افتتاحيات

علينا التصدي لفيروس كورونا بين الفئات الأضعف

إن دور الرعاية والسجون والمجتمعات ذات الدخل المنخفض هي الأشد تضررًا من وقوع الجائحة. والباحثون جاهزون للمساعدة، لكنهم بحاجة إلى المزيد من البيانات.

  • Published online:

عندما يخالط الأشخاص بعضهم بعضًا عن قرب، فإن مُمْرِضات الجهاز التنفسي تنتشر كالنار في الهشيم. لذلك، ليس من المستغرب أن أكبر 150 واقعة تفشٍ لفيروس كورونا الجديد في الولايات المتحدة حدثت جميعها تقريبًا في السجون، ودور الرعاية، ودور المحاربين القدامى، ومستشفيات الأمراض النفسية، ومصانع تعبئة اللحوم، وكذلك ملاجئ المشردين، وهي كلها أماكن يعيش فيها الناس -أو يعملون- جنبًا إلى جنب.

يمكن ملاحظة هذه الظاهرة في جميع أنحاء العالم. فقد بدا أن سنغافورة سيطرت -بشكل كامل تقريبًا- على الوباء، حتى ظهر جليًّا أن الفيروس آخذ في الانتشار -دون رصد- بين العمال المهاجرين الذين يعيشون في وحدات مبيت مشتركة. وعلى امتداد أوروبا، تُعَد دور رعاية المسنين كذلك من بين أكثر الأماكن تضررًا بالجائحة.

وحتى الآن، لا تزال محاولات مسؤولي قطاع الصحة لاحتواء مرض «كوفيد-19» COVID-19 تبوء بالفشل في مساحات الاختلاط المشتركة هذه، نظرًا إلى الصعوبات التي يواجهونها في تحقيق التباعد الجسدي. ففي حال أولئك الذين يستحيل عليهم عزل أنفسهم، نظرًا إلى طبيعة وظائفهم، أو مساكنهم، لا يمكن بتاتًا تبَنِّي إجراءات مثل العمل من المنزل، التي تحمي الأفراد الأوفر صحة والأقدر ماديًّا ممن يملكون حرية الاختيار في أمرهم. والأدهى من ذلك أن الأدلة المتوفرة لدعم السياسات الحالية، الهادفة إلى الحفاظ على سلامة ساكني مساحات الاختلاط المشتركة، أو حتى الداعمة لسياسات جديدة، تتسم بالندرة.

من هنا، ثمة حاجة ماسة إلى تطوير استراتيجيات قائمة على أدلة، لمنع انتشار العدوى في البيئات المشترَكة، وإلى اكتشاف الحالات في وقت مبكر. ويبدي الباحثون استعدادهم لتلبية هذه الحاجة، لكنْ بدايةً، يجب على واضعي السياسات ومسؤولي الصحة إعطاء الأولوية لهذا النوع من الأبحاث، وتقديم البيانات حول أعداد حالات الإصابة والوفيات، حتى يتنسى لعلماء الأوبئة وضع قائمة مفصلة بالأخطاء في معالجة الموقف. والأهم من ذلك.. هو أنه يتوجب على المسؤولين إتاحة اختباراتٍ دورية للفئات الأكثر عرضة للخطر، بما يسمح لجهات التصدي للجائحة بالتدخل عند ظهور الحالات للمرة الأولى.

وفي الكثير من البلدان، يكون الخضوع للاختبارات مقصورًا على الأشخاص الذين تظهر عليهم أعراض معينة، مثل الحمى، أو السعال العنيف، على الرغم من أنه قد ثبت الآن أن الأفراد المصابين بالفيروس، دون ظهور أعراض عليهم، بإمكانهم نشر المرض. ويمكن لهؤلاء الأفراد أن يشكلوا خطرًا بالغًا في مساحات الاختلاط المشتركة التي تنتشر فيها العدوى سريعًا. وعلى سبيل المثال.. في أوائل إبريل، وجد باحثون أجروا فحوصًا على أشخاص في أحد ملاجئ المشردين في بوسطن بولاية ماساتشوستس أن ما يقرب من 90% من إجمالي 147 شخصًا مصابًا بفيروس كورونا الجديد، لم تكن لديهم أعراض ملحوظة  (T. P. Baggett et al. J. Am. Med. Assoc. http://doi.org/ggtsh3; 2020).

