افتتاحيات

إطلاق "سبيس إكس" يعزز مكانة محطة الفضاء الدولية

تعاوُن ناجح بين كل من وكالة «ناسا»، وشركة «سبيس إكس»، ومؤسس الشركة إيلون ماسك.. ينقصه الإقرار بالطبيعة العالمية لاستكشاف الفضاء وأبحاثه.

  • Published online:

في الثلاثين من مايو الماضي، تعلَّقت أنظار عشرات الملايين من المولعين بالفضاء بشاشات بث إطلاق كبسولة الفضاء «دراجون» Dragon، التابعة لشركة «سبيس إكس» SpaceX، أثناء شق الكبسولة لعنان سماء «قاعدة كيب كانافيرال الجوية»، بولاية فلوريدا، على متن صاروخ من طراز «فالكون 9» Falcon 9. وفي اليوم التالي، عندما التحمت الكبسولة بمحطة الفضاء الدولية (ISS) على ارتفاع حوالي 422 كيلومترًا فوق حدود الصين مع منغوليا، دخل روبرت بينكن، ودوجلاس هيرلي التاريخ، باعتبارهما أول رائدَي فضاء يصلان إلى مدار الأرض على متن مركبة فضاء تجارية.

 وإذا كان هذا الحدث، الذي استغرق الاستعداد له عشر سنوات، يُعَدّ -بلا شك- إنجازًا يُحسب لوكالة «ناسا»، ولشركة «سبيس إكس» وصواريخها القابلة لإعادة الاستخدام؛ فإنه يمثل كذلك دَفعة لعلوم وابتكارات الفضاء، ويعزز -بصفة خاصة- قيمة التعاون الدولي في مجال أبحاث وتكنولوجيا الفضاء، وهي قيمة لا تبلى بمضي الزمن. وهذا الجانب من هذا الإنجاز ينبغي أن يحظى -وسط هذه الأجواء الاحتفالية- بدرجةٍ أعلى من الاهتمام.. فبالنسبة إلى «ناسا»، تعني هذه الرحلة الفضائية -فيما تعني- توفيرًا للتكاليف.

ومنذ أن أنهت الوكالة خدمة مركبة «سبيس شاتل» Space Shuttle في عام 2011، لجأت إلى روسيا، لنقل طواقمها إلى محطة الفضاء الدولية على متن المركبة «سويوز» Soyuz، لقاءَ مبلغٍ من المال، وصل إلى 90 مليون دولار أمريكي عن الفرد الواحد. أما تكلفة حجز مقعد على متن كبسولة الفضاء الخاصة بشركة «سبيس إكس»، فتبلغ حوالي ثلثي تلك التكلفة؛ وهو ما يعني أن وكالة «ناسا» سوف يكون بإمكانها توجيه الموارد المالية التي وفَّرتها إلى الإنفاق على أولوياتها الأخرى، التي تتضمن مشروعًا طموحًا لإعادة رواد فضاء إلى القمر بحلول عام 2024.

من جهة أخرى، تعزِّز هذه الرحلة أيضًا مكانة شركة «سبيس إكس»، التي تحولت في غضون 18 عامًا من شركة ناشئة إلى أحد أبرز اللاعبين في مجال تكنولوجيا الفضاء. والحقُّ أن التعاون بين الشركات الخاصة ووكالات الفضاء الوطنية يمتدّ إلى مرحلة مبكرة من عصر الفضاء؛ إذ من المعروف أن شركة «جرومان» Grumman (التي تُعرف الآن بشركة «نورثروب جرومان» Northrop Grumman) هي التي صممت ونفَّذت الوحدة القمرية التي حملت طاقم برنامج «أبوللو» Apollo إلى سطح القمر. وثمَّة شركات أخرى أرسلت رحلات مأهولة إلى الفضاء في أوقات لاحقة. على سبيل المثال، نجحت شركة «فيرجين جالاكتيك» Virgin Galactic، التي أسسها رائد الأعمال ريتشارد برانسون، في إطلاق رحلات لم تبلغ مدار الأرض. وتعتزم الشركة طرح رحلات قصيرة للراغبين في معايشة تجربة انعدام الجاذبية لبضع دقائق، قبل العودة مجدَّدًا إلى الأرض، غير أنَّ شركة «سبيس إكس» قد نجحت في تحقيق الهدف الأكثر طموحًا؛ وهو إطلاق رحلة مأهولة إلى المدار الفضائي للأرض مباشرة.

وقد نجحت «سبيس إكس» في تحقيق هذا الإنجاز بفضل سرعتها في التنفيذ، والبراعة الاستثنائية التي يتمتع بها مهندسوها ومصممو منتجاتها، وعزيمة مؤسسها إيلون ماسك. وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى أن ماسك -الذي لطالما كان مثار جدل- أسهم في إحداث ثورة في صناعتين راسختين؛ أولًا، بوصفه أحد روَّاد أنظمة الدفع عبر الإنترنت، على غرار موقع «باي بال» PayPal، ولاحقًا، بوصفه المدير التنفيذي لشركة «تيسلا» Tesla المصنِّعة للسيارات الكهربائية. ومع ذلك، فعندما أعلن عن عزمه خوض مجال تكنولوجيا الفضاء، لينافس شركات أكبر وأكثر رسوخًا في هذا المجال، لم يتوقع الكثيرون أنه سيُحرِز نجاحًا مماثلًا. ولعلَّ الابتكار الأهم لشركة «سبيس إكس» يكمُن في تصميم الصاروخ «فالكون» على نحوٍ يجعله قابلًا لإعادة الاستخدام بعد الإطلاق. فبمجرد طرح الصاروخ لحمولته، يعود إلى الأرض، ويهبط هبوطًا رأسيًّا، بخلاف الطريقة المعهودة في هبوط الصواريخ الأخرى.

