افتتاحيات

إنجازٌ في علم الجينات البشرية يُبرِز فجوةً في تمثيل المجموعات السكانية

تمكنت دراسةٌ مهمة من تحديد الجينات التي يبدو أنَّ البشر يستطيعون العيش بدونها، وأيضًا تلك التي لا يمكنهم الاستغناء عنها، لكن ما زالت هناك حاجة إلى زيادة مدى تمثيل تلك البيانات للمجموعات السكانية البشرية على اختلاف أطيافها.

  • Published online:

منذ أن وقف الراهب جريجور مِندل -في القرن التاسع عشر- يُمعِن النظر في نباتات البازلاء في حديقته، ويتساءل عن سبب وجود أزهارٍ بيضاء في بعضها، أو بذورٍ متجعدةٍ في أخرى، أصبح من تقاليد عِلم البيولوجيا ملاحظة ما يطرأ من شذوذٍ عند تغيُّر تسلسلات الأحماض النووية، سواءٌ حدث هذا التغيُّر بصورةٍ طبيعية، أم من خلال تدخلاتٍ بشرية.

ورغم أنَّ علماء الجينات أصبحوا قادرين -منذ مدةٍ طويلة- على إحداث طفراتٍ جينية في الأحماض النووية للنماذج الأحيائية، مثل ذباب الفاكهة، باستخدام الأشعة السينية والكيمياويات في بادئ الأمر، وحاليًّا من خلال أدوات التحرير الجيني الأكثر تعقيدًا، إلا أن الأدوات المتاحة لتحقيق ذلك في البشر أقل عددًا. ولا شك أنه لا يمكن للباحثين إحداث طفراتٍ جينية في الأحماض النووية للبشر عمدًا، وهو ما يضطرهم -بدلًا من ذلك- إلى استخدام ما توفره الطبيعة. من هنا، يمشطون جينومات البشر، بحثًا عن الاختلافات في تسلسلات الأحماض النووية، ويستخدمون الأدوات الإحصائية، لتحديد ما إذا كانت هذه الاختلافات تسهم في سمات البشر، والأمراض التي تصيبهم، أم لا. ومع انخفاض كلفة تقنيات تحديد التسلسلات الجينومية، وزيادة سرعتها، أصبحت تلك الدراسات أضخم وأكثر تعقيدًا.

وقد نَشَرت مؤخرًا ثلاثُ دورياتٍ من مجموعة دوريات Nature نتائج أحدث مشروعٍ في هذا الصدد. وهو دراسة لمجموعةٍ ضخمة من الجينومات الكاملة والإكسومات (الأجزاء المرمِّزة للبروتينات في الجينوم)، تضمنت 125,748 إكسومًا، و15,708 جينومات كاملة (انظر: go.nature.com/2zgfxr2). وهذه الدراسة، التي تُعَد أكثر التحليلات المتاحة للجمهور شمولًا حتى الآن، تسلِّط الضوء على الجينات الضرورية لحياة الإنسان، وتلك التي ربما قد يستطيع أن يعيش دونها. وقد جُمعت نتائجها في قاعدة بيانات تجميع الجينوم (gnomAD)، وستساعد تلك النتائج الباحثين على فهم جذور الاضطرابات الجينية على نحوٍ أفضل، والوصول في النهاية إلى أفضل الطرقٍ لعلاجها. وصحيحٌ أنَّ فكرة قدرة الطفرات على تعطيل الجينات ليست بالجديدة تمامًا، لكنَّ هذه الدراسة تضيف عناصر جديدة إلى قائمة الطفرات التي يمكنها أن تعطِّل وظائف الجينات، دون أن تسبب ضررًا واضحًا للإنسان، وهي قائمة تتسم بطولها المذهل. وحددت الدراسة أيضًا عددًا كبيرًا من الجينات المُرجَّح أن تكون ضروريةً للحياة، لأنَّ تلك الجينات لدى البشر نادرًا ما تحتوي على طفراتٍ حادة يُتوقع أن تتسبب في فقدان وظائف بروتيناتها.

وأتاح نطاق الدراسة الواسع لواضعيها ابتكار مقياسٍ لمدى تحمُّل كل جينٍ لهذه الطفرات المعطلة لوظائف البروتينات. وهذه أداةٌ مفيدة، يمكن بها دراسة وظائف الجينات المعروفة، وأيضًا تلك التي اكتُشفت مؤخرًا، لتحديد الطفرات التي من الممكن أن تسبب أمراضًا للبشر، واكتشاف أهدافٍ جديدة للعقاقير في الجينوم البشري.

