أنباء وآراء

فيزياء تطبيقية: عين اصطناعية مدعومة بشبكية نصف كروية

توصَّل باحثون إلى تطوير عينٍ اصطناعية، تشتمل على مستشعرات ضوء نانوية، منضودة بكثافة، لتكوِّن جسمًا نصف كروي شبيهًا بشبكية العين. وتضاهي بعض الخواص الحسية لهذه العين الاصطناعية خواص العين البشرية. 

هونجري جيانج
  • Published online:

كثيرًا ما تتضمن أفلام وقصص الخيال العلمي روبوتاتٍ ذات عيونٍ اصطناعية، أو عيونٍ إلكترونية متصلةٍ بالمخ البشري؛ لإعادة الإبصار إلى المكفوفين. وقد بُذلت جهودٌ كبيرة، سعيًا إلى تطوير مثل هذه الأجهزة، لكنَّ تصنيع الشكل الكروي للعين البشرية، وتحديدًا شبكيتها نصف الكروية، يمثل تحديًا هائلًا، يحدّ من إمكانية ابتكار عيون اصطناعية وإلكترونية قادرةٍ على أداء وظائفَ محاكيةٍ لتلك التي تتميَّز بها العين البشرية. وفي بحثٍ نُشر مؤخرًا بدورية Nature، أفاد الباحث لِيلي جو وزملاؤه1 بأنَّهم قد طوروا شبكيةً مبتكرة، مقعرةً ونصفَ كروية، تتكون من مصفوفةٍ من مستشعرات الضوء النانوية، وتحاكي الخلايا المستقبِلة للضوء في شبكية العين البشرية. تدخل هذه الشبكية ضمن تركيب عينٍ كهروكيميائية، لديها إمكانات تضاهي إمكانيات العين البشرية، فضلًا عن أنها تؤدي وظيفتها الأساسية، المتمثلة في تعلُّم أنماط الصور.

تتسم العين البشرية، بشبكيتها نصف الكروية، ببنيةٍ بصرية أكثر تركيبًا من مستشعرات الصور المسطحة التي تُزوَّد بها الكاميرات، على سبيل المثال. فالشكل المُقبَّب المميِّز للشبكية يقلل بطبيعته من انتشار الضوء الذي يمرُّ خلال العدسة، ومن ثم يزيد من وضوح الرؤية. والمكوِّن الأساسي في هذه العين الكهروكيميائية المحاكية للعين البشرية، التي طوّرها جو وفريقه، هو بمثابة منظومةٍ عالية الكثافة من مستشعرات الضوء، تؤدي الوظيفة التي تؤديها الشبكية (الشكل 1). وقد شُكِّلت هذه المستشعرات مباشرةً داخل مسام غشاءٍ نصف كروي مصنوع من أكسيد الألومنيوم (Al2O3).

شكل 1. عين اصطناعية محاكية للعين البشرية. أفاد جو وزملاؤه1بتطوير جهازٍ بصري اصطناعي يحاكي العين البشرية. يتكون الجهاز من عدسةٍ مثبتة على تجويفٍ في "مقلة عين" اصطناعية، تتكون من غلافٍ معدني في المقدمة، وشبكيةٍ اصطناعية في المؤخرة، يفصل بينهما سائلٍ أيوني. وأكثر ما يميز هذا الجهاز.. الشبكية نصف الكروية، التي هي بمثابة مصفوفةٍ كثيفة من مجموعةٍ من الأسلاك النانوية الحساسة للضوء، مثبتة في مسام غشاءٍ من أكسيد الألومنيوم. تحاكي تلك الأسلاك النانوية الخلايا المستقبِلة للضوء في شبكية العين البشرية. وتثبَّت الشبكية في تجويفٍ بوليمري، وهو ما يضمن التواصل الكهربي بين الأسلاك النانوية، والأسلاك المعدنية السائلة في المؤخرة. وتحاكي هذه الأسلاك المعدنية السائلة -بدورها- الألياف العصبية، إذ تنقل الإشارات من الأسلاك النانوية إلى داراتٍ خارجية، لمعالجتها.

