أخبار

سَحْب أوراق بحثية حول فيروس كورونا يثير مخاوف بشأن دقة بيانات الأبحاث

اعتمدت عدة دراسات على تحليلات لسجلات صحية مستقاة من شركة رفضت مشاركة بياناتها الأولية للتدقيق بها.

هايدي ليدفورد، وريتشارد فان نوردين 

  • Published online:
عقار »هيدروكسي كلوروكوين« المضاد للملاريا.

عقار »هيدروكسي كلوروكوين« المضاد للملاريا.

NARINDER NANU/AFP/GETTY

بعد أسبوعين من نشر دراسة شهيرة في دورية «ذا لانسيت»1The Lancet، أفادت بأن عقار «هيدروكسي كلوروكوين» hydroxychloroquine المضاد للملاريا قد يشكِّل خطرًا على الأشخاص المصابين بمرض «كوفيد-19» COVID-19، قرر ثلاثة من مؤلفي الدراسة الأربعة سَحْبها، لأنهم لم يتمكنوا من إجراء تحقيق مستقل يستوثق من صحة مجموعة بياناتهم، التي تمثلت في مجموعة ضخمة من السجلات الصحية الإلكترونية الخاصة، اضطلعت بتحليل بياناتها شركة «سيرجيسفير» Surgisphere الأمريكية.

وفي اليوم نفسه، في الرابع من يونيو الماضي، سَحَب الباحثون والمؤلفون الآخرون المشاركون في الدراسة نفسها ورقة بحثية أخرى2 نُشرت في دورية «نيو إنجلاند جورنال أوف مديسين» New England Journal of Medicine للسبب نفسه. وقد نظرت هذه الورقة البحثية الأخيرة -التي نُشرت قبل ذلك بشهر- في تأثير بعض أدوية القلب على الأشخاص الذين يعانون من مرض «كوفيد-19»، ولم تخلص إلى وجود أي مخاوف تتعلق بأمان هذه الأدوية.

ويقول العلماء إن هذه القضية تثير تساؤلات جادة حول الكيفية التي يقيِّم بها الباحثون ومسؤولو الدوريات العلمية البيانات الأساسية التي تعتمد عليها الأوراق البحثية التي ينشرونها، وقد تُعَقِّد الجهود المبذولة لتجربة الأدوية أثناء جائحة فيروس كورونا. ويعقِّب إيان كيريدج -اختصاصي أخلاقيات علم الأحياء من جامعة سيدني بأستراليا- على هذه القضية قائلًا: "هذه الواقعة برمّتها كارثية، فهي تخلق إشكالية للدوريات التي كانت طرفًا فيها، وإشكالية ترتبط بنزاهة العلم، وإشكالية للطب، وإشكالية ترتبط بمفهوم التجارب الإكلينيكية وبناء الأدلة".

اعتمدت كلتا الورقتين البحثيتين على تحليل بيانات خاصة من سجلات صحية إلكترونية لعشرات الآلاف من الأشخاص، جَمَعَتها على ما يبدو شركة «سيرجيسفير»، الواقع مقرها في شيكاجو بولاية إلينوي الأمريكية، من مئات المستشفيات حول العالم. لكنْ حتى بعد أن أثار النقاد أسئلة حول الدراستين، لم تُتِح الشركة بياناتها الأولية لمدققين خارجيين؛ للتحقق من صحتها. وأفادت دورية «ذا لانسيت» في إشعار سَحْب دراستها بأن شركة «سيرجيسفير» أبدت قلقًا من أنْ يؤدي نقل هذه البيانات إلى خرق "اتفاقيات مع عملاء، وشروط متعلقة بالسرية".

 وفي ذلك الصدد، قال مانديب ميهرا، المؤلف الرئيس لكلتا الدراستين، وطبيب القلب في مستشفى بريجهام آند ويمين في بوسطن بولاية ماساتشوستس: "بما أننا لا نملك القدرة على التحقق من البيانات الأولية، أو المصدر الأساسي للبيانات، لم يعد لديَّ ثقة في مصدر البيانات، ولا في صحتها، ولا النتائج التي أفضت إليها".

ورفض سابان ديساي -مؤسس شركة «سيرجيسفير»، وأحد المؤلفين المشاركين في الدراستين- الإدلاء بتعليق لدورية Nature فيما يخص سَحْبهما، والمخاوف التي أحاطت بجودة البيانات التي اعتمدتا عليها.

ومن الجدير بالذكر أنه بعد نشر دراسة دورية «ذا لانسيت»، أوقفت جهات رقابية -بشكل مؤقت-التحاق مرضى جدد بالتجارب الإكلينيكية التي تتناول استخدام عقار «هيدروكسي كلوروكين» كعلاج لمرض «كوفيد-19». وقد حظي هذا الدواء رخيص التكلفة، الذي يسهل إعطاؤه للمرضى، بتأييد واسع خلال الجائحة، على الرغم من ضعف الأدلة المتوفرة على فعاليته، بيد أنه أعيد استئناف العمل على بعض هذه التجارب، التي منها واحدة تشرف عليها منظمة الصحة العالمية.

