أنباء وآراء

فيزياء الكم: غازات كمية تظهر لمحات من الصلابة الفائقة

المواد فائقة الصلابة هي بنى مرغوب فيها بشدة، تدعم ذراتها إمكانية التدفق دون احتكاك وتُشكل البلورات في الوقت ذاته. وقد رُصدت السمات المميزة لحالة الصلابة الفائقة في ثلاث تجارب حديثة تضمنت غازات كمية من ذرات ثنائية القطبية.

لود بوليت
  • Published online:

منذ ستين عامًا مضت، أشار عالم الفيزياء النظرية يوجين جروس إلى أن المادة يمكن أن يكون لها خصائص الحالة الصلبة والسائلة في الوقت نفسه، بشرط أن يكون السائل هو سائل فائق1. والميوعة الفائقة هي حالة من حالات المادة يمكن فيها للسائل أن يتدفق دون احتكاك، ومن المعروف أنها حالة موجودة3،2 في الهيليوم-4 عند درجات حرارة أقل من 2 درجة كلفنينية. وقد سُميت المادة التي افترضها جروس بمادة الصلابة الفائقة. لكن على الرغم من هذه البساطة النظرية، فإن حالة الصلابة الفائقة بمعناها المحض قد استعصى اكتشافها تجريبيًا4. ومؤخرًا، أشار تانزي وزملاؤه5 في بحث منشور بدورية «فيزيكال ريفيو ليترز» Physical Review Letters، وبوتشر وزملاؤه6، وكوماز وزملاؤه7، في بحث منشور بدورية «فيزيكال ريفيو إكس»  Physical Review X، إلى اكتشاف آثار عابرة سريعة الزوال لحالة الصلابة الفائقة في الغازات الكمية لذرات لها عزم مغناطيسي قوي ثنائي القطب.

في مقترح جروس، تُصوّر مادة الصلابة الفائقة على أنها حالة تراكب لسائل واختلاف دوري في الكثافة. وبعبارة أخرى، المادة فائقة الصلابة تتألّف من قطرات سائلة مُكوّنة من ذرات عديدة وتُشكل بنية دورية (الشكل 1). ويمكن وصف كل قطرة بواسطة عدد ذراتها وبواسطة خاصية تُعرف بطور ميكانيكا الكم. وفي المادة فائقة الصلابة -على عكس المواد الصلبة التقليدية- تحتفظ كل قطرة بالطور نفسه. وهذا الثبات على الطور يتطلب تبادل الذرات بين القطرات، ولا يمكن تحقيقه إلا إذا كانت القطرات قريبة بما يكفي من بعضها.

شكل 1| توزيعات الكثافة لثلاث حالات للمادة. أ. السائل الفائق هو مادة يمكنها التدفق دون احتكاك. كثافة السائل الفائق موحدة، باستثناء بعض الاضطرابات الصغيرة (كما هو موضح في اللقطة). ب. أشارت ثلاثة أبحاث5-7إلى أدلة تجريبية على وجود مادة فائقة الصلابة، أي مادة مرتبة في الفراغ بحيث يكون لها خواص السوائل الفائقة. تتألف المادة فائقة الصلابة من قطرات تحتوي على عديد من الذرات المقترنة ببعضها. ج. في هذه التجارب، تتألف المادة الصلبة التقليدية من قطرات معزولة. الألوان من شكل أ إلى ج تُمثل الكثافة الذرية من الأقل (الأزرق الفاتح) إلى الأعلى (الأحمر الداكن).

شكل 1| توزيعات الكثافة لثلاث حالات للمادة. أ. السائل الفائق هو مادة يمكنها التدفق دون احتكاك. كثافة السائل الفائق موحدة، باستثناء بعض الاضطرابات الصغيرة (كما هو موضح في اللقطة). ب. أشارت ثلاثة أبحاث5-7إلى أدلة تجريبية على وجود مادة فائقة الصلابة، أي مادة مرتبة في الفراغ بحيث يكون لها خواص السوائل الفائقة. تتألف المادة فائقة الصلابة من قطرات تحتوي على عديد من الذرات المقترنة ببعضها. ج. في هذه التجارب، تتألف المادة الصلبة التقليدية من قطرات معزولة. الألوان من شكل أ إلى ج تُمثل الكثافة الذرية من الأقل (الأزرق الفاتح) إلى الأعلى (الأحمر الداكن).