شكل 1. عين اصطناعية محاكية للعين البشرية. أفاد جو وزملاؤه1بتطوير جهازٍ بصري اصطناعي يحاكي العين البشرية. يتكون الجهاز من عدسةٍ مثبتة على تجويفٍ في "مقلة عين" اصطناعية، تتكون من غلافٍ معدني في المقدمة، وشبكيةٍ اصطناعية في المؤخرة، يفصل بينهما سائلٍ أيوني. وأكثر ما يميز هذا الجهاز.. الشبكية نصف الكروية، التي هي بمثابة مصفوفةٍ كثيفة من مجموعةٍ من الأسلاك النانوية الحساسة للضوء، مثبتة في مسام غشاءٍ من أكسيد الألومنيوم. تحاكي تلك الأسلاك النانوية الخلايا المستقبِلة للضوء في شبكية العين البشرية. وتثبَّت الشبكية في تجويفٍ بوليمري، وهو ما يضمن التواصل الكهربي بين الأسلاك النانوية، والأسلاك المعدنية السائلة في المؤخرة. وتحاكي هذه الأسلاك المعدنية السائلة -بدورها- الألياف العصبية، إذ تنقل الإشارات من الأسلاك النانوية إلى داراتٍ خارجية، لمعالجتها.

كبر الصورة

في تصميم هذه العين، تنتقل الإشارات من المستشعرات الضوئية السلكية النانوية إلى داراتٍ خارجية، حيث تجري معالجتها، عبر أسلاكٍ دقيقة مرنة مصنوعة من مادةٍ معدنيةٍ سائلة (سبيكة يوتكتية، أو أصهرية، تتألف من عنصرَي؛ الجاليوم، والإنديوم)، مودَعة داخل أنابيب مطاطية مرنة. تحاكي هذه الأسلاك الدقيقة الألياف العصبية التي تصل العين البشرية بالمخ. وفيما بين تلك الأسلاك والأسلاك النانوية، توجد طبقةٌ من عنصر الإنديوم، تعمل على تحسين الاتصال الكهربي بينهما. وتُثبَّت الشبكية الاصطناعية في مكانها بواسطة حاملٍ أجوف، مصنوعٍ من بوليمر سيليكوني، لضمان اصطفاف الأسلاك الدقيقة والأسلاك النانوية على النحو الصحيح.

وفي مقدمة الجهاز، توجد عدسةٌ متصلة بقزحية اصطناعية، تمامًا كما في العين البشرية. وتندمج الشبكية في المؤخرة مع غلافٍ نصف كروي في الأمام، ليكوِّنا معًا تجويفًا كرويًّا (مقلة العين). هذا الغلاف الأمامي نصف الكروي مصنوع من الألومنيوم المبطن بغشاءٍ من التنجستِن. ويمتلئ التجويف الكروي بسائلٍ أيوني يحاكي الجسم الزجاجي؛ وهو ذلك الهلام الذي يملأ الحيز الفاصل بين العدسة والشبكية في العين البشرية. ويُعَد هذا التركيب ضروريًّا للتشغيل الكهروكيميائي للأسلاك النانوية. ونظرًا إلى هذا التشابه البنيوي التام بين هذه العين الاصطناعية والعين البشرية، فإنَّ الجهاز يتمتع بمجال رؤيةٍ واسعٍ، يبلغ مداه 100 درجة، وبذا يقترب من مجال الرؤية الرأسي للعين البشرية في حالة الثبات، الذي يبلغ مداه 130 درجة.

وما من شكٍّ في أنَّ درجة محاكاة هذه العين الاصطناعية، التي ابتكرها جو وزملاؤه، لبِنْية العين البشرية مثيرة للإعجاب حقًّا؛ غير أنَّ أكثر ما يميزها عن غيرها من الأجهزة التي طُرحت في دراساتٍ سابقة هو أنَّ كثيرًا من خواصها الحسية يفوق إمكانات نظيرتها البشرية. فعلى سبيل المثال.. تستطيع الشبكية الاصطناعية رصد طيفٍ عريض من درجات سطوع الأشعة الضوئية، يتراوح من 0.3 ميكرووات إلى 50 ملِّي وات لكل سنتيمتر مربع. وعند أدنى درجات السطوع التي قاسها الباحثون، يرصد كل سلكٍ نانوي في الشبكية الاصطناعية 86 فوتونًا في الثانية، وهو ما يضاهي حساسية مستقبِلات الضوء في شبكية العين البشرية. ومردُّ هذه الحساسية إلى مادة البيروفسكايت، التي تدخل في صناعة الأسلاك النانوية. ويُذكر أنّ لمركّبات البيروفسكايت استخداماتٍ واعدةً في كثيرٍ من تطبيقات الأجهزة البصرية الإلكترونية، وكذلك تطبيقات الفوتونات2. ومركّب البيروفسكايت الذي استعان به الباحثون هنا هو فورماميدينيوم يوديد الرصاص، الذي وقع عليه الاختيار بالنظر إلى خصائصه البصرية الإلكترونية الممتازة، فضلًا عن أنه يتميز بدرجةٍ عاليةٍ من الاستقرار.

