أخبار

ماذا يعني خروج الولايات المتحدة من منظمة الصحة العالمية؟

يتوقع الخبراء أن تتولد مشكلات من جرّاء إقدام الرئيس الأمريكي على إنهاء علاقة بلاده بالمنظمة.

إيمي ماكسمِن
  • Published online:
المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، تيدروس أدهانوم جيبريسوس.

المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، تيدروس أدهانوم جيبريسوس. 

Fabrice Coffrini/AFP via Getty

أصاب الذهول خبراء السياسة الصحية العالمية لدى إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب -في التاسع والعشرين من مايو الماضي- أنه بصدد "إنهاء" علاقة بلاده بمنظمة الصحة العالمية.

جاء هذا الإعلان على خلفية تصاعُد حدَّة الاتهامات التي أطلقها الرئيس الأمريكي في الآونة الأخيرة في حق المنظمة. فقبل ذلك بعشرة أيام، أرسل الرئيس خطابًا شديد اللهجة إلى المدير العام للمنظمة، تيدروس أدهانوم جيبريسوس، هدَّد فيه بوقف تمويل المنظمة تمامًا وبشكل دائم، والانسحاب منها، إذا لم تُظهِر الأخيرة "استقلالها عن الصين" في غضون 30 يومًا. وعلى أثر ذلك، يتوقع قادة المنظمة، وآخرون، أن تكون لهذا الانسحاب تبِعات، قد يكون من بينها تجدُّد انتشار شلل الأطفال والملاريا، وصولًا إلى وضع عوائق تحدّ من تدفق المعلومات المتصلة بمرض «كوفيد–19» COVID-19. ويمكن، كذلك، أن تتضرر التحالفات العلمية في جميع أنحاء العالم، وأن تفقد الولايات المتحدة تأثيرها على مبادرات الصحة العالمية. وفي معرض تعليقها على قرار الانسحاب، قالت كيلي لي، باحثة السياسات الصحية العالمية في جامعة سايمون فريزر، الواقعة في مدينة برنابي الكندية، إن "هذا الانسحاب سيكون ضارًّا".

كما أن المقترحات الداعية إلى إطلاق مبادرات جديدة تحت قيادة الولايات المتحدة، بغرض دعم جهود التصدي للجائحة في الخارج، لا تُغْنِي كثيرًا في تهدئة مخاوف الباحثين، الذين يرون أن مثل هذه المبادرات من شأنها تعقيد الاستجابة العالمية للجائحة، ولقضايا الصحة العالمية بوجه عام. تقول ريبيكا كاتز، مديرة مركز علوم الصحة العالمية والأمن بجامعة جورجتاون في واشنطن العاصمة: "إنه لمن غير الواقعي أن تكون هذه المسألة مطروحة للنقاش من الأصل؛ إذ من الصعب جدًّا استيعاب ما لها من تداعيات هائلة".

يأتي هذا الشرخ في العلاقات بين الولايات المتحدة والمنظمة في توقيت حرِج، العالَم فيه أحوَج ما يكون إلى الاصطفاف وتنسيق الجهود؛ من أجل مجابهة فيروس كورونا. وتعلِّق كاتز على ذلك قائلة: "لقد شبَّه البعض موقفنا في هذه الجائحة بمَن يصنع طائرة أثناء الطيران. وهذا المقترح أقرب إلى عملية نزع نوافذ الطائرة، بينما هي مُحلِّقة في الهواء".

رصيد كبير.. ودَين مستحَق

إنّ ترامب غير مضطر للحصول على موافقة الكونجرس لحَجْب التمويل عن منظمة الصحة العالمية، كما لم يتضح بعدُ ما إذا كان سيحتاج إلى الحصول على مثل هذه الموافقة للانسحاب من المنظمة، أم لا. وتجدر الإشارة إلى أن الحكومة الأمريكية كانت قد منحت المنظمة، خلال العام الماضي، ما يقرب من 450 مليون دولار. وتغطي الولايات المتحدة 27% من ميزانية المنظمة المخصصة للقضاء على شلل الأطفال، و19% من ميزانيتها الموجَّهة إلى مكافحة أمراض الدرن، وفيروس نقص المناعة البشرية، والملاريا، وكذلك الأمراض التي يمكن الوقاية منها باللقاحات، مثل الحصبة، إضافةً إلى 23% من ميزانية المنظمة المخصصة للإنفاق على العمليات الصحية الطارئة. وإذا تقلَّصت هذه المبادرات، فحسبما يرى باحثون، سوف يؤدي ذلك إلى ارتفاع أعداد الوفيات، وتفاقم معاناة المرضى. ويقول ديفيد هيمان -اختصاصي الأوبئة في كلية لندن للصحة العامة وطب المناطق الحارة- إن هذا الانسحاب يرقى أيضًا إلى حد تبديد الولايات المتحدة لاستثماراتها، لاسيَّما في مجال مكافحة مرض شلل الأطفال. ويضيف أن المكاسب التي تحققت من خلال حملات التطعيم –وهي حملات تكلفت مئات الملايين من الدولارات– سوف تذهب أدراجَ الرياح.