كبر الصورة

في الماضي، كان ثمة سعي وراء تحقيق حالة الصلابة الفائقة في الهيليوم-4 الصلب بواسطة مفهوم مختلف ظاهريًّا، وإن كان مكافئًا على المستوى المنهجي للمفهوم الحاليّ8. حسب هذا التصور، تتألف حالة الصلابة الفائقة في أغلبها من مادة بلورية بها عيوب معينة تسمح بتدفق الذرات المجاورة، والتي تتسبب بدورها في حركة الذرات المجاورة لها. وتستمر هذه العملية حتى تكتسب البلورة بأكملها مكونًا سائلًا. وعلى الرغم من الحماس المبدئي للفكرة9،10، فإن حالة الصلابة الفائقة المحضة لم تُرصد في الهيليوم-4 الصلب. غير أنه ثمة ظواهر أخرى ذات صلة وقابلة للقياس في هذه المادة، مثل اللدونة الكمومية11، وثمة أدلة متزايدة على وجود تدفق بلا احتكاك على طول عيوب البلورة من النوع الخطي12، والتي تُسمى «اختلالات التموضع» dislocations، وذلك كما كان علماء الفيزياء النظرية قد اقترحوا سابقًا13.

على مدار العقد الماضي، أدَّت نُظم الذرات الباردة إلى تحوّل التركيز مرة أخرى إلى تصوّر جروس، نظرًا إلى ما تتسم به هذه النظم من قابلية للتحكم وغياب العيوب والشوائب. فعندما تُبرد الذرات إلى درجات حرارة تقترب من صفر كلفنيني، يمكنها تكوين حالة للمادة تُسمى «تكاثف بوز-أينشتاين» Bose-Einstein condensate، والتي تؤدي إلى تدفق بلا احتكاك. ومن ثم فإن صعوبة تكوين مادة صلبة فائقة تكّمن في فرض اختلاف دوري في الكثافة يحدث عن طريق التفاعل الجوهري للذرات في هذه النظم المخففة للغاية. وهذا الفرض يحدث من خلال آلية تسمى «تليين الروتون» roton softening.

والروتون هو الحد الأدنى من طيف عزم الطاقة لحالات استثارة السائل الفائق. وهذا الحد الأدنى يوجد عند عزم قيمته مساوية لمعكوس متوسط المسافة بين الذرات. وعندما تصل طاقة الروتون إلى الصفر، يصبح السائل الفائق غير مستقر، مكونًا بنية لها اختلاف دوري في الكثافة. وهذه البنية قد تكون حالة صلبة فائقة أو حالة صلبة عادية، على سبيل المثال. وعلى النقيض من ذلك، اعتمدت الطرق البديلة لرصد الآثار المميزة لحالة الصلابة الفائقة على اضطرابات خارجية من أشعة الليزر14-16، وليس على الخصائص الجوهرية للنظام.

في التجارب الحالية، استخدم تانزي وآخرون، وبوتشر وآخرون، ذرات الديسبروسيوم-162، في حين استخدم كوماز وآخرون ذرات الديسبروسيوم-164 والإيرِبيوم-166. وجميع هذه الذرات لها هي ذاتها عزوم مغناطيسية قوية ثنائية القطب. وتتسم تفاعلات هذه الذرات أيضًا بأنها تمتلك المكونين المطلوبين نظريًا لحالة الصلابة الفائقة، وهما: مكوّن تنافري قابل للضبط قصير المدى (تلامسي)، ومكوّن تجاذبي بعيد المدى (ثنائي القطب). كان بعض الباحثين المشاركين في دراسة بوتشر وزملائه قد نجحوا في السابق، بالتعاون مع زملائهم، في توليد اختلاف دوري في الكثافة بنظام من ذرات الديسبروسيوم-164 (المرجع 17 و18). إلا أن القطرات في الحالة الناتجة كانت متباعدة أكثر من اللازم عن بعضها، مما أدى إلى فقدان حالة التدفق بلا احتكاك.

ومع ذلك، استنتج العلماء نظريًّا19 أنه -تحت ظروف معينة- ثمة احتمال ضئيل للحفاظ على ثبات الطور في النسبة بين قوة التفاعل ثنائي القطب وقوة التفاعل التلامسي الذي تكون القطرات فيه واقعة على مقربة كافية من بعضها، وعن طريق ضبط مجال مغناطيسي خارجي يغيّر الطريقة التي تتبعثر بها الذرات عندما تتصادم، قلّل الباحثون في الدراسات الحالية قوة التفاعل التلامسي، وهو ما حقق للتجارب الثلاث نظام المعايير المرغوب. ومن ثمَّ أطلق الباحثون الغازات من المصائد التي تكونت بداخلها وسمحوا لموجات المادة المرتبطة بالذرات بالتداخل مع بعضها. وكانت أنماط التداخل الناتجة تحتوي على بنية ذات قمتين، وهي سمة مميزة لحالة الصلابة الفائقة.