ودرجة استجابة تلك الأسلاك النانوية، التي تقيس شدة التيار الناتج لكل وات من الضوء الساقط عليها، هي نفسها تقريبًا عند جميع ترددات الجزء المرئي من طيف الأشعة الكهرومغناطيسية. وإضافةً إلى ذلك.. عندما تُستحث مصفوفة الأسلاك النانوية بنبضاتٍ ضوئية سريعة منتظمة، فإنَّ بإمكانها الاستجابة للنبضة الواحدة بإنتاج تيارٍ كهربي خلال مدى زمني لا يتعدى 19.2 ملِّي ثانية، كما إنّ زمن التوقف عن العمل بعد التعرُّض للنبضة الضوئية يمكن ألا يستغرق أكثر من 23.9 ملِّي ثانية فقط. ويُعَد زمن الاستجابة وزمن التوقف مقياسَين مهمّين، لأنَّهما يحددان -في الأساس- سرعة استجابة العين الاصطناعية للإشارات الضوئية. وبالمقارنة، يتراوح هذان الزمنان في مستقبلات الضوء بشبكية العين البشرية بين 40 و150 ملِّي ثانية.

ولعلَّ أكثر ما يثير الإعجاب في تلك الشبكية الاصطناعية، التي ابتكرها جو وزملاؤه، يكمُن في الدِّقة العالية المميِّزة للصور التي تلتقطها، والتي ترجع إلى الكثافة العالية لمصفوفة الأسلاك النانوية. ففي الشبكيات الاصطناعية السابقة، كانت مستشعرات الضوء تُصنَع أولًا على ركائز مسطحة صلبة، ثم يُتْبَع ذلك إما بنقل المستشعرات إلى سطوحٍ داعمة منحنية3، أو طيِّ الركائز بحيث تتخذ شكلًا منحنيًا4. وهو ما كان يحدّ من كثافة الوحدات المكوِّنة لجهاز التصوير، إذ لم يكن بُدٌّ من ترك مسافاتٍ فيما بينها، بما يتيح إجراء عمليتَي النقل، والطي، المذكورتين.

أما في جهاز جو وفريقه، في الجهة المقابلة، فنجد أنَّ الأسلاك النانوية تتشكَّل مباشرةً على سطحٍ منحنٍ، وهو ما يسمح لها بأن تُنضَّد على نحوٍ أوثق. والحقُّ أن كثافة الأسلاك النانوية في الجهاز تبلغ 4.6 × 810 سلك لكل سنتيمتر مربع، وهو ما يفوق كثيرًا كثافة مستقبلات الضوء في شبكية العين البشرية (حوالي 710 مستقبل لكل سنتيمتر مربع). وبينما يمكن الحصول على الإشارة من كل سلكٍ نانوي على حِدة، فإنَّ البكسلات في هذا الجهاز الجديد تكوَّنت من مجموعاتٍ من ثلاثة أو أربعة أسلاك نانوية.

وإنْ كان الأداء الإجمالي لهذه العين الاصطناعية التي طوَّرها جو وزملاؤه يمثل تقدمًا كبيرًا في مجال تطوير تلك الأجهزة، لا تزال هناك حاجة إلى كثيرٍ من التحسين. وأول ما يثير الانتباه في هذا المضمار أنَّ أبعاد مصفوفة مستشعرات الضوء في الجهاز تبلغ حاليًّا 10 × 10 بكسل فقط، فيما تبلغ المسافات البينية بين البكسلات 200 ميكرومتر تقريبًا، وهو ما يعني أنَّ منطقة رصد الضوء لا يزيد عرضها على ملِّيمترين اثنين فقط تقريبًا. وإضافةً إلى ذلك، تتضمن عملية تصنيع الجهاز بعض الخطوات عالية التكلفة، وقليلة الإنتاجية. ومِن بين هذه العمليات المكلِّفة -على سبيل المثال- عمليةٌ يُطلق عليها النقش بالأشعة الأيونية المركزة، تُستَخدم لتجهيز جميع المسام اللازمة لتشكيل الأسلاك النانوية. ولمَّا كان الأمر كذلك، فلا بد من تطوير طرق تصنيع عالية الإنتاجية مستقبلًا، بحيث يتسنَّى إنتاج كميات أكبر من مصفوفات مستشعرات الضوء، وبأسعارٍ أقل بكثير.

"لعلَّ أكثر ما يثير الإعجاب في تلك الشبكية الاصطناعية هو الدِّقة العالية المميِّزة للصور التي تلتقطها".

ثانيًا: يتطلب تحسين دقة الصور وحجم الشبكية تقليل حجم الأسلاك المعدنية السائلة.. فقُطرها الخارجي، الذي يبلغ حوالي 700 ميكرومتر، يُفضَّل أن يكون مكافئًا لقطر الأسلاك النانوية (بضعة ميكرومترات). ومن الصعب حاليًّا تقليص قُطْر تلك الأسلاك المعدنية إلى هذا المقدار.

ثالثًا: ما زالت هناك حاجة إلى مزيدٍ من الاختبارات، لتحديد عمر التشغيل الخاص بتلك الشبكية الاصطناعية. وفي هذا الصدد، يفيد واضعو الدراسة بأنَّه لم يُرصد نقصٌ ملحوظ في أداء الشبكية بعد تسع ساعاتٍ من التشغيل، وأمَّا أداء الأجهزة الكهروكيميائية الأخرى، فيمكن أن يتراجع بمرور الوقت. وأخيرًا، يشيرون إلى أنَّ زمنَي الاستجابة والتوقف عن العمل في جهازهم ينخفضان عند زيادة تركيز السائل الأيوني، إلا أنَّ هذا يتحقق على حساب انتقال الضوء عبر السائل. ومن ثم، يَلزم إدخال مزيدٍ من التحسينات على جودة تركيب السائل الأيوني من أجل معالجة هذه المشكلة.  

ورغم ذلك، فإنَّ جهاز جو وزملائه يُضاف إلى النجاحات التي تحققت على مدى العقود الخمسة الأخيرة3-9، والتي لم تقتصر على محاكاة العيون الشبيهة بالكاميرات (مثل عيون البشر)، وإنما شملت كذلك محاكاة العيون المركبة الشبيهة بعيون الحشرات. وفي ظل هذا التقدم، يبدو أنَّنا قد نشهد -خلال العقد القادم- طرْح العيون الاصطناعية والإلكترونية على نطاقٍ واسع، واستخدامها في حياتنا اليومية.

 

References

  1. Gu, L. et al. Nature581, 278-282 (2020) | article
  2. Stranks, S. D., Snaith, H. J. Nature Nanotechnol. 10, 391-402 (2015) | article
  3. Ko, H. C. et al. Nature454, 748-753 (2008) | article
  4. Zhang, K. et al. Nature Commun. 8, 1782 (2017) | article
  5. Jung, I. et al. Proc. Natl Acad. Sci. USA108, 1788-1793 (2011) | article
  6. Liu, H., Huang, Y., Jiang, H. Proc. Natl Acad. Sci. USA113, 3982-3985 (2016) | article
  7. Floreano, D. et al. Proc. Natl Acad. Sci. USA110, 9267-9272 (2013) | article
  8. Huang, C. C. et al. Small10, 3050–3057 (2014) | article
  9. Jeong, K. H., Kim, J., Lee, L. P. Science312, 557-561 (2006) | article

هونجري جيانج يعمل في أقسام الهندسة الكهربية، وهندسة الحاسوب، وعلوم المواد والهندسة، والهندسة الطبية الحيوية ، وطب العيون والعلوم البصرية، ومعهد ماكفرسون لبحوث العيون في جامعة ويسكونسن – ماديسون، بمدينة ماديسون، ويسكونسن 53706، الولايات المتحدة الأمريكية.

البريد الإلكتروني: hongrui@engr.wisc.edu