أخبار

تطوير دواء لفيروس كورونا ليس نهاية المطاف

يحاول مصنعو العقاقير تسريع عمليات الإنتاج المعقدة، في محاولةٍ لتلبية الطلب العالمي على أدوية «كوفيد-19» فور تطويرها، لكنَّهم يواجهون مشكلاتٍ في سلاسل الإمداد، وعقباتٍ تَحُول دون حصولهم على المواد اللازمة.

هايدي ليدفورد

  • Published online:
تسابق شركة «جيلياد» الزمن من أجل رفع إنتاج عقار «ريمديسيفير»، الذي اعتُمِد لعلاج مرض «كوفيد-19».

تسابق شركة «جيلياد» الزمن من أجل رفع إنتاج عقار «ريمديسيفير»، الذي اعتُمِد لعلاج مرض «كوفيد-19».

Ulrich Perrey/POOL/AFP/Getty

كان العالَم يتطلَّع إلى ظهور أي بارقة أمل في خِضمِّ المعركة الدائرة مع جائحة «كوفيد-19»، حين أقدم باحثون -في شهر إبريل الماضي- على نشر أول بياناتٍ تبعث على التفاؤل، قادمة من تجربةٍ إكلينيكية ضخمة لعقار «ريمديسيفير» Remdesivir المضاد للفيروسات. أفاد الباحثون أنَّ العقار قد نجح في تقليص مدة التعافي من المرض ببضعة أيام. صحيحٌ أن هذا لا يكفي للترويج للعقار بوصفه «علاجًا»، إلا أنهم يأملون في أن يسهم في تخفيف العبء الواقع على كاهل الأنظمة الصحية المُثقَلة، بيد أنَّ اكتشاف هذه الفعالية المحتمَلة لعقار «ريمديسيفير» لفت الانتباه إلى مشكلة أخرى سوف تعترض سبيل جهود تطوير علاجات للمرض، تتمثل في رفع إنتاجية عمليات التصنيع المعقدة لمثل تلك العلاجات، على النحو الذي يؤهِّل لمجابهة جائحة عالمية. وأكبر الظن أن هذه المشكلة سوف تضع العالم وجهًا لوجه مع أحد أكبر التحديات التي واجهها في مضمار تصنيع الأدوية على مرِّ تاريخه. فهناك علاجات تخضع للتجريب حاليًّا، تتسم بأنها جديدة، ويصعب إنتاجها على نطاق واسع. كما أن هناك علاجات أخرى، يواجه مصنعو العقاقير عقباتٍ تعرقل الجهود الرامية إلى زيادة إنتاجها، من بينها عقبات متعلقة بضعف سلاسل الإمداد، رغم أن هذه العلاجات هي مركّبات بسيطة نسبيًّا، ومستخدَمة منذ عقود.

وفي هذا الشأن، يقول إيزيكيل إيمانويل، عالِم أخلاقيات البيولوجيا بجامعة بنسلفانيا في مدينة فيلادلفيا الأمريكية: "ستكون مرحلة التصنيع واحدةً من أكثر المراحل تقييدًا لمعدل الإنتاج؛ إذ من الصعب رفع الإنتاج إلى مئات الملايين من الجرعات".

طيفٌ عريض من العقاقير

يعكف الباحثون على تجربة عددٍ كبير من العلاجات المحتمَلة لمرض «كوفيد-19». وتتسم تلك العلاجات بدرجاتٍ متفاوتة من التعقيد، بدءًا من الأدوية المكافئة (الجينيريك) الدارجة، مثل عقار «هيدروكسي كلوروكوين» المضاد للملاريا، وصولًا إلى الأدوية التجريبية صغيرة الجزيئات، مثل عقار «ريمديسيفير»، الذي سبق أن جُرِّب في علاج فيروس إيبولا. كما يدرس العلماء علاجات الأجسام المضادة، التي تثبط الاستجابة المناعية للجسم حين تصبح مدمرةً له، وهو ما يحدث لدى بعض المصابين بفيروس كورونا من ذوي الحالات الحرجة. ولو استرشدنا بتاريخ الأمراض المعدية، لاتَّضح أن التصدي لفيروس كورونا الجديد يتطلب مزيجًا من العقاقير، ينفرد كل منها بتأثيرٍ محدد على المرض، ولو كان تأثيرًا محدودًا نسبيًّا.

ويقول ستيفن تشيك، الذي يدرس إدارة الرعاية الصحية بكلية إنسياد لإدارة الأعمال في بلدية فونتينبلو بفرنسا، إنَّ كل علاجٍ سيواجه طائفة مختلفة من التحديات عند زيادة إنتاجه. ويضيف: ''إذا ثبت نُجُوع أحد العلاجات، واعتُمِدَت تقنيته، فينبغي أن يكون الصانع مستعدًا لتوفيره، وإلَّا فسوف يجد نفسه في ورطة".

والحق أن شركة «جيلياد ساينسز» Gilead Sciences المنتِجة لعقار «ريمديسيفير»، التي يقع مقرُّها في مدينة فوستر سيتي بولاية كاليفورنيا الأمريكية، تعمل منذ شهور على زيادة الكمية المنتَجة من العقار، حتى قبل نشر البيانات الأخيرة المذكورة. وعقب موافقة إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) -في الأول من مايو الماضي- على الاستخدام الطارئ للعقار في علاج مرض «كوفيد-19»، أعلنت الشركة أنَّها تواصلت مع مصنعي العقاقير حول العالم، بُغية إيجاد طرقٍ لزيادة الإنتاج.

