افتتاحيات

لا بد من مراعاة الطبيعة عند وضع استراتيجيات إنعاش الاقتصاد

للجائحة أثر مدمر على الاقتصاد. وفي الوقت الذي تُنعِش فيه البلدان نموها الاقتصادي، عليها إدراك أن هذا الانتعاش يعتمد على السلامة الإيكولوجية

  • Published online:

"إن مشكلة الفكرة القائلة "إن الطبيعة لا تُقهَر" هي أنها خاطئة. وما إنْ يقرّ الاقتصاديون بأنهم على خطأ في هذا الصدد، ستتاح لنا فرصة تغيير الطريقة التي نقيس بها التقدّم الاقتصادي -أو تعثُّره- تغييرًا جذريًّا، وخاصةً في البلدان النامية".

هكذا كَتَبَ عالِم الاقتصاد بارثا داسجوبتا في إحدى مقالاته المنشورة في دورية Nature في عام 2008  (P. Dasgupta Nature 456, 44; 2008). كان مقاله يشبه رثاءً للأرض، وَجَّهَه إلى زملائه الذين يدرسون النمو الاقتصادي، ويعتقدون خطأً أن الموارد الطبيعية التي نعتمد عليها -من الغابات، حتّى الوقود الأحفوري- ستظل على حالها إلى الأبد.

إلا أنه كان مُتفائلًا كذلك إذ كتب في هذا الصدد: "إن تضمين الطبيعة في الاعتبارات الاقتصادية ليس إلا مسألة وقت". ويبدو أنه كان على حق، فقد تغيّر الزمن. ويتعاون اليوم المزيد من الباحثين الاقتصاديين مع علماء البيئة، والعكس. وصارت الشركات والوكالات الحكومية تعي -أكثر من أيّ وقتٍ مضى- أننا نعتمد على عالَم الطبيعة الهشّ، لكنْ ثمّة فئة من الدوائر الحكومية ما زالت -إلى حد كبير- تتشبث بالعُرف القديم، إذ أبدت أكثرية وزارات المالية والاقتصاد الوطنية –التي يمكن القول إنها أقوى الهيئات الحكومية– مقاومة عنيدة لتغيير تصوّراتها عن الحياة الاقتصادية، وذلك حتّى وقتنا هذا.

إنّ التقارير الصادرة عن مشروع الألفية لتقييم الأنظمة الإيكولوجية، والمِنبر الحكومي الدولي المعنِيّ بالعلوم والسياسات في مجال التنوع البيولوجي، وتقارير خدمات الأنظمة الإيكولوجية، قد ساعدت كلها على توعية الحكومات بمعدّل الانخفاض غير المسبوق في التنوّع البيولوجي، وبحقيقة تعرُّض مليون نوع -على الأقل- لخطر الانقراض. وقد أولى وزراء المالية اهتمامًا بمدلول ذلك لأعمالهم.

ومن الجدير بالذكر أن صانعي السياسات في أرجاء الصين قد تَبَنّوا منذ بضع سنوات مقياسًا يُطلق عليه الناتج الإجمالي للنظم الإيكولوجية، وهو قياس للفوائد النقدية التي تنتجها هذه النظم من بضائع وخدمات تفيد الناس، كالحماية من الفيضانات، وتوفير المياه النظيفة.

وقد أخذت دول أخرى تلحق برَكب الصين. ففي العام الماضي، استعانت وزارة الخزانة البريطانية بالخبير الاقتصادي داسجوبتا؛ طلبًا للمشورة، وطرحت عليه ثلاثة أسئلة «تستوجب البحث»: ما الفوائد الاقتصادية للتنوّع البيولوجي؟ وما التكلفة الاقتصادية الناجمة عن فقدان التنوّع البيولوجي. وعلى سبيل المثال.. ما قيمة التكلفة الإضافية التي سنضطر لدفعها، إذا تعيّن على البشر إجراء عمليات تلقيح النباتات كافة؟ وما الإجراءات العملية التي يمكن اتخاذها لتعزيز التنوّع البيولوجي، والازدهار الاقتصادي، على حدٍ سواء؟

وخلال الأسبوع الماضي، كشف فريق داسجوبتا عن أنشطته الجارية في هيئة تقريرٍ مؤقت. وذكَّر الفريق جمهوره من صانعي السياسات الاقتصادية بأن الحياة البشرية بأكملها تُعدّ جزءًا من رأس المال الطبيعي، ومن الفوائد التي تحققها النظم الإيكولوجية، وأنها معتمدة على كلا الأمرين، وإنْ كانت النظم الاقتصادية لا تقدِّرهما في العادة، رغم أنهما ينحسران في الوقت الحالي. وإذا استمرّ رأس المال الطبيعي في الانكماش، فإن  مستويات المعيشة ستنخفض بالتبعية في نهاية المطاف، حتّى لو استمرّت التنمية، حسبما يقيسها الناتج الإجمالي المحلّي. ومن اللافت للنظر أن التقرير قد تجنب تقديم أمثلة نجاح، وطرْح خيارات للتغيير في هذا السياق، وهي أمور يجب ترقُّبها في النسخة النهائية منه. وقد رحب الفريق بإفادات الرأي، واستقبال تعليقات القراء على التقرير.

