامها، وصرنا بالفعل لا نستخدم أي أداة أخرى منذ ذلك الحين".

اعرض ... لا تكتب

يتطلب النجاح العلمي درجة فعالة من التواصل، سواءً مع المراجعين النظراء، أو جهات التمويل، أو الزملاء. وفي مجال غالبًا ما تكون فيه لقنوات التواصل المهمة –مثل المقالات المنشورة في الدوريات العلمية، وطلبات المِنح– حدود قصوى لعدد الصفحات، يمكن أن يضاهي الرسم التوضيحي أكثر من ألف كلمة. من هنا، يقول ويلفريد روسول، اختصاصي بيولوجيا الخلايا بمستشفى مايو كلينيك في جاكسونفيل بولاية فلوريدا: "إذا كنت ترغب في التعبير عن نتائجك، أو إذا كنت تريد شرح ما تود أن تفعله فحسب في حال طلب منحة، فمن المهم حقًّا استخدام الرسوم".

على عكس الأشكال البيانية التي تقدم وصفا مُفصَّلًا لنتائج البحث الأولية، تخدم هذه الرسوم عادةً كوسيلة مُصوَّرة لشرح نماذج مقترَحة، أو مناهج تجريبية، أو مسارات بيوكيميائية. وقد صارت أعداد متزايدة من الدوريات تسمح للباحثين بتضمين ملخصات رسومية في أبحاثهم، من بينها -على سبيل المثال- الرسوم التوضيحية التي تهدف إلى تلخيص النتائج الرئيسة للورقة البحثية.

يقوم الباحثون عادةً بإنشاء تلك الرسوم التوضيحية باستخدام برنامج "باوربوينت"، أو "إليستريتور"، أو ما يشابههما، غير أنه لم يتم تصميم أيٍّ من تلك الأدوات خصيصًا للعلماء. لذا.. قد يكون من الصعب استخدامها. وعلى سبيل المثال.. تتذكر سايني إليزابيث أسبرج -الباحثة المتخصصة في دراسة تعفُّن الدم بالجامعة النرويجية للعلوم والتكنولوجيا في تروندهايم- الرسوم التي كانت تصنعها لأطروحتها العلمية قائلة: "لولا وجود أداة "بايوريندر"، لكنتُ ضربت رأسي في الحائط في محاولاتي لاستخدام برنامج إليستريتور" . وتشاركها الشعور نفسه أكيكو إيواساكي، اختصاصية علم المناعة بجامعة ييل في نيو هيفن بولاية كونيتيكت، التي تصف تجربة استخدامها لبرنامج "إليستريتور" قائلة: "كنت أستغرق أيامًا لإنشاء أشكال الأنسجة، أو أنواع الخلايا أو الأوعية الدموية. أما مع "بايوريندر"، فقد أصبح بإمكاني أن أرسم ما أحتاج إليه في غضون دقائق".

أداة مكتملة التجهيز

يعود الفضل في ذلك إلى مكتبة "بايوريندر"، التي تضم حوالي ثلاثين ألفا من الأيقونات المتعلقة بعلوم الحياة، والتي تتضمن رسومًا تشريحية وصورًا لكل شيء، بدءًا من جسيمات فيروس "سارس-كوف-2"، إلى ذباب الفاكهة. ويمكن للمستخدمين تغيير حجم هذه الأيقونات، وتغيير اتجاهها وألوانها، لكن لا يمكنهم تغيير شكلها الأساسي، لإضافة أو إزالة نطاق بروتين معين، على سبيل المثال. كما تتضمن المكتبة أيقونات تصور قِطَعًا معينة من الأدوات واللوازم الخاصة بالمختبرات، وهو ما يجعل من الممكن توضيح بروتوكولات الأبحاث باستخدام صور المعدات الفعلية التي استُخدمت فيها.

ومن بين تلك الأدوات المُصوَّرة: مقياس الطيف الكتلي، المعروف باسم "أوربيتراب فيوجن ترايبريد"Orbitrap Fusion Tribrid، الذي تتولى تصنيعه شركة "ثيرمو فيشر ساينتيفيك" Thermo Fisher Scientific  في والثام في ولاية ماساتشوستس، وجهاز تحديد تسلسل الحمض النووي "مينيون" MinION، وهو من تصنيع شركة "أكسفورد نانوبور تكنولوجيز" Oxford Nanopore Technologies، التي يقع مقرها في المملكة المتحدة. وعن ذلك، تقول بيث كينكل -وهي عالِمة مساعدة بشركة "بريستول مايرز سكويب" Bristol Myers Squibb في سياتل -إن هذه الميزة تساعدها في العروض التقديمية التي تعدّها لأعضاء فريقها البحثي. وتضيف قائلة: "يمكنني طرح عرض تقديمي رسومي سريع للكيفية التي أخطط بها لإجراء تجربة معينة. وبعد ذلك.. يمكنني طلب التعقيب من زملائي في العمل بشأن ما إذا كانت تلك هي الطريقة التي يجب عليَّ اتباعها في تصميم التجربة، أم يجب عليَّ أن أُغيِّر شيئًا ما بها".

ويمكن للباحثين أيضًا إنشاء أيقونات تُمثِّل بِني هيكلية معينة في بنك بيانات البروتينات، وهو أرشيف رقمي مفتوح الوصول، يتيح الولوج إلى البيانات الخاصة بالبِني الهيكلية ثلاثية الأبعاد للبروتينات والأحماض النووية. ومن الجدير بالذكر أنه في شهر مارس الماضي، بدأت الشركة القائمة على البنك في طرح واجهة بينية محسَّنة لهذا الأرشيف، تتيح لأداة «بايوريندر» إنتاج صور توضيحية "أقرب إلى اللوحات الفنية" من صورها السابقة، على حد قول شيز أوكي، وهي مُصوِّرة طبية، شاركت في تأسيس أداة "بايوريندر". ويمكن للمستخدمين أيضًا طلب رسوم مُصمَّمة حسب الطلب من فريق "بايوريندر". على سبيل المثال.. طلب روسول أيقونات تُصوِّر قطعتين من المعدات استُخدِمتا في معالجة أنسجة لأغراض التحليل المناعي النسيجي الكيميائي. وقد أُنشئت هذه الأيقونات بدون مقابل، وهي متاحة حاليًّا لجميع مستخدمي "بايوريندر". وعليه، يقول روسول مازحًا: "على الرحب والسعة للجميع".

كل شيء مُعَدّ للاستخدام

تضفي أدوات رسم تختص بأبحاث علوم الحياة المزيد من الكمال لشريط أدوات "بايوريندر"، فتجد في ذلك الشريط خطوطًا وأشكال أسهم مُسبقة الإعداد لرسم المسارات الكيميائية الحيوية. كما تعثُر –على سبيل المثال- على أداة لرسم الأشكال المقوسة الخاصة بخرائط البلازميدات (وهي تمثيلات رسوم لقطع دائرية صغيرة من الحمض النووي، شائعة الاستخدام في بحوث البيولوجيا الجزيئية). ومن بين هذه الأدوات أيضًا سلسلة جديدة من الفُرَش، لرسم الأغشية البلازمية، والأوعية الدموية، والأحماض النووية في هيئة خطوط.

وقد نشر أندرو دينز -وهو اختصاصي في كيمياء البروتينات بمعهد سانت فنسنت في ملبورن بأستراليا- ورقة بحثية (J. O’Rourke et al. Nucleus10, 221–230; 2019) في أكتوبر الماضي تُصوِّر أربعة رسوم تم إنشاؤها من خلال أداة "بايوريندر". اعتاد دينز استخدام برنامج "إليستريتور"، لكنه يشير إلى أنه قد يكون من الصعب تدريب أشخاص جدد على استخدامه. ونتيجة لذلك.. حسبما يقول، فإن طلابه "يعشقون" أداة "بايوريندر، بيد أنه ينوه إلى أنهم لا يزالون ينشئون الأشكال البيانية باستخدام برنامجَي "إليستريتور"، و"أدوبي فوتوشوب". كما أن عضوًا بفريقه، اعتاد الرسم باليد، يُنشئ رسومًا توضيحية باستخدام تطبيق على الـ"آيباد"، يُسمى "تاياسوي سكيتشز" Tayasui Sketches، وقلم آبل.

وثمة خيارات أخرى أيضًا لإنتاج الرسوم التوضيحية، على الرغم من أنه ليس من بينها ما يركز على علوم الأحياء، مثل "بايوريندر". وعلى سبيل المثال.. تقول كينكل -التي تنشئ أيضًا مدونات لصالح خدمة توزيع الكواشف المعروفة باسم "أدجين"- إنها تضع الرسوم التوضيحية في منشوراتها في الغالب باستخدام أداة "فيكتر" Vectr، وهي أداة رسم للأغراض العامة،  كما تستخدم أداة "كانفا" Canva، وهي أداة مستخدَمة على الإنترنت لإنشاء الصور الخاصة بمواقع التواصل الاجتماعي. وتذكر كينكل أن كلتا الأداتين تتميزان بأنهما متاحتان بالمجان، وأنهما تُستخدمان على الويب، وتتسمان بسهولة الاستخدام، وتجمِل وصفهما بقولها: "بصفة أساسية.. هما تلبيان جميع احتياجاتي".

أما كين هيوز، وهو باحث في مرحلة ما بعد الدكتوراة، ومتخصص في علم المحيطات بجامعة ولاية أوريجون في كورفاليس، فيستخدم "إنكسكيب" Inkscape، وهي أداة مفتوحة المصدر، مناظِرة لبرنامج "إليستريتور"، ظهر إصدارها رقم 1.0 في الأول من مايو. ويفضل زين فولكس، الذي يدرس بيولوجيا القشريات بجامعة تكساس ريو جراند فالي في إدينبورج، "كوريل درو" CorelDRAW، وهي أداة تجارية يُكمِّلها هو بصور من "مشروع ناون"، الذي يضم مجموعة تحوى أكثر من مليوني أيقونة متاحة بالمجان. و(ثمة خيار آخر يتمثل في مجموعة "سرفييه ميديكال آرت" Servier Medical Art من شركة المستحضرات الصيدلانية "سرفييه"، الكائن مقرها في سوريسن بفرنسا. وتشمل هذه المجموعة حوالي 3000 صورة للاستخدام المجاني).

ووفقًا لأوكي، فإن أداة "بايوريندر" يستعين بها الآن ما يقرب من 200 ألف مستخدِم. وهي متاحة للاستخدام بالمجان، لكن الصور التي تنتجها تحمل علامة مائية، كما أن دقة الملفات التي تنتجها وتنسيقاتها تتسمان بالقصور. ويتطلب نشر الأشكال التوضيحية بها الحصول على رخصة للأداة (مقابل رسم اشتراك يبلغ 35 دولارًا أمريكيًّا للفرد شهريًّا، أو 99 دولارًا أمريكيًّا لخمسة مستخدمين شهريًّا). ويمكن للمستخدمين بدء العمل بلوحة فارغة، لكن شركة "بايوريندر" توفر أيضًا مئات القوالب المُعدَّة سلفًا، بما في ذلك العديد من القوالب المتعلقة بفيروس "سارس-كوف-2". وجدير بالذكر أن أحد هذه القوالب، وهو الذي يَعرِض بالتفصيل دورة تنسخ فيروس كورونا، يُعَد حاليًّا القالب الأكثر استخدامًا على موقع الأداة، حسبما تقول أوكي.

جفري إم. بِيركِل المحرر التقني لدورية Nature.