وقد وجدت تحليلات لحالات انتشار المرض في دور رعاية المسنين والسجون بالولايات المتحدة أن أكثر من نصف المصابين من النزلاء والموظفين -على حد سواء- لم تظهر عليهم أعراض واضحة وقت إجراء الاختبار عليهم. ولذلك.. فإن بعض علماء الأوبئة والوراثة والاجتماع محقّون في إلحاحهم على صانعي السياسات؛ لتغيير معايير إجراء الاختبارات، بحيث تُجرى بصورة دورية على الأشخاص في بيئات العيش المشترك، بغض النظر عما إذا كانت تظهر عليهم الأعراض، أم لا.

ومن خلال توفُّر قدر أكبر من البيانات، سيتمكن علماء الأوبئة من تقييم التدخلات، ومقارنتها ببعضها البعض؛ لمعرفة أفضلها من حيث الفاعلية. وعلى سبيل المثال.. هل تمنع أقنعة الوجه انتقال العدوى؟ وما مدى فاعلية وضع الأّسِرَّة في ملاجئ المشردين على بُعْد مترين من بعضها البعض؟ وهل سيكون من الأسلم إسكان المشرَّدين داخل خيام منصوبة في الهواء الطلق، إذا لم تكن أماكن الإقامة الفردية متاحة؟

وبالإضافة إلى ذلك، فمِن خلال تحديد تسلسلات الفيروسات المنتشرة في منشأة ما، سيتسنى للباحثين تحديد عدد المرات التي يقوم فيها الأشخاص بإدخال الفيروسات من الخارج، وإلى أي مدى تتضاعف العدوى في المجتمعات. كما أن وضع تحليلات للتكاليف الإجمالية سيساعد صانعي السياسات على مقارنة التكاليف الشاملة للحلول المختلفة، إذ ربما يتسبب أحد الحلول، التي تبدو مكلفة في البداية، في خَفْض التكلفة الإجمالية، عندما نضع في الحسبان أوجه إنفاق أخرى، مثل تكاليف إقامة المرضى في المستشفيات.

وفي الولايات المتحدة، التي ما زال بها العدد الأكبر من الوفيات الناجمة عن «كوفيد-19» في العالم، نجد أنّ العلماء على استعداد لبذل المزيد من الجهود. فقد أعلنت مختبرات أكاديمية عديدة أنها تستطيع إجراء قدْر أكبر من الاختبارات، يُقدَّر بالآلاف، مقارنة بعدد الاختبارات الحالي، بل وطوّر بعض هذه المختبرات فحوصًا أسهل في الاستخدام، فعلى سبيل المثال.. سمحت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية -في الثامن من مايو- بالاستخدام الطارئ لاختبار قائم على أداة تحرير الجينات  «كريسبر» CRISPR، يمكن تجهيزه باستخدام معدات أقل تعقيدًا مما هو مطلوب للعديد من الاختبارات الأخرى.

ولكي يسهم الباحثون على نحو أكبر في جهود مكافحة الجائحة، يجب إشراكهم في استراتيجيات الاختبار على نطاق الدول، التي تربطهم بإدارات الصحة، التي ينبغي أن تكون بدورها مستعدة للتعامل مع التشخيصات الإيجابية، بيد أن هذا ليس متاحًا في الوقت الحالي. فمِن دواعي القلق، أن بعض الباحثين قد أخبروا دورية Nature أن المسؤولين أبدوا عدم استعدادهم لإجراء فحوص للأشخاص في مساحات الاختلاط المشتركة، لأن الأفراد المصابين سيحتاجون بالضرورة إلى عزلهم، ومن المحتمل أن يجري فحص المخالطين لهم، ووضْعهم في الحجر الصحي كذلك. وهذا بدوره قد يعني توفير السكن -أو دفع الأجور- للعمال الأساسيين المعزولين في الحجر الصحي. وهذه تدخلات صعبة ومكلفة بالفعل، لكنّ تجاهُل المشكلة لن يؤدي إلى اختفائها.

