أخبار

نماذج مَخبرية تُحاكي مرحلة حاسمة في تطوُّر الجنين

العلماء يتوصَّلون إلى تصميم بِنى اصطناعية قادرة على تطوير المكونات الأوَّلية للقلب والجهاز العصبي. 

ديفيد سيرانوسكي
  • Published online:
البِنَى المؤلَّفة من الجاسترولُويْدات تحاكي الأطوار المبكرة في تطوُّر الجنين.

البِنَى المؤلَّفة من الجاسترولُويْدات تحاكي الأطوار المبكرة في تطوُّر الجنين.

Credit: Naomi Moris

طوَّر العلماء بِنًى تُشبِه الأجنَّة البشرية، وتُحاكي مرحلة حاسمة وغامضة من مراحل نمو جسم الإنسان.

وتُعَدّ هذه البِنَى -التي اعتُمد في تطويرها على خلايا جذعية يُطلق عليها "الجاسترولُويْدات"- هي الأولى من نوعها التي تُكوِّن تركيبًا ثلاثيَّ الأبعاد يوضِّح كيف ستتشكَّل معالم الجسم. وقد أمكن من خلال خلايا الجاسترولُويْدات تخليق مكوناتٍ أوَّلية للقلب والجهاز العصبي، غير أنَّ هذه الخلايا افتقرت إلى المكونات اللازمة لبناء المخ، وأنواع خلوية أخرى، كان من شأنها أن تُحوِّل تلك المكوِّنات مجتمِعة إلى جنينٍ قابل للحياة.

ويعكف الباحثون حاليًا على تطوير بِنى اصطناعية أكثر تعقيدًا من أي وقتٍ مضى، من أجل دراسة تطور الأجنَّة في المختبرات. وقد جاءت المنهجية الأحدث لتنفيذ هذه البِنَى في دراسةٍ نُشرت في دورية Nature في الحادي عشر من يونيو الجاري. ويمكن لهذه المنهجية أن تسلط الضوء على الأسباب التي تقف وراء حالات الإجهاض واضطرابات النمو المبكرة، مثل أمراض القلب الخِلقية، وكذلك تشقق العمود الفقري (N. Moris et al. Nature http://doi.org/dzhm;2020).

ويرى فو جيانبينج -اختصاصي الهندسة البيولوجية بجامعة ميشيجان في مدينة آن آربر الأمريكية- أنَّ هذا النموذج قد يساعد العلماء على فهم دور العوامل الوراثية والبيئية في حدوث مثل تلك الاضطرابات، قائلًا: "يُتوقع أن يتحقق هذا عن قريب".

ورغم أن هذه البِنَى الاصطناعية تتيح إمكانية تلافي بعض الإشكاليات الأخلاقية المتعلقة بإجراء الأبحاث على الأجنة البشرية، يذهب علماء إلى أنَّه مع تقدُّم تلك البِنَى وتطوُّرها إلى أن تصير شبيهة بالأجنة الحية، فمن المحتمل أن تصطدم -هي الأخرى- بقيودٍ أخلاقية.

مخطَّط أوَّلي للجسم

تمرُّ الأجنَّة البشرية في أسبوعها الثالث بتطوُّر هائل؛ إذ تأخذ كرات الخلايا المتجانسة -إلى حدٍّ كبير- هذه في التمايُز، فتشرع خلاياها المتمايزة في تطوير خصائص معينة لعضو الجسم الذي سوف تتحوَّل إليه، فيما يُعرف بعملية "تكوُّن المُعَيدة". وخلال هذه العملية، يستطيل الجنين، ويُوضع مخطَّط أوَّلي للجسم عبر تحديد نقطتي الرأسٍ، و"الذنَب"، فيما يُطلق عليه غالبًا اسم مخطط "المحور الواصل بين الرأس، والذنب".

لم يسبق للعلماء أن شاهدوا هذه العملية أثناء حدوثها قط. ويرجع ذلك -في جانبٍ منه- إلى أن بلدانًا عديدة لديها تشريعات تحُول دون إنماء الأجنَّة في المختبرات لأغراض بحثية بعد مُضيّ 14 يومًا من حدوث الحَمْل.

وعلى مدار العام المنصرم، أقدَمتْ مجموعات بحثية عدَّة على استزراع بِنًى مؤلَّفةٍ من خلايا جذعية جنينية في المختبرات، لتخدم كنماذج تصوِّر المرحلة التي تبدأ عندها الخلايا في التمايُز. وقد طوَّر النموذج الأحدث من هذه النماذج ناومي موريس، وألفونسو مارتينيز إيرياس، اختصاصيا علم الأحياء النمائي في جامعة كامبريدج بالمملكة المتحدة، بمشاركة زملاءٍ لهما في هولندا. ويُعَد هذا أول نموذج يُظهِر ما يحدُث لدى وضع مخطَّط أوَّلي لتطور الجسم، بعد حوالي 18 إلى 21 يومًا من حدوث الحَمل.

وعن هذا السبْق، يقول لي تيان شينج، اختصاصي علم الأحياء النمائي في معهد طب الرئيسيات التطبيقي في مقاطعة يونَّان الصينية، الذي يجري أيضًا أبحاثًا على البِنى الشبيهة بالأجنة: "سوف تساعدنا هذه النتائج المهمَّة على فهم الآليات الحاسمة لتخطيط جسم الإنسان".

وترى موريس أن النتيجة الأكثر إثارة للاهتمام تمثَّلت في تشكُّل جيوب من الخلايا، تتناثر بشكل متناظر على جانبي المحور الواصل بين الرأس، والذنَب. وأظهر التحليل الجيني أن تلك الخلايا هي التي ستتحوَّل في نهاية المطاف إلى العضلات في الجذع، والفقرات، والقلب، والأعضاء الأخرى.

كما أوضحت موريس أن هذا النموذج الجنيني سوف يساعد العلماء على دراسة كيفية ظهور أنماط الخلايا، والوقوف على ما قد يحدث في هذه العملية من خلل؛ حيث إن الأخطاء فيها تتسبَّب في حدوث العديد من الأمراض، بما في ذلك الانحناء الجانبي في العمود الفقري، الذي يُعرف بمرض الجنف. وأضافت قائلة: "إنه نظام جديد، يفتح الباب أمام طيفٍ عريض من الأسئلة".