وأحد الأمثلة على ذلك يتجلى في تقييم الفريق البحثي لجين LRRK2، الذي ثبت إسهامه في الإصابة بمرض باركنسون (N. Whiffin et al. Nature Med. https://doi.org/10.1038/s41591-020-0893-5; 2020)، إذ ربطت دراساتٌ سابقة تغيرات الحمض النووي التي تزيد من نشاط بروتين LRRK2 بارتفاع خطر الإصابة بهذا المرض، وهو ما دفع العلماء إلى اعتقاد أنَّه قد يكون من المفيد استخدام دواءٍ ما لتعطيل هذا الجين، لكن نظرًا إلى أنَّه يُعَد من الجينات النشطة في الدماغ وأنسجةٍ أخرى، فهل ينطوي تعطيله على مخاطر؟ تبيَّن لباحثي المشروع، بفحص الجينومات والإكسومات، البالغ مجموعها 140 ألفًا في قاعدة بياناته، أنَّ عددًا كبيرًا من التغيرات التي تعطل ذلك الجين توجد بصورةٍ طبيعية في تسلسلات الأحماض النووية. ويشير ذلك -على الأقل من الناحية النظرية- إلى أنَّ الأدوية التي تحاكي هذا التأثير ربما لا تكون ضارةً للإنسان.

تتطلب الإجابة على مثل هذه الأسئلة عددًا ضخمًا من العينات. ويرجع ذلك -في جزء منه- إلى أنَّ التغيرات في تسلسلات الأحماض النووية التي تمحو وظيفة أي جينٍ مهم تتسم -على الأرجح- بنُدْرتها. وهذا يعني أنَّه كلما استطاع العلماء تحليل مزيدٍ من الجينومات، سيتمكنون من العثور على عددٍ أكبر من التغيرات، وستزداد قدرتهم على كشف الآثار السلبية لكل منها، لكنَّ المشروعات المماثلة تحتاج أيضًا إلى تنوُّعٍ أكبر في المشاركين فيها مما اتسمت به حتى الآن.

ففي دراسات ذلك المشروع الأخير، تبرَّع بحوالي نصف العينات أشخاصٌ من أصولٍ أوروبية. ورغم أنَّ تلك النسبة تُعَد أفضل منها في الدراسات السابقة، فإن المشروع لم يتضمن تقريبًا أي أشخاصٍ من مناطق بعينها، مثل آسيا الوسطى، وأوقيانوسيا، والشرق الأوسط، ومعظم أفريقيا. ويعني هذا أنَّ الباحثين -على الأرجح- يفوتهم رصد تغيراتٍ مهمة لفهْم وظائف الجينات، واحتمالية الإصابة بالأمراض في هذه المناطق. وهذه مشكلةٌ يقرّ بها أعضاء الاتحاد البحثي القائم على المشروع، لكنَّ التقدم في حلها يتسم بالبطء. وينبغي على الباحثين والممولين تحفيز مثل هذه الدراسات، لضمان استمرارها في التوسع.

إن قاعدة بيانات تجميع الجينوم التي أنتجها المشروع هي موردٌ ممتاز. وقد كان استعداد المشاركين فيه للإسهام عاملًا شديد الأهمية لنجاحه، وكذلك كان استعداد الباحثين لمشاركة بياناتهم. ومن المرتقب التوصل إلى مزيدٍ من المعلومات المهمة من خلال الجمع بين بيانات التسلسلات الجينومية، والمعلومات الإكلينيكية. وما يمهد الطريق لتحقيق هذا هو مشروعاتٌ بعينها، مثل البنك الحيوي الإستوني، الذي يضم عينات أكثر من 200 ألف مشارك، والبنك الحيوي البريطاني، الذي يحتوي على بياناتٍ عن كل من الأحماض النووية والحالة الصحية لنصف مليون شخص، لكن هذه الجهود تحتاج إلى إشراك مجموعاتٍ سكانية أكثر تنوعًا.

ومن خلال هذه التحسينات، سيتمكن الباحثون من الاستفادة -إلى أقصى درجة ممكنة- من إسهامات جميع مَن وفّروا عينات أحماضهم النووية، لتحسين معرفتنا ببيولوجيا البشر، وتحقيق الاستفادة القصوى من الاختلافات الجينية بيننا، بغرض العودة بالنفع على الجميع.