لا بد من إعداد تقارير دقيقة

إن غياب الشفافية هو عقبة أخرى تواجه تحليلات علم الأوبئة. وعلى سبيل المثال.. وفقًا للمراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية منها، فإن نسبةً قِوامها 30% من السلطات القضائية لا تبلِغ عن حالات «كوفيد-19» داخل السجون كحالات منفصلة يمكن تمييزها. وبدلًا من ذلك.. هناك سجون تقوم بالإبلاغ عن انتشار المرض بها كحدث واحد، بدلًا من حصر عدد الحالات. وهناك الكثير من إدارات الصحة العامة التابعة للدولة لا يُبْلِغ عن حالات الإصابة والوفيات بين قاطني ملاجئ المشردين ودور رعاية المسنين، إذ لم تُكتشَف مثلًا واحدة من حالات انتشار المرض في أحد دور المسنين بولاية نيو جيرسي، إلا عندما عثرت الشرطة على 17 جثة مكدَّسة داخل الدار.

إنّ هذا الوضع لا يمكن أن يستمر، إذ يجب على المنشآت الإبلاغ عما يجري بين جدرانها، ويجب على الدول إتاحة البيانات مجهولة الهوية سريعًا.

وهناك مدن توفر نموذجًا جديرًا بالاحتذاء به. على سبيل المثال.. في مدينة سياتل، بولاية واشنطن، حيث رُصدت أول حالة تفشٍ لـ«كوفيد-19» في الولايات المتحدة، أنشأت إدارة الصحة العامة لوحة تحكم على الإنترنت، مخصصة للإبلاغ عن الحالات اليومية والوفيات في دور الرعاية. وقد ساعد التعاوُن بين هذه الدور، وبين الباحثين، وإدارة الصحة العامة على تقليل حالات «كوفيد-19» الجديدة في دور الرعاية من 748 حالة في شهر مارس إلى 72 حالة في أول أسبوعين من شهر مايو.

إن التقاعس عن اتخاذ إجراءات في أماكن أخرى مثير للسخط. فهذه المسألة لا تحظى بالاهتمام المستحق، لأن الأشخاص الأكثر تضررًا من الجائحة هم من غير القادرين على إيصال أصواتهم إلى المسؤولين. فالفقراء، أو الأقليات، أو المسنون، أو السجناء، أو المصابون بأمراض مزمنة، أو المشرَّدون هم من بين الفئات الأكثر تهميشًا في المجتمع. ويرجع جزءٌ من سبب تجاهُل احتياجاتهم إلى أن فرصة وصولهم إلى صانعي السياسات أقل، بيد أنه لا ينبغي لهم عرْض قضيتهم من الأصل، إذ يتوجب على أولئك في مواقع السلطة أن يكونوا منتبهين إليها.

من ناحية أخرى.. يمكن للباحثين النهوض بدورهم.. فهم يدركون الحاجة إلى كبح انتشار هذه الجائحة بين الفئات الأضعف من المجتمع، ويجب عليهم أن يحرصوا على التعاون مع هذه الفئات لدراسة الجائحة، وتحليل آثارها المدمرة، وتسليط الضوء عليها. كما ينبغي على صانعي السياسات التصرف بناءً على ما يتوصل إليه الباحثون، فإذا لم تتغلب الدول على هذا المرض في المساحات التي تضربها الجائحة بضراوة، فلن تتمكن من دحره على الإطلاق.