ما كان لهذا التقرير المؤقت أن يصدر في وقتٍ أفضل من هذا، ليس فقط على صعيد المملكة المتحدة، بل على مستوى العالم بأسره، إذ إن جائحة فيروس كورونا تدمِّر الأنظمة الاقتصادية. ويقدّم رؤساء الحكومات، ووزراء المالية، ووكالات الإقراض -على غرار البنك الدولي، وصندوق النقد- تريليونات الدولارات في صورة تمويلٍات تحفيزية تُضَخ لتحريك هذه الأنظمة، لكن الحاجة إلى إحياء النشاط الاقتصادي بصورة عاجلة تُؤجج المخاوف من أنْ يأتي ذلك على حساب الاستدامة البيئية.

ليس هذا مثار القلق الوحيد؛ فقد أُجِّلَت اجتماعات دولية بيئية رئيسة عديدة، كان يُفترض أن تنعقد هذا العام؛ مثل المؤتمرات التي ترعاها الأمم المتحدة بشأن تغيّر المناخ، والتنوّع البيولوجي، وأهداف التنمية المستدامة. وكان من المقرر أن ينطوي مؤتمر الأطراف الموقِّعة على اتفاقية التنوّع البيولوجي التي ترعاها الأمم المتحدة –المقرر انعقاده بمدينة كونمينج الصينية– على مناقشةٍ بشأن كيفية دمج التنوّع البيولوجي في المخططات الاقتصادية، وتوقيت هذا الدمج، لكنّ إرجاء هذه الاجتماعات إلى أجلٍ غير مُسمّى يُنذِر بالخطر.

ولحسن الحظ، نحن في الوقت الحالي بصدد إجراء مهم آخر، تقوم عليه أطراف متعددة، وهو المراجعة التالية لنظام الأمم المتحدة للحسابات القومية (SNA). ويُعَد هذا النظام المعيارَ العالمي لقياس النشاط الاقتصادي. ونادرًا ما تتم مراجعة أسس هذا المعيار، وسيتطلّب إتمام مراجعتها خمس سنوات. فمنذ الإصدار الأول لنظام الحسابات القومية في عام 1953، شهد خمس مراجعات فحسب، كان آخِرها في عام 2008. والآن، وللمرة الأولى، ستتضمن تلك المراجعة مناظرات ونقاشات بشأن الكيفية التي يمكن بها لقياس النشاط الاقتصادي أن يراعي -على نحو أفضل- الاستدامة، والرخاء. كما ستتناول المراجعة قيمة الاقتصاد الرقمي.

إن أهمّية تطورات كتلك بالنسبة إلى الاستدامة البيئية لا يمكن الاستهانة بها. كما إنها تضفي مزيدًا من الأهمية والضرورة على توقيت مراجعة داسجوبتا ورسالته التي تفيد بأن سلامة الأنظمة الاقتصادية رهن بسلامة الأنظمة الإيكولوجية. وتُعزى إليها أيضًا ضرورة تسليم تقرير داسجوبتا النهائي في الموعد المحدد خلال الخريف المقبل، حاملًا في طيّاته خيارات ملموسة لكيفية تضمين الاعتبارات المتعلقة بالطبيعة في عمل المؤسسات المعنيّة بالتخطيط الاقتصادي.

تتمحور خطط كلّ دولة وسياساتها الاقتصادية -عن حق- حول التعامل مع مرض «كوفيد-19» COVID-19 وآثاره، لكن بالتزامن مع انتعاش الأنظمة الاقتصادية، فقد آن أوان تعويض أوجه القصور الماضية، وإعادة بناء هذه الأنظمة بطريقة تضع القيمة الحقيقية للطبيعة في الاعتبار.

ويمكن لبادرة قويّة تصدر عن تقرير مستقل، كلّفت بإعداده وزارةُ ماليةِ إحدى أغنى دول العالم، أنْ تقطع شوطًا طويلًا في إقناع نظيراتها من الوزارات حول العالم بأنّ الانتعاش الاقتصادي -المطلوب بشدة- يجب أن يوائم الطبيعة، لا أنْ يعمل ضدها.