كتب وفنون

قصة العالَم من الانفجار العظيم إلى الارتداد الكوني 

فيزيائي وعالِم إنسانيات يصحبنا في جولة تاريخية كبرى عبر الزمان.

فيليب بول
  • Published online:
سحابة من غاز وغبار بين النجوم، رَصَدها وصوَّرها مرصد هابل الفضائي، التابع لوكالة ناسا.

سحابة من غاز وغبار بين النجوم، رَصَدها وصوَّرها مرصد هابل الفضائي، التابع لوكالة ناسا.

M. Livio and the Hubble Team (STScI)/NASA/ESA

حتى نهاية الزمان: العقل، والمادة، وبحث الإنسان عن معنى وسط كون متطور

براين جرين

دار نشر بنجوين (2020)

يندرج كتاب"حتى نهاية الزمان" Until the End of Time للمؤلف براين جرين تحتإطاريتبنى رؤى كبيرة وشمولية للكون، متأصلةفي علوم الفيزياء، وتبدو لقارئ بريطاني مِثْلي أن الطابع الأمريكي يغلب عليها بشدة. وعندما بلغتُمنتصف الكتاب، أدركتُ سبب ذلك الانطباع. فالسرد في هذا الكتاب يشوبه تيار قويمن فلسفة التعالِي، نظرًا إلى ما يحويه من تشكك ديني، وانفتاح على التساؤل الإنساني، ومهابة الطبيعة،إلى جانب الاحتفاء بالفرد، والاعتراف بسيطرة القوانين الفيزيائية على الحياة. أثناء قراءة كتاب جرين، يلمس المرء صدى أفكار الفيلسوف هنري ديفيد ثورو في فكرةالاستلقاء في الخارج ليلًا، والابتهاج بأضواء الشفق القطبي. لذا.. فإن مقولة كاتب المقالات رالف والدو إيمرسون: "القوانين العليالهذا العالم تسري على الذرات والكواكب على السواء" تصلح لأنْ تكونالاقتباس الافتتاحي لهذا الكتاب. 

سمات كهذه ترتقي بهذا الكتاب على غيره من المحاولات الشبيهة الكثيرة لسرد القصة الكونية، التي تغطي الانفجار العظيم، حتى نهاية الزمن، سواء أكان ذلك عبر التمّزق العظيم، أم الموت الحراري للكون، أو الارتداد العظيم.

يأخذنا جرين في رحلة تمتد من الكواركات إلى مفهوم الوعي، ومن نشأة الحياة إلى نشوء اللغة. وهو يستمد أفكاره من مجموعة رائعة من المصادر، مثل الشاعر ويليام باتلر ييتس، والشاعرة سيلفيا بلاث. وفي محاولة منه لنسج تطور قوانين الفيزياء مع تطوّر العقل البشري والثقافات الإنسانية، يتجاوز هدفه في هذا الكتاب هدفه في أكثر كتبه مبيعًا، الصادر في عام 1999 بعنوان "الكون الرائع" The Elegant Universe. صحيح أن كتاب "حتى نهاية الزمان" يكتظ بالأفكار، لكن ما إذا كان التقاء هذه الأفكار مع بعضها البعض يكوّن قصة مقنعة، أم لا، فهو مسألة مختلفة.

يصوّر هذا الكتابُ الإنسانيةَ على أنها لحظة عابرة، حدثت حين أصبحت المادة ذاتية الوعي. وتشير النظريات الفيزيائية والكونية الحالية إلى أن هذا الواضع الراهن لا يمكنه أن يدوم. ففي نهاية المطاف، المادة والأفكار محكوم عليهما بالفناء، سواء من خلال تحلل البروتون، أم هيمنة الطاقة المظلمة، أم موت حراري تتحكم فيه الديناميكا الحرارية. ويشير جرين إلى أن الكائنات الذكية قادرة على تحقيق أقصى استفادة ممكنة من عمليات تفكيرهم، إلى أجل غير مسمى تقريبًا، عن طريق إبطاء هذه العمليات، للتقليل من كلفة عمليات الديناميكا الحرارية الحتمية إلى الحد الأدنى.