وبحلول ذلك الحين، كانت الشركة قد أخذت بالفعل تسريع عملية تصنيع العقار، فخفضت المدة اللازمة لإنتاج دفعاتٍ كبيرة منه إلى 6-8 أشهر، بعد أن كانت تبلغ 9-12 شهرًا، بالإضافة إلى البحث عن مصادر بديلة للمواد الكيميائية النادرة اللازمة لصنعه. وقدَّرت الشركة أنَّها قد تستطيع إنتاج كميةٍ من العقار تكفي لعلاج مليون شخص بحلول نهاية العام الجاري، وأن هذه الكمية قد تغطي ضِعف هذا العدد، إذا ما تبيَّن أن استخدام جرعاتٍ أقل من العقار يكفي لتقليص مدة التعافي من المرض.

وقد نوَّهت الشركة أيضًا إلى أن إنتاج العقار ينطوي على عملية تصنيع كيمائية معقدة، يمكن لكل خطوةٍ فيها أن تستغرق عدة أسابيع، وقد يعوقها نقص مكوناته الأساسية، حيث إن تركيب العقار يحاكي وحدات البناء النيوكليوتيدية، التي يعتمد عليها الفيروس في نسخ الجينوم الخاص بحمضه النووي الريبي. وعن طريق هذه المحاكاة، يعوق «ريمديسيفير» الإنزيم الذي يستخدمه فيروس كورونا في التكاثر.

البحث عن صفقة

من بين أكبر التحديات التي تواجهها شركة «جيلياد» -على وجه الخصوص- أنَّها لم تكن تنتج عقارها بكمياتٍ كبيرة قبل حلول الجائحة، إلا أنَّ ديفيد سيمشي-ليفي -الباحث المتخصص في العمليات بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا في مدينة كامبريدج الأمريكية- يرى أنَّ زيادة الإنتاجية تمثل مشكلةً، حتى بالنسبة إلى المُركَّبات التي كانت تُنتَج بكمياتٍ كبيرة، مثل عقار «هيدروكسي كلوروكوين»، وشبيهه الكيميائي «كلوروكوين».

فعلى مدار العقدين الماضيين، شهدت صناعات كثيرة اتجاه المُصنِّعين إلى الأخذ بما يُعرف بنموذج التصنيع «الرشيق»، الذي يتضمن تقليل مخزون المواد الخام والمنتجات النهائية لدى المصنِّعين. وأضاف سيمشي ليفي: "ثبت نجاح هذا النموذج في خفض التكاليف، لكنَّه -في المقابل- زاد من فرص تعرّض تلك الصناعات للخطر".

وإضافةً إلى ذلك.. راحت الشركات تبحث عن مورِّدين للمواد الخام بتكلفةٍ منخفضة في عدد من البلدان، منها الصين والهند، ولكنْ إذا ما ألمَّت بالعالم كارثة مثل هذه الجائحة، فقد تتجه تلك البلدان إلى الحدِّ من تصدير مكونات الأدوية، لضمان توفُّرها لشعوبها.

وقد أظهرت أبحاث سيمشي-ليفي وزملائه في مجال صناعة السيارات أنَّ الحلقة الأضعف في سلسلة الإمداد تمثَّلتْ في مورِّدي المكونات الضرورية الرخيصة، التي لا تزيد تكلفتها على عشرة سنتات. وأضاف الباحث أنّ ذلك ربما ينطبق أيضًا على صناعاتٍ أخرى، منها صناعة المستحضرات الدوائية، التي يخشى القائمون عليها من عدم توفر ما يكفي من القناني الزجاجية، لإنتاج لقاحات فيروس كورونا، وتوزيعها فور تطويرها. وأردف قائلًا: "إذا تعطَّل توريد تلك المكونات، فسوف يجد الصانع نفسه مضطرًّا إلى تعطيل خط الإنتاج. زِد على ذلك.. أنَّ هناك شركات عديدة لا تمتلك فهمًا كافيًا لسلاسل الإمداد الخاصة بها، لتَعْلَم مَن يمدّ مورديها بالمكونات".

ثلاث مراحل

فيما يتعلق بالعقاقير صغيرة الجزيئات، مثل «ريمديسيفير»، أو «هيدروكسي كلوروكوين»، تجدُر الإشارة إلى أن عملية الإنتاج تتضمَّن- بوجهٍ عام- ثلاث مراحل أساسية. تنتج المرحلة الأولى المادة الفعالة في العقار، وتُعدِّله الثانية لجعله مستقرًا، ولزيادة امتصاص الجسم له، أمَّا الثالثة، فتعبئ العقار في كبسولاتٍ، أو قنانٍ، على سبيل المثال. وتخضع تلك المراحل الثلاث للمراقبة من قِبل الجهات الرقابية المختصة، التي تتفقد المنشآت بصفة دورية، للتأكد من التقيد بمعايير الجودة والسلامة.

إنّ عدد منشآت تصنيع الأدوية المعتمَدة من الجهات الرقابية قليلٌ نسبيًّا، وهو ما يعني أنَّه عند إخفاق إحداها في اجتياز عملية التفتيش، أو عند الحاجة إلى منشآتٍ إضافية لإنتاج كمياتٍ أكبر من عقارٍ معين، ربما يكون من الصعب العثور على منشآتٍ بديلة. وفي تعