أنباء وآراء

التنكس العصبي: نحو تعزيز طعوم الخلايا العصبية المستزرَعة

يمكن استخدام سلائف الخلايا العصبية الدوبامينية -المشتقة من الخلايا الجذعية- في الطعوم الجراحية؛ بهدف علاج مرض باركنسون، لكن تواجه هذه المقارَبة بعض القيود. ومن شأن حقْن عامل نموّ بعد مضي ثلاثة أسابيع على استزراع هذه الطعوم أن يتغلب على بعض هذه القيود.

لورينز ستودر، وفيفيان طبر
  • Published online:

نموذج الترجمة: نص المقاللطالما كانت فكرة إصلاح الدماغ عن طريق استبدال الخلايا العصبية التي تموت نتيجةً لداء باركنسون حلمًا يراود الباحثين في هذا المجال. وعلى مدار العقود القليلة الماضية، اقتُرح الكثير من أنواع الخلايا لاستبدال الخلايا العصبية المحتضرة1، بما في ذلك  الخلايا المشتقة من الدماغ الأوسط للأجنة البشرية، لكنْ انتقل محور التركيز الآن إلى الخلايا الجذعية متعددة القدرات، التي تستطيع تكوين جميع أنواع الخلايا تقريبًا. واليوم، توشك العيادات الإكلينيكية2 على اختبار استزراع سلائف خلايا عصبية معينة مشتقة من الخلايا الجذعية، لكن لا تزال هذه الاختبارات تواجهها قيود، من بينها انخفاض معدّلات بقاء الخلايا العصبية المستزرعة على قيد الحياة وتدني وظائفها عن المستوى الأمثل3. ويتناول الباحث كارلوس ويليام جانتنر وزملاؤه4 بعضًا من هذه القيود في بحثهم المنشور في دورية «سيل ستيم سيل» Cell Stem Cell.

يَحدُث داء باركنسون نتيجة تنكُّس مجموعة من الخلايا العصبية التي توجد في منطقة المادة السوداء بالدماغ، وتمتد إلى الجسم المخطّط، حيث تُفرِز الدوبامين، وهو جزيء ناقل عصبي. ويشترك عدد كبير من عوامل النمو في تكوين هذه الخلايا العصبية الدوبامينية في أدمغة غير البالغين، في حين لا يجري التعبير عن هذه العوامل في أدمغة البالغين، أو يجري التعبير عنها بمستويات أقل كثيرًا. وبالتالي، قد يكون حقْن عوامل نمو محددة في أدمغة البالغين وسيلةً لتحسين معدّلات نجاح المقارَبات القائمة على استزراع طعوم هذه الخلايا العصبية.

شَرَع جانتنر وزملاؤه في تقصي إمكانية استخدام أحد عوامل النمو هذه (بروتين GDNF)، وهو عامل التغذية العصبية المشتق من خط الخلايا الدبقيّة. وقد حظى هذا النهج بتاريخ طويل من التجريب؛ إذ قامت دراسات إكلينيكية عديدة بتحليل ما إذا كان حقْن عامل النمو GDNF في الدماغ من شأنه تحسين حالة مرضى داء باركنسون مستقبلًا، أم لا (لكن لم تُحرِز هذه المحاولات إلا نجاحًا محدودًا5). وأشارت هذه الدراسات إلى أن عامل النمو GDNF يمكن أن يعزز أداء طعوم الخلايا العصبية الدوبامينية الجنينية لوظائفها وفرص بقائها على قيد الحياة6.

من هنا، استخدم جانتنر وزملاؤه نوعًا من الخلايا الجذعية متعددة القدرات، يُطلَق عليه الخلايا الجذعية الجنينية. وقاموا بهندسة هذه الخلايا بحيث تتألق، سواء عند التعبير عن بروتين خاص بالخلايا العصبية الدوبامينية في الدماغ الأوسط، يُطلق عليه PITX3، أو عند التعبير عن بروتين خاص بسلائف الخلايا العصبية الدوبامينية، يُطلق عليه LMX1A. وقد سمح هذا النهج للباحثين بأن يحددوا بسهولة عدد الخلايا العصبية الدوبامينية، وسلائف هذه الخلايا في كلٍّ من المختبر، والطعوم المستزرَعة في الأدمغة. فقد استخدم الفريق البحثي بروتوكولًا متبَعًا من أجل تحويل الخلايا الجذعية إلى سلائف الخلايا العصبية الدوبامينية في المختبر، قبل زرعها في أدمغة فئران تفتقر إلى الخلايا العصبية الدوبامينية في الدماغ الأوسط (انظر الشكل رقم 1). بعد ذلك.. قاموا بتقييم تأثير عامل النمو GDNF (المحقون في الجسم المخطّط في ناقل فيروسي) على بقاء الخلايا العصبية الدوبامينية المستزرعة، وعلى تكامل عملها داخل أدمغة القوارض.

الشكل 1 | تحسين الطعوم المستزرعة من أجل علاج داء باركنسون: ينصبّ الاهتمام حاليًّا على المستزرَعات المشتقة من الخلايا الجذعية لعلاج داء باركنسون، لكن يواجه الباحثون مشكلات تتعلق بتكامل عمل الخلايا العصبية المستزرعة في الدماغ، وبقائها على قيد الحياة. وقد حدد الباحث كارلوس جانتنر وزملاؤه4 بروتوكولًا يمكن أن يساعد على معالجة هذه المشكلات، إذ استخدم مؤلفو الدراسة خلايا جذعية جنينية بشرية (hESCs)، جرت هندستها بحيث تتألق (غير موضّح) عندما تعبّر عن بروتين خاص بسلائف الخلايا العصبية المفرزة للدوبامين. وبعد ذلك.. عمد الفريق البحثي إلى إحداث عملية تتمايز فيها الخلايا الجذعية الجنينية البشرية إلى سلائف خلايا عصبية، ثم قام بفرز الخلايا المتألقة من بقية الخلايا. بعد ذلك.. استزرع الفريق هذه الخلايا في أدمغة قوارض افتقرت إلى خلايا عصبية في الجسم المخطّط؛ وهو منطقة من الدماغ تتأثر بداء باركنسون. وبعد مضي ثلاثة أسابيع، قام الباحثون بحقْن عامل النمو GDNF في أدمغة القوارض. وقد أدى الجمْع بين تصنيف الخلايا، والعلاج بعامل النمو GDNF إلى تحسين التكامل الوظيفي للخلايا العصبية في الدماغ، ومعدلات بقائها على قيد الحياة، مما قلّل من الأعراض الحركية لداء باركنسون لدى هذه الحيوانات.

الشكل 1 | تحسين الطعوم المستزرعة من أجل علاج داء باركنسون: ينصبّ الاهتمام حاليًّا على المستزرَعات المشتقة من الخلايا الجذعية لعلاج داء باركنسون، لكن يواجه الباحثون مشكلات تتعلق بتكامل عمل الخلايا العصبية المستزرعة في الدماغ، وبقائها على قيد الحياة. وقد حدد الباحث كارلوس جانتنر وزملاؤه4 بروتوكولًا يمكن أن يساعد على معالجة هذه المشكلات، إذ استخدم مؤلفو الدراسة خلايا جذعية جنينية بشرية (hESCs)، جرت هندستها بحيث تتألق (غير موضّح) عندما تعبّر عن بروتين خاص بسلائف الخلايا العصبية المفرزة للدوبامين. وبعد ذلك.. عمد الفريق البحثي إلى إحداث عملية تتمايز فيها الخلايا الجذعية الجنينية البشرية إلى سلائف خلايا عصبية، ثم قام بفرز الخلايا المتألقة من بقية الخلايا. بعد ذلك.. استزرع الفريق هذه الخلايا في أدمغة قوارض افتقرت إلى خلايا عصبية في الجسم المخطّط؛ وهو منطقة من الدماغ تتأثر بداء باركنسون. وبعد مضي ثلاثة أسابيع، قام الباحثون بحقْن عامل النمو GDNF في أدمغة القوارض. وقد أدى الجمْع بين تصنيف الخلايا، والعلاج بعامل النمو GDNF إلى تحسين التكامل الوظيفي للخلايا العصبية في الدماغ، ومعدلات بقائها على قيد الحياة، مما قلّل من الأعراض الحركية لداء باركنسون لدى هذه الحيوانات.