مبادرات جديدة

يقول ترامب إن الحكومة الأمريكية سوف تواصل تمويل مبادرات الصحة العالمية من خلال فرق الإغاثة، والجهات التابعة لها. ويشير تشريع مقترح إلى أن الحكومة قد تكون بصدد البحث عن طرق بديلة لتمويل هذه المبادرات. فقد أفادت منصة «ديفيكس» Devex -وهي منصة إلكترونية تركز على التنمية العالمية- أن وزارة الخارجية الأمريكية عاكفة على تعميم مقترَح بإطلاق مبادرة بقيمة 2.5 مليار دولار، للإشراف على جهود التصدي للجائحة على المستويين؛ المحلي، والدولي. وفي أواخر شهر مايو الماضي، قُدِّم مشروع قانون مقترح -حصلت دورية Nature على نسخة منه- يُعرف بـ«قانون الأمن الصحي العالمي والدبلوماسية لعام 2020» إلى مجلس الشيوخ. وهو يخصص 3 مليارات دولار لتدشين مبادرة عالمية تهدف إلى احتواء الأوبئة داخليًّا وخارجيًّا، يشرف عليها شخص مكلَّف من الرئيس، يختاره من وزارة الخارجية.

وفي هذا الصدد.. ذكرت أماندا جلاسمان –وهي زميلة أولى في «مركز التنمية العالمية»، مركز الأبحاث الكائن في واشنطن العاصمة– أنها وزملاءها يرحبون بأية مساع تبذلها الولايات المتحدة في سبيل مكافحة الأوبئة حول العالم. ومع ذلك فهي لا تتوقع أن تكون مثل هذه الجهود الموازية فعالة بما يكفي، ما لم تترافق مع منظمة صحة عالمية قوية؛ حيث إنّ بناء تحالُفات مع الدول يستغرق سنوات، كما إن منظمة الصحة العالمية تعمل في بعض المناطق التي لا تعمل فيها الولايات المتحدة. وتتفق معها كيلي لي، فتقول: "لا يمكنك أن تظهر فجأةً في أفغانستان، وتبدأ في تطعيم الناس هناك".

وبدورها، تقول سويري مون -الباحثة في مجال الصحة العالمية بالمعهد العالي للدراسات الدولية والإنمائية في جنيف بسويسرا- إن "الولايات المتحدة تعتمد على المؤسسات الدولية متعددة الأطراف في التعامل مع البلدان التي لا تكاد تربطها بها علاقات دبلوماسية".

وحتى في البلدان التي أدارت فيها الولايات المتحدة برامج لمكافحة فيروس نقص المناعة البشرية، والملاريا، وغيرهما من المشكلات الصحية، يبقى لمنظمة الصحة العالمية دور في تنسيق الجهود هناك. ومن ثم، فإذا ما وقع خلاف بين المنظمة والباحثين العاملين بالوكالات التابعة للولايات المتحدة، فقد يؤدي ذلك إلى إضعاف التعاون الممتد بين الطرفين. أضِف إلى ذلك أن المنظمة تضم حوالي 180 أمريكيًّا، من اختصاصيي الأوبئة، ومتخصصين في السياسة الصحية، وموظفين يشغلون وظائف أخرى، فضلًا عن عشرات الأمريكيين الملتحقين بالمنظمة كباحثين زائرين ومتدربين.

ويقول باحثون إن المنظمة سوف تتخطى أزمة تجميد التمويل الأمريكي على المدى القصير، لأن جهات مانحة أخرى ستمد يد العون. فعلى سبيل المثال، تعهّد الرئيس الصيني، شي جين بينج، برصد مليارَي دولار أمريكي للتصدي لفيروس كورونا.

وبمرور الوقت، قد تفقد الولايات المتحدة ما لها من تأثير بالخارج. ومن المفارقة أن هذا تحديدًا هو ما تشكو منه إدارة ترامب، حيث تقول لي: "إذا أقدمَتْ الولايات المتحدة على الانسحاب، مخلِّفة وراءها فراغًا، فإن دولًا أخرى -مثل الصين- سوف تملأ هذا الفراغ". وتضيف: "سوف نكون بإزاء نبوءة تتحقق من تلقاء نفسها".