وفي التجارب الثلاث جميعًا، كانت القمم ظاهرة عابرة سريعة الزوال بسبب حالات الفقد الثلاثية؛ أي حالات فقد الذرات التي تحدث عندما تشكل أزواج الذرات حالة ترابط جزيئي بمساعدة شريك تصادم ثالث. تراوح عمر خصائص حالة الصلابة الفائقة بين بضع عشرات من المللي ثانية في ذرات الديسبروسيوم-162 والإيرِبيوم-166، إلى 150 مللي ثانية في ذرات الديسبروسيوم-164. وبالنسبة إلى الذرات الأخيرة، كانت قوة التفاعل التلامسي أقل من قوة التفاعل ثنائي القطب. وهذه السمة تجعل من الممكن اتباع بروتوكول تبريد مميز تقنيًا يتفادى حالات الاستثارة والديناميكيات غير المرغوب فيها.

وتتلخّص أوجه قصور الدراسات الحالية في أن كل تجربة تضمَّنت مجموعة صغيرة فحسب من القطرات، إضافة إلى تفاعل معقد بين القطرات والمصائد الممدوة محوريًا (التي تتخذ هيئة السيجار). وينبغي أن تعالج الدراسات المستقبلية هذه المشكلات، وأن تهدف إلى الكشف مباشرة عن ثبات الطور، وأن تدرس حالات استثارة المواد فائقة الصلابة. وثمة دليل آخر مقنع على وجود حالة الصلابة الفائقة يتضمن جعل السائل الفائق يتدفق عبر صلب فائق محتمل، وهو وضع غير ممكن في حالة السوائل العادية والمواد الصلبة التقليدية.

References

  1. Gross, E. P. Phys. Rev. 106, 161–162 (1957). | article
  2. Kapitza, P. Nature 141, 74 (1938). | article
  3. Allen, J. F. & Misener, A. D. Nature 141, 75 (1938). | article
  4. Boninsegni, M. & Prokof’ev, N. V. Rev. Mod. Phys. 84, 759–776 (2012). | article
  5. Tanzi, L. et al. Phys. Rev. Lett. 122, 130405 (2019). | article
  6. Böttcher, F. et al. Phys. Rev. X 9, 011051 (2019). | article
  7. Chomaz, L. et al. Phys. Rev. X 9, 021012 (2019). | article
  8. Andreev, A. F. & Lifshitz, I. M. Sov. Phys. JETP 29, 1107–1113 (1969).  | article
  9. Kim, E. & Chan, M. W. H. Nature 427, 225–227 (2004). | article
  10. Kim, E. & Chan, M. W. H. Science 305, 1941–1944 (2004). | article
  11. Haziot, A. et al. Phys. Rev. Lett. 110, 035301 (2013). | article
  12. Ray, M. W. & Hallock, R. B. Phys. Rev. Lett. 100, 235301 (2008). | article
  13. Boninsegni, M. et al. Phys. Rev. Lett. 99, 035301 (2007). | article
  14. Baumann, K., Guerlin, C., Brennecke, F. & Esslinger, T. Nature 464, 1301–1306 (2010). | article
  15. Léonard, J., Morales, A., Zupancic, P., Esslinger, T. & Donner, T. Nature 543, 87–90 (2017). | article
  16. Li, J.-R. et al. Nature 543, 91–94 (2017). | article
  17. Kadau, H. et al. Nature 530, 194–197 (2016). | article
  18. Wenzel, M., Böttcher, F., Langen, T., Ferrier-Barbut, I. & Pfau, T. Phys. Rev. A 96, 053630 (2017). | article
  19. Roccuzzo, A. M. & Ancilotto, F. Phys. Rev. A 99, 041601 (2019). | article

لود بولت يعمل في كلية الفيزياء بجامعة لودفيج ماكسيميليان في ميونخ، 80333 ميونخ، ألمانيا.

بريد إلكتروني: lode.pollet@physik.uni-muenchen.de