كبر الصورة

حَقَن مؤلفو الدراسة عامل النمو GDNF قبل الاستزراع بأسبوع واحد، أو بعده بثلاثة أسابيع. وجرى اختيار هاتين النقطتين الزمنيتين من أجل رصد تأثيرات البروتين على بقاء الخلايا المستزرعة على قيد الحياة بصورة مبدئية، أو رصد تأثيره على المراحل اللاحقة من نضوج الخلايا العصبية، وتكامُل عملها داخل الدماغ؛ فاكتشفوا أن حقْن GDNF أدى إلى زيادة معدلات بقاء الخلايا العصبية على قيد الحياة عند كلتا النقطتين الزمنيتين، وزادت هذه المعدّلات أكثر في حال حقن البروتين قبل الاستزراع. ومع ذلك، أشارت أدلة عديدة إلى أن حقْن GDNF عند نقطة زمنية متأخرة أدى إلى تحسين التكامل الوظيفي داخل الأدمغة، إذ أدى هذا التوقيت إلى زيادة كثافة ألياف الخلايا العصبية في الجسم المخطّط، وزيادة الوصلات المَشْبَكيّة بين الخلايا العصبية الموجودة في الطعوم المستزرَعة، والخلايا العصبية المضِيفة لهذه الطعوم، وحدوث تحسُّن في التنسيق الحركي.

نستخلص من ذلك أن هذه الدراسة توضح الأهمية البالغة لفهم الخصائص البيولوجية لعمل البروتين GDNF في جميع مراحل تكوين الخلايا العصبية الدوبامينية، إذا كنّا ننشد النجاح لهذا النوع من العلاج. كما تشير الدراسة إلى إمكانية استخدام العلاج بالبروتين GDNF؛ من أجل تحسين الموجة القادمة من إجراءات استزراع الخلايا العصبية المشتقة من الخلايا الجذعية. ومن الوارد أن يكون التوقيت الأمثل لحقْن البروتين GDNF لدى البشر مماثلًا له لدى القوارض، لأن أزمنة بقاء الخلايا العصبية البشرية المستزرعة على قيد الحياة وأزمنة نضوجها متشابهة لدرجة مثيرة للدهشة في الطعوم في أدمغة الفئران، أو الجرذان، أو الرئيسيات7.

وتجدر الإشارة إلى أنه بالإضافة إلى وجود مشكلات تشوب تكامُل عمل الخلايا العصبية في المنهجيات القائمة حاليًّا لتمايز الخلايا الجذعية، فإن هذه المنهجيات تنتج مجموعات خلوية غير متماثلة لا تتحول منها سوى نسبة ضئيلة نسبيًّا من الخلايا المستزرعة إلى خلايا عصبية دوبامينية. وعلى سبيل المثال، في القوارض، بعد ستة أشهر من قيام جانتنر وزملائه باستزراع سلائف خلايا عصبية دوبامينية لم يجر تصنيفها، بلغت نسبة الخلايا العصبية الدوبامينية في الطعوم المستزرعة أقل من 1%، حتى في وجود بروتين GDNF. وقد استفاد المؤلفون من حقيقة حَمْل الخلايا واسمات متألقة لمعالجة هذه النقطة، عن طريق غربلة الخلايا قبل الاستزراع، وزراعة تلك التي عبّرت عن البروتين LMX1A فقط. وقد حسَّن هذا النهج -بدرجة كبيرة- نسبة الخلايا العصبية الدوبامينية في الطعوم، إذ وصلت إلى 10% من إجمالي الخلايا بعد ستة أشهر.

تشير تجارب جانتنر وزملائه إلى طرقٍ لتحسين كفاءة مناهج الاستزراع من أجل علاج داء باركنسون. ومن ناحية أخرى.. فإنها تلقي الضوء على مشكلات أخرى ينبغي التغلب عليها، فعلى سبيل المثال، في الطعوم التي تحوى أنواع خلايا لم يجر تصنيفها، زاد العلاج ببروتين GDNF من عدد الخلايا الإجمالي (وبالتالي عدد الخلايا من الأنواع غير المرغوبة)، وهو ما يبرِز أن التحسّن في معدلات بقاء الخلايا على قيد الحياة ليس كافيًا وحده. ونهج تصنيف الخلايا حسب تألقها -الذي استخدمه المؤلفون- من شأنه أن يفرض تحديات جمّة من الناحية الإكلينيكية فيما يتعلق بتصنيع الطعوم، وإمكانية التوسّع في استخدامها. ولعل استراتيجيات التصنيف المغناطيسية أو المعتمِدة على العقاقير ستكون بدائل مناسبة. وإضافةً إلى ذلك.. سيكون من المهم البرهنة على أن الجمْع بين استزراع الطعوم والتعبير المستدام عن بروتين GDNF آمِنٌ على المدى الطويل –للرئيسيات في أحسن الأحوال – قبل اختبار نهْج واضعي الدراسة على البشر.