صحيحٌ أن الاهتمام مُنْصَبّ -ولأسباب مفهومة- على عمليتي الإطلاق، والالتحام، لكن لا ينبغي أن نغفل السبب الذي من أجله أطلقت «سبيس إكس» رحلتها إلى محطة الفضاء الدولية؛ وهو أن مهمة رائدي الفضاء -في نهاية المطاف- هي خدمة العلم، والتعاون الدولي في البحث العلمي، إذ سيشارك بنكين وهيرلي في تثبيت منصة معدات جديدة، تسمَّى «بارتولوميو» Bartolomeo، صممتها وكالة الفضاء الأوروبية بالتعاون مع شركة «إير باص» Airbus، بهدف تمكين محطة الفضاء الدولية من استضافة المزيد من التجارب العلمية التي تُجريها فِرَق من جميع أنحاء العالم.

 وعندما تلتفت جميع الأنظار إلى عملية إطلاق ضخمة كهذه، تحظى منجزات البحث العلمي بالكاد بالاهتمام. ففي وقتٍ سابق من هذا العام، نجحت رائدتا الفضاء كريستينا كوك، وجيسيكا ماير -من وكالة «ناسا»- في إجراء تحديث صعب لتجربة فيزيائية مهمة داخل المحطة، وهي تجربة «مختبر الذَّرة الباردة» Cold Atom Laboratory؛ حيث قامتا في ظل انعدام الجاذبية بما قد يشُق على الفيزيائيين القيام به على الأرض. وإضافةً إلى ذلك.. أعلن «برنامج الأبحاث البشرية» التابع للوكالة -خلال الشهر الماضي- أنه يعتزم تسيير رحلات طويلة إلى محطة الفضاء الدولية، مصمَّمة لمحاكاة تأثير السفر إلى المريخ على الجسم البشري.

مسعى عالمي

 مما يدعو إلى الأسف أن المتابِعين لأحداث الأسبوع الأخير من شهر مايو لم يتسنَّ لهم سماع -أو مشاهدة- الكثير بشأن الإسهامات البحثية لمحطة الفضاء الدولية، كما لم يتنام إلى علمهم أن المحطة قد استقبلت رواد فضاء من 19 دولة، من بينها: ماليزيا، والإمارات العربية المتحدة، وكازاخستان، لكنهم شاهدوا ترويج كلٍّ من شركة «سبيس إكس»، ووكالة «ناسا» للوسم «#LaunchAmerica» عبر شبكات التواصل الاجتماعي، واستمعوا إلى تصريح جيم برايدنستاين، مدير الوكالة، الذي قال فيه: "لقد مرت تسع سنوات منذ آخِر مرةٍ أطلقنا فيها مهمة تحمل رواد فضاء أمريكيين، على متن صاروخ أمريكي، من الأراضي الأمريكية".

ويصاحب عادةً البعثات الفضائية الجديدة -بغض النظر عن الدولة التي تنطلق منها- استعراض مكثف للشعارات الوطنية، بيد أنَّ الاعتراف بالإسهامات التي قدمتها الدول الأخرى، ومن بينها روسيا، التي اضطلعت -بكفاءة- بنقل رواد الفضاء إلى محطة الفضاء الدولية طوال تلك المدة، كان من شأنه أن يكون أعظم أثرًا، وأدعَى إلى ارتفاع الروح المعنوية.

 ومنذ أن دارَ يوري جاجارين حول الأرض في عام 1961، مرورًا بالهبوط على سطح القمر في عام 1969، كان الفضاء دومًا ساحة لمنافسة شرسة بين القوى العظمى. ومنذ ذلك الحين، نزل إلى الساحة لاعبون جدد، أبرزهم الصين، غير أنَّ تلك المنافَسة لم تمنع الدول من التعاون في مجال أبحاث الفضاء؛ وهو أمر خليق بالتقدير، والاحتفاء به.

والفرصة مواتية لتحقيق هذا التعاوُن؛ فشركة «سبيس إكس» تعتزم إطلاق رحلتها التالية إلى محطة الفضاء الدولية قريبًا، في أغسطس المقبل. وعلى برايدنستاين وماسك أن يتخذا من تلك المهمة الفضائية القادمة فرصةً سانحة؛ لإظهار كيف أن استكشاف الفضاء وأبحاثه هما مسعى عالمي. كما يجب عليهما –على أقل تقدير– أن يبتكرا وسمًا جديدًا، يجد صدى في نفوس الملايين حول العالم ممن تابعوا بانبهارٍ الإطلاق الذي جرى في الأسبوع الأخير من مايو.. وسمًا يحث هؤلاء الملايين على الانضمام إلى الجيل الجديد من الباحثين، والمهندسين، ورواد الفضاء.