كتب وفنون

«اقتصاديات كوفيد»: أول الكتب عن الجائحة

تقييم سريع للأولويات في ظل الجائحة يشخص الكثير من المشكلات، ويخلص إلى حاجتنا إلى حلول أقوى.

فيليب بول
  • Published online:
يجازف العاملون في مصانع الثياب في بنجلاديش بحياتهم في صناعة متضرِّرة من انهيار الإنفاق العالمي.

يجازف العاملون في مصانع الثياب في بنجلاديش بحياتهم في صناعة متضرِّرة من انهيار الإنفاق العالمي.  

ZABED HASNAIN CHOWDHURY/SOPA IMAGES/LIGHTROCKET VIA GETTY

الاقتصاديات في عصر «كوفيد-19»  

جوشوا جانز

مطبعة معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (2020)

ليس هناك وقت أصعب مما نعيش فيه لتولي زمام القيادة السياسية. فالخيارات التي ينبغي اتخاذها جسيمة، ويمكن لتبعاتها أن تكون كارثية، والمعرفة العلمية التي توجِّه هذه القرارات تواجه حالة من الارتباك. فما يحدث الآن لا سابقة له. وكنتيجة لذلك، فإن جائحة «كوفيد-19» CoVID-19 قد كشفت عن بعضٍ من أفضل خصال زعماء العالم، وأسوأها؛ بدءًا من الانتهازية، ونكران الحقائق، وانتهاءً إلى الرحمة، والشفافية.

 ومن المؤسف أنه في شهر يناير الماضي، لم يكن لدى صانعي السياسات كتاب مثل «الاقتصاديات في عصر كوفيد-19» Economics in the age of COVID-19، لجوشوا جانز، لكي يفسّر لهم طبيعة ما نواجهه من قضايا. ومن المدهش أنه صار لديهم واحد بالفعل، فقد أكمل جانز هذا الكتاب بسرعة هائلة في أواخر شهر مارس، وعرَض فيه محاولاته لشرح الفكر الاقتصادي الذي ينبغي أن يوجه السياسات مفيدة، وإنْ كان من المحتم أن تتسم بالقصور.

ومع تغيُّر الوضع والمعارف بصورة يومية، فإن تكشُّف الأحداث الجديدة على الدوام من شأنه أن يجعل بعضًا من جوانب تحليل جانز بالية. ومن هذا المنطلق، فإن جانز، الاقتصادي بجامعة تورونتو في كندا، يحاول بشجاعة أن يقوم بمهمة مستحيلة. وفي نهاية المطاف، سيحتاج بناء الفكر الاقتصادي لمواجهة الجائحة إلى خبرات أوسع.

 وقد أجبرت الأزمة بعض السياسيين -خصوصًا سياسيي اليمين- على اتخاذ قرارات تخالف اتجاهاتهم الراسخة، عبر إنفاذ تدخلات ومعونات مالية، كانت في ظروف عادية ستُوصَف بالمُبالَغ فيها. وقد حاولت بلدان كثيرة تجميد اقتصادها، والتعويض عن غياب السيولة والأجور بالإعانات الهائلة، حتى تبدأ عجلة الاقتصاد في الدوران مرة أخرى.  

وهنا يكمن وجه الاختلاف عن اقتصادات الحروب، التي كثيرًا ما يشار إليها على سبيل المقارنة. ففي الحروب، تستمر الأنشطة الاقتصادية، لكنْ مع إعادة توجيهها. أما حركات الحظر الحالية في جميع أنحاء العالم، فقد أدت إلى تقليص القوى العاملة بدرجة كبيرة، إذ إنه بصرف النظر عن القوة العاملة الأساسية في مجالات الصحة، والرعاية، والغذاء، والنقل -على سبيل المثال- فإن الوظائف التي تستمر دون مساس بها، هي فقط تلك التي يمكن للأفراد أداءها من المنزل (لم أشعر قط بأنني محظوظ لكوني كاتبًا أكثر من الفترة الحالية). وفي بعض الأحيان، وبدرجة كبيرة من التبسيط، كان يجري طرح ذلك على أنه خيارٍ بين إنقاذ الأرواح، أو إنقاذ الاقتصاد. وفي الوقت الذي تجاوز فيه العديد من البلدان ذروة تفشي الجائحة (هل هي الذروة الأولى؟)، فقد تحولت النقاشات لتنصبّ على المخاطر التي قد تتعرض لها الصحة، والتي تنجم عن حالة طويلة من الركود الاقتصادي.

ومن الضروري مناقشة هذه القضية، إلا أن ثمة خطورة كذلك في أنْ يكون تناوُلها سطحيًّا. فطرْح الحفاظ على الحياة، والحفاظ على سبل كسب العيش على أنهما متناقضان، يُستخدم عادةً للدفاع عن القادة السياسيين ممن أبدوا ترددًا في فرض إجراءات الإغلاق وتقييد الحركة. وحسبما يوضح جانز، فإن هذا تصورٌ خاطئ، فطبيعة «كوفيد-19» المُعْدِية بشدة، إضافة إلى معدل الوفيات الناجم عن الإصابة به، كانا واضحين منذ وقت مبكر، حتى إنْ لم تكن الإحصائيات الدقيقة بشأن المرض واضحة. وقد أظهرا أنه لم يكن من الممكن أبداً إجراء مفاضلة تدريجية بين الأمرين: أي دفْع الاقتصاد على نحو طفيف على حساب مزيد من الوفيات. ويكتب جانز: «إذا كنتَ تعلم أنك ستفرض حالة الإغلاق على البلاد في نهاية المطاف، فإن هناك مزايا ضخمة لفعل ذلك بسرعة». فهذه هي الطريقة الوحيدة لإبقاء الخيارات مفتوحة، مع تزايُد معارفنا حول الفيروس وطبيعة انتشاره.

وهذه الملاحظة ليست نتاج إدراك متأخر؛ فقد كان جانز يكتب ذلك، بينما كانت حكومتا المملكة المتحدة والولايات المتحدة تماطلان في فرض الإغلاق، كما أن المسألة لا تتعلق بإنقاذ حياة البشر على المدى القصير فحسب، إذ يكتب جانز أنه: «يمكن للسعي وراء تلبية متطلبات الصحة العامة ألّا يتعارض مع الأداء الاقتصادي المتفوق طويل المدى».

ولكي يتسم قرار الإغلاق بالفاعلية، يجب اتخاذه «بحسم، ووضوح، وشفافية». وإذا استهان القادة بضخامة هذه الأزمة، أو راوَغوا، أو أصدروا توجيهات ضعيفة بشأن السلوكيات الواجب اتخاذها، بدلًا من طرْح توقعات تترتب عليها نتائج محددة، فإن الأفراد «سيفعلون ما يفعلونه في العادة، ويسعون إلى تحقيق مصالحهم الخاصة«، وسوف »يحافظون على سير أعمالهم، ويستمرون في الانخراط في الحياة الاجتماعية». 

بعد ذلك تأتي مسألة كيفية إدارة الأزمة في خضم اقتصاد راكد. ومرة أخرى، قد تتصادم الأيديولوجيا مع الواقع، فإذا كانت هناك حاجة ماسة إلى أقنعة، أو أجهزة تنفس صناعي، فليس هناك وقت لطرح العطاءات، وإفساح المجال لآليات السوق لكي تحدد مَن سيحصل على العقد والمُنتج، إذ لا بد من وجود آلية مركزية تتحكم في عملية اتخاذ القرار وتخصيص الموارد، حتى مع المخاطرة بوجود درجة من «عدم الكفاءة».

وهناك مسألة كيفية الحفاظ على اقتصاد متوقف عن الحركة، دون أن يشرع في التداعي. وبوجه عام.. أدركت الحكومات ضرورة المساعدة في تغطية الأجور المفقودة، لكن الشيطان يكمن في التفاصيل. فخيارات تقديم المساعدات المالية لتغطية الفواتير، مثل الإيجارات، والرهون العقارية، عبر تعليق تلك التكاليف، أو تغطيتها مباشرةً، تتخذ وجوهًا شتى. ويقول جانز إن الهدف يجب أن يكون سداد المدفوعات، والإعانات، والقروض، «لضمان عدم تحوُّل تعثُّر السداد قصير المدى إلى انقطاع طويل الأجل». وأحد الحلول التي يقترحها، هو إعادة سداد القروض الحكومية على مدى فترة زمنية، من خلال فرض الضرائب. 

كانت هناك زيادة في حالات الإصابة بـ«كوفيد-19» في شركات تغليف اللحوم في الولايات المتحدة.

كانت هناك زيادة في حالات الإصابة بـ«كوفيد-19» في شركات تغليف اللحوم في الولايات المتحدة.

USDA/ALAMY

هل يقدم لنا الماضي دليلًا نسترشد به؟ يتناول جانز السابقة الوحيدة القابلة للمقارنة بالوضع الحالي في العصر الحديث: جائحة إنفلونزا عام 1918. فقد كانت التبعات الاقتصادية لها معقدة، نظرًا إلى اندلاعها مباشرةً بعد نشوب حرب عالمية (كان لتعبئة القوات دور في تفاقم انتشارها). وكان يمكن لجانز أيضًا أن يذكر وباء الإيدز (AIDS) في أفريقيا، الذي كان له تأثير مدمر في بعض المناطق إلى حد أنه ترك أجيالًا من اليتامى، واستنزف القوى العاملة، وأعاق التنمية الاقتصادية، إذ إنّ مَنْح الأولوية للاقتصاد على حساب الصحة العامة لا يعني بالضرورة بُعْد النظر. 