ويوجد سؤال جوهري آخر مطروح، يخص المقاربات المستخدَمة لعلاج داء باركنسون على وجه الخصوص، ومقاربات الطب التجديدي على وجه العموم: هل سيكون توليد الخلايا "الأصلية" التي تُفقَد من جرّاء الأمراض كافيًا؟ أم سيمكن للخلايا المهندَسة وراثيًّا تحسين فوائد المستزرعات. إن واسمات السلالات الخلويّة التي استخدمها جانتنر وزملاؤه هي مجرد أحد نماذج النهج الثاني. وثمة فكرة بارزة أخرى، تتمثّل في تطوير خلايا مانحة غير متخصصة، مهندَسة وراثيًّا9،8. وحاليًّا، تعمل أساليب معالَجة كثيرة من تلك القائمة على استزراع الخلايا على استخدام الخلايا المانحة. وفي تلك الحالة.. يجب أن يحصل المرضى على علاجات مثبّطة للمناعة، من أجل الحؤول دون رفض أجسادهم للطعوم المزروعة لديهم. ويمكن أن تتغلب على هذه المشكلة الخلايا المانحة غير المتخصصة المهندَسة وراثيًّا، بحيث تفقد بروتينيات المُسْتَضَدّات السطحية، التي يستطيع الجهاز المناعي التعرّف عليها.

وفيما يتعلق بداء باركنسون، على وجه الخصوص، فإن الخلايا المهندَسة بحيث تعبِّر عن مستوى أدنى من الطبيعي من بروتين α-synuclein المرتبط بالمرض تُعَد محل اهتمام، لأن هذا النهج ربما يمنع انتشار المرض ليصيب الطعوم المستزرعة10. وفي النهاية، فإن أساليب التحكم جينيًّا في نشاط الطعوم، أو في الارتباط بالخلايا المضيفة، يمكن أن تساعد على موالفة هذه الطعوم بدقة لتناسِب الاحتياجات الفردية للمرضى الذين قد تتغير حالتهم المرضية على مدار الوقت11.

إن الهندسة الوراثية للخلايا الجذعية متعددة القدرات -التي بدأت تغدو معتادة بصورة متزايدة- تطرح لمجال الطب التجديديّ فرصة مثيرة للاهتمام، حيث إنها تستطيع توليد أي نوع خلايا يعبِّر عن أي منتَج جينيّ علاجيّ حسب الطلب، بيد أنه كي يمكن الانتفاع بمثل هذه التقنية، فمِن الأهمية بمكان فهْم الخصائص البيولوجية لعملية تجدّد الخلايا. ولعل الالتفات من زاوية جديدة إلى جزيئات مثل GDNF سيشكل قفزة تأتي في الوقت المناسب لتعزيز طعوم الخلايا العصبية المستزرعة، مما يحسِّن فرص نجاح العلاجات.

References

  1. Barker, R. A., Drouin-Ouellet, J. & Parmar, M. Nature Rev. Neurol. 11, 492–503 (2015). | article
  2. Barker, R. A., Parmar, M., Studer, L. & Takahashi, J. Cell Stem Cell 21, 569–573 (2017). | article
  3. Tabar, V. & Studer, L. Nature Rev. Genet. 15, 82–92 (2014). | article
  4. Gantner, C. W. et al. Cell Stem Cell 26, 511–526 (2020). | article
  5. Kirik, D., Cederfjäll, E., Halliday, G. & Petersén, A. Neurobiol. Dis. 97, 179–188 (2017). | article
  6. Rosenblad, C., Martinez-Serrano, A. & Bjِrklund, A. Neuroscience 75, 979–985 (1996). | article
  7. Kikuchi, T. et al. Nature 548, 592–596 (2017). | article
  8. Deuse, T. et al. Nature Biotechnol. 37, 252–258 (2019). | article
  9. Gornalusse, G. G. et al. Nature Biotechnol. 35, 765–772 (2017). | article
  10. Luk, K. C. et al. Science 338, 949–953 (2012). | article
  11. Steinbeck, J. A. & Studer, L. Neuron 86, 187–206 (2015). | article

لورينز ستودر يعمل في برنامج الأحياء النمائية، ومركز بيولوجيا الخلايا الجذعية، ومركز ميموريال سلون كيترينج لعلاج السرطان بولاية نيويورك، نيويورك 10065، الولايات المتحدة الأمريكية.

فيفيان طبر تعمل في قسم جراحة الأعصاب، وبرنامج بيولوجيا وجينات السرطان، ومركز بيولوجيا الخلايا الجذعية، ومركز ميموريال سلون كيترينج لعلاج السرطان.

البريد الإلكتروني: studerl@mskcc.org؛ tabarv@mskcc.org