ومن منظور جرين يمثل فَناء الوعي مأساة كونية. والأمر المحزن فعلًا هو أن ترى عالِم فيزياء حديثًا، ولا يزال مكبلًا بنظريات الأوتار والنسبية العامة، ومعادلات ميكانيكا الكم، ويعاني الأسى نفسه الذي دفع ملوكًا قُدامى إلى تحدي الفَناء بتشييد أضرحة تذكارية. ويجد جرين السلوان -الذي عادة ما تمنحه الأديان- في فكرة أن "التشكيلات الصغيرة للجسيمات الكونية" التي منها تتشكل الإنسانية يمكنها أن ترتقي، وأن "تخلق الجمال، وتستشعر التواصل، وتكشف أسرار الحياة، وكل ذلك بدفقة نشاط محكوم عليها بالفناء".

رحلة جرين الكُبرى هذه مثيرة في بعض الأحيان، وانتقائية بحكم الضرورة، وسطحية من حين إلى آخر، وكثيرًا ما تفتقر إلى المساحة أو الدقة اللازمتين لمنح الطائفة العريضة من المواضيع التي تتناولها حقها في التناول. فبخلاف الفيزياء الأساسية، يجيد جرين تلخيص العديد من الكتابات الشائعة الأخرى، ولكنه يستفيض قليلًا؛ فيترك ثغرات في سرده، بل ويجعله مُضَلّلًا في بعض الأحيان. وعلى سبيل المثال، يعزو جرين جميع أسباب كون الماء مذيبًا مميزًا، لا غِنى عن وجوده في الحياة، إلى الطبيعة القطبية لجزيء الماء، غير أن هذا التفسير يجرد الماء من تميزه تمامًا، (فجرين لا يتطرق إلى الترابط الهيدروجيني، ورغم أنه لا يعبر عن القصة بأكملها، إلا أن إغفاله يعني أننا لم نحصل غالبًا في النهاية على أي سردية). وحينما يتطرق في حديثه إلى تفسير أصل الخرافات، فإن الكتاب يعرض أفكارًا أنثروبولوجية عفا عليها الزمن، تعود إلى بداية القرن العشرين لعلماء فلكلوريين من أمثال جيمس جورج فريزر، لكنه يصبغها بلمسة معاصرة من علم النفس التطوري.

لكن السقطة الكُبرى تكمن في سرد طريقة عمل البيولوجيا، التي تبدو مستقاة -إلى حد كبير- من كتاب "ما الحياة؟" What Is Life؟، الصادر في عام 1944، للفيزيائي إروين شرودنجر، وكتاب "الجين الأناني"  The Selfish Gene لعالِم البيولوجيا ريتشارد دوكينز، الصادر في عام 1976. فالحياة -حسبما يفترض جرين- مُشفرة بالكامل في الجينوم، وبمجرد ظهور المستنسخات الجزيئية على كوكب الأرض، يصير كل ما تبقى ليس سوى تاريخ تطوّري. ويضيف أن ديناميكا اللاتوازن الحرارية يمكن أن تمنحنا الأسبقية، حيث إن ما تتمتع به من سمة لتكوين عُقد وأنماط تلقائية في تراتب داخلي كان نقطة انطلاق نحو تنظيم الحياة، لكن العنصر المفقود هنا ويؤْذِن بفجوة أكبر في الكتاب هو عدم التطرق إلى أن المستويات الوسيطة من هذا التنظيم، خاصة الخلية، تحمل القدر نفسه من الأهمية.

وحينما يتطرق الكتاب إلى السلوك الإنساني من إبداع، وفن، وقصة، ودين، يضع جرين إيمانًا اختزاليًا على علم النفس التطوري. ولعله مُحق في قوله إن الكثير من سلوكياتنا المعقدة يرتكز على دوافع تكيفية أوّلية، إلا أنه لا يقر كما ينبغي بقدر تأثير الثقافة على تشكيل هذه السلوكيات. فعلى سبيل المثال.. يدعم جرين عالِم النفس ستيفن بينكر في توصيفه الذي يقلل من شأن الموسيقى حين قال عنها: "حلوى الجبن السمعية". ويَفترِض هذا التوصيف أن الموسيقى ممتعة، لأنها متطفلة على قدراتٍ تطورت لأسباب أخرى، مثل القدرة على تقسيم تجربتنا السمعية إلى مقاطع قابلة للفهم. قد يكون هذا صحيحًا، أو غير صحيح، لكن لكي نتذوق ما تعنيه الموسيقى حقًّا، علينا أن نضع في اعتبارنا خصوصياتها الثقافية، والتاريخية، والاجتماعية، وألا نكتفي فقط بأن نعزوها إلى "حساسيتنا التكيفية العتيقة للأصوات ذات المحتوى المعلوماتي الرفيع". 

وسواء أكان الأمر يتعلق ببيولوجيا الخليّة، أَم بالأنماط الموسيقية، فإن التساؤل عن سبب كون سمة معيّنة على ما هي عليه يتطلب منا أن نفكر في تفسيرات سببية. وهنا تكمن مشكلة النهج الذي يتبعه جرين، حين تتعلق المسألة بالبحث عن السبب.

وبالحق حين يصور الفيزياء بأنها نظرية كل شيء، حسبما يقول: "الحياة هي فيزياء تعمل بتناغم»"، فإن هذا لا يأتي من ادعاء استعلائي عادي لعالِم الفيزياء، فجرين بالفعل يوضح أننا بحاجة إلى "سرديات متداخلة" للوصول إلى تفسيرات ظواهر تقع على مستويات مختلفة من حيث الحجم والتعقيد، بدءًا من من الجزيئات دون الذرية، وصولًا إلى المجرات، التي يجب أن يتوافق كل منها -على الأقل- مع المستوى أدناه. ويقر جرين بأن أي محاولة لتفسير السلوك البشري على مستوى الجسيمات الأساسية ستكون عديمة الجدوى، لكنه لا يزال يلمِّح ضمنيًّا إلى أن السببية تتدفق من أسفل إلى أعلى عبر الترتيب الهرمي للمستويات. وهو يقول إننا نفتقد إلى الإرادة الحرة الأصيلة، لأنه لا يوجد عامل كهذا يُعتد به وسط القوى الأساسية. 

وهكذا، يظل جرين متشبثًا بفكرة أن النظرة الأكثر اختزالًا لها الحُجة الأقوى، أي أن الأمر برمته يتوقف على الجزيئات، والإنتروبيا، والتطور، إذ يقول في كتابه: "لعلنا نتمكن ذات يوم من الاستشهاد بنظرية موحّدة للمكونات الجزيئية، نفسر بها رؤية رودان الكاسحة". وهو لا يدرك أنه في حالة الأنظمة المُعقدة تكون الخواص الجديدة والآليات السببية التي تنشأ في المستويات العُليا فحسب من التراتب الهرمي حقيقيّة وجوهرية، شأنها في ذلك شأن القوى النووية القوية والضعيفة، على سبيل المثال. وهذا ما احتج به فيليب أندرسون، الحاصل على جائزة نوبل في الفيزياء، في مقالته الصادرة في عام 1972، التي كانت بعنوان: "المزيد مختلف" More Is Different.

ولو أننا سلمنا بتصوّر أندرسون، سيتعين علينا التشكيك في البرنامج بأكمله الذي ينسجه جرين بوضوح في كتابه، فعندما نتمكن من اكتشاف الدوافع البشرية وراء ابتكار القصص مثلًا، هل سيمثل حينها علم الكون القائم على الانفجار العظيم وميكانيكا الكم جزءين لهما دلالة من سرد هذه القصة؟ أغلب الظن أنه حينها، عندما يكون جرين قد أرسى رؤية للعالَم من منظور عالِم فيزياء وعالِم إنسانيات متعمق الفكر، لن يكون قد قدَّم استعراضًا كافيًا للوضع القائم، بقدر ما يكون قد قدَّم لنا جولة تعرض المَواطن التي نجح فيها هذا المنظور نجاحًا باهرًا، والمَواطن التي أخفق فيها. إن هذا الكتاب يقدم لنا دعوة مؤثرة للنقاش.

فيليب بول مؤلف علمي، صَدَر له كتاب بعنوان: "How to Grow a Human"، هو أحدث مؤلفاته.

البريد الإلكتروني: p.ball@btinternet.com