يقوم جانز بعمل جيد في تفصيل المتطلبات اللازمة لوضع استراتيجة خروج من الأزمة. وهو يرى أننا بحاجة الآن إلى «الاستثمار في الاقتصاد القائم على التجربة»، على سبيل المثال، لتحديد مَن يمكنه العودة بأمان إلى العمل، ولمراقبة أمان مكان العمل. وفي تأييد قاطع لسياسة منظمة الصحة العالمية، يشير جانز إلى أن «البلدان والمناطق التي تمكنت من فحص المصابين وتتبُّعهم، ومن ثم عزلهم، تمكنت من احتواء الفيروس سريعًا، وإعادة فتح اقتصاداتها في وقت أكثر تبكيرًا». وهو يوضح أنه حتى مع وجود لقاح، فمن المرجح أن تظل الاختبارات جزءًا من حياتنا اليومية لعدة سنوات.

ويعرض جانز كذلك مناقشة مفيدة حول كيفية توزيع اللقاحات على النحو الأمثل، في الوقت الذي لا يجري فيه إنتاجها بكميات تكفي الجميع (على الرغم من أنه لا يتطرق إلى مسألة رفض بعض الأفراد لأخْذ هذه اللقاحات، وهو ما قد يمثل مشكلة). كما أنه يتناول كيفية تشجيع الابتكارات في مجال تطوير اللقاحات، دون الاعتماد على قوى السوق، وبراءات الاختراع الخاصة بما يُعَد -بلا شك- سلعة عالمية عامة. وهناك مناقشة سابقة، ربما يكون قد استند إليها في تناوله هذا، دارت حول تطوير الأدوية والعلاجات الضرورية التي لا يبدو -من المرجح- أن تحقق أرباحًا لشركات المواد الدوائية، مثل المضادات الحيوية الجديدة، وعلاجات السل.

ومثلما فعل آخرون بعد حالات تفشٍ سابقة، يدعو جانز إلى إنشاء مؤسسة وطنية شاملة، تملك «مجموعة موارد لاحتواء جائحات المستقبل، وضمان استجابة دولية منسقة». وهي مؤسسة ستكون أقرب إلى صندوق النقد الدولي منها إلى منظمة الصحة العالمية، حسبما يتصور، إذ إنها لن تركز على الأدوية فحسب، بل ستركز أيضًا على الابتكارات الهادفة إلى تعزيز الحماية من العدوى في مقر العمل، وفي وسائل النقل العام. ويصف فكرة تخصيص «مئات المليارات من الدولارات سنويًّا لتقليل خطر الأوبئة العالمية بصورة كاملة" بالفكرة البديهية، مرددًا ما قاله البعض بعد تفشي فيروس إيبولا الأول ممن شبَّهوا الوضع بالإنفاق على الدفاع. 

وهنا ينتهي الكتاب، دون مزيد من التفاصيل. فمن الناحية الواقعية، ستكون آراء جانز هي الأولى دائمًا في هذا الصدد، ولكنها لن تكون القول الفصل فيه. إنه يرسم صورة لعالَم ما بعد «كوفيد-19».. عالَم تعود فيه الأمور إلى حالتها الطبيعية بشكل كبير مع وجود بعض المنغصّات. والحقيقة هي أن الجائحة تطرح الكثير من الإشكاليات. وأيًّا كان المشهد الجديد، فمِن غير المرجح أن يكون المشهد نفسه الذي عشناه في نهاية عام 2019. 

ثمة منطق أخلاقي وراء إعادة النظر في عدم المساواة بين الأشخاص، وذلك في ضوء ما تعلمناه حول من يُعتبر وجوده ضروريًّا بحق لاستمرار عمل المجتمع، إذ يتعارض بعض جوانب السياسة الاقتصادية النيوليبرالية -بشكل أساسي- مع احتياجات عالمنا الهش، الذي يُتوقع أن يُستجد به قدر أكبر من المخاطر في المستقبل. وقد أشار سلوك بعض قادة العالم إلى مخاطر اقتصاد المعلومات، الذي أصبح «سوقًا للترويج لحقائق بعينها». ومن الواجب علينا أن نراجع عاداتنا، واقتناعاتنا المسبقة القديمة، مثلما سيتوجب على الاقتصادات نفسها أن تتبنى هذه المراجعات.

فيليب بول كاتب ومؤلف علمي مُقيم في لندن. كتابه الأخير هو «كيف تنشئ إنسانًا؟» How to Grow a Human البريد الإلكتروني:  p.ball@btinternet.com