واختفت دراسة ثالثة، من تأليف ديساي وميهرا وآخرين، بَعْد نشْرها في إبريل الماضي، من على خادم نشر المسودات البحثية الخاص بشبكة أبحاث العلوم الاجتماعية، المعروفة اختصاراً بـ (SSRN). وقد استخدمت هذه الدراسة المعطيات التي قدَّمَتها شركة «سيرجيسفير»، وخلصت إلى حدوث انخفاض كبير في معدل الوفيات بمرض «كوفيد-19» عندما أُعطي المرضى عقار «إيفرمكتين» ivermectin المضاد للطفيليات. وصرح ميهرا لدورية Nature بأنه سَحَب الدراسة لأنه لم يشعر "بأنها جاهزة للخضوع لمراجعة الأقران". ورغم أن الدراسة لم تُنشر في دورية تخضع لمراجعة الأقران، إلا أنها أسهمت في زيادة الإقبال على استخدام العقار في أمريكا الجنوبية، على حد قول كارلوس شكور، الباحث بمعهد برشلونة للصحة العالمية في إسبانيا، الذي يشرف على تجربة إكلينيكية على العقار، والذي طرح تساؤلات حول البيانات التي استندت إليها تلك المسودة البحثية.

ويخشى الباحثون الذين يُجْرون تجارب إكلينيكية على عقار «هيدروكسي كلوروكوين» مِن أنْ تُصعِّب نتائج دراسة دورية «ذا لانسيت» إتمام أبحاثهم، على الرغم من سَحْب هذه الدراسة. ويعلل لذلك ديفيد سميث، اختصاصي الأمراض المُعدية، من جامعة كاليفورنيا في سان دييجو، الذي يساعد في إجراء تجربة على العقار لدى أشخاص مصابين بمرض «كوفيد-19» ممن لم يُودَعوا مستشفى، إذ يقول: "ببساطة.. نسمع أن الناس غير مهتمين بعقار هيدروكسي كلوروكين".

ويأتي معظم البيانات عن عقار «هيدروكسي كلوروكوين» وتأثيره على المصابين بمرض «كوفيد-19» من دراسات مخبرية، أو تجارب إكلينيكية صغيرة النطاق. ومع ذلك.. ففي الخامس من يونيو، أعلن باحثون قائمون على تجربة عشوائية كبيرة في المملكة المتحدة، تُسمى «ريكوفري» RECOVERY، أن بياناتهم عن أكثر من 4600 شخص ممن أُودعوا مستشفيات أشارت إلى أن «هيدروكسي كلوروكين» لم يقلل خطر الوفاة بالمرض، وأنهم قرروا وقْف الجزء المتعلق بهذا الدواء في التجربة.

وفي ذلك الصدد.. يقول سميث إن نشر الدراسات التي تَستخدِم مجموعات كبيرة من البيانات، دون إخضاع بياناتها الأولية لتدقيق خارجي، ليس بالأمر غير المألوف، لكنّ هذا الاستثناء يحدث عندما يُتوقع أن يكون للورقة البحثية تأثير كبير للغاية. ويضيف قائلًا إنه لم تُجْرَ -على ما يبدو- مراجعة دقيقة في دراسة دورية «ذا لانسيت»، ويفسر ذلك بقوله: "نحن في حاجة ماسّة إلى المعرفة، ولذا.. قد نتخطى بعضًا مما ثبتت فعاليته من جوانب التدقيق في صحة التجارب".

تأثير إيفرمكتين

إنّ المسودة البحثية التي أُشير إليها آنفًا عن عقار «إيفرمكتين» قد يمتد عمرها إلى فترة أطول. يقول شكور إن حكومة دولة بيرو أدرجت العقار ضمن إرشادات العلاج على المستوى الوطني بعد أيام قليلة من استشهاد تقرير معتمَد بالمسودة. وبعد أسبوع من ذلك، أضافت دولة بوليفيا عقار »إيفرمكتين« إلى إرشادات علاج «كوفيد-19» الخاصة بها، مستشهدة بالوضع في بيرو.

ويقول شكور إن الناس يراسلونه بانتظام، لأنه ألقى محاضرة عن عقار »إيفرمكتين« في أكاديمية بيرو للعلوم، قائلين إن أحد أفراد أسرتهم مصاب بمرض«كوفيد-19» وإن بإمكانهم الحصول على تراكيب دوائية من «إيفرمكتين» مُعدَّة للاستخدام البيطري، وليس للاستخدام في البشر. يقول: "يرسلون إليَّ صورة تركيبة دوائية بيطرية، ويسألونني: هلا تتفضل بأن تصف لنا الجرعة التي يجب علينا أن نستخدمها؟". ويضيف أن "العقار متاح على نطاق واسع، وإنّ الناس أصابهم اليأس إلى حد كبير، وهذا يمكن أن يؤدي إلى سوء استخدام العقار".

ويقول شكور إنه لا توجد آلية لسَحب هذه المسودة البحثية؛ للحد من انتشارها على نطاق واسع، نظرًا إلى أنها لم تُنشر في دورية. ويتابع كلامه قائلًا: "من سيسحب شبح «إيفرمكتين» من أمريكا الجنوبية؟.. لا توجد دورية بارزة تقول إن خطأ قد وقع".

References

  1. Mehra, M. R., Desai, S. S., Ruschitzka, F. & Patel, A. N. Lancet https://doi.org/10.1016/S0140-6736(20)31180-6(2020). | article
  2. Mehra, M. R., Desai, S. S., Kuy S., Henry, T. D. & Patel, A. N.N. Engl. J. Med. https://10.1056/NEJMoa2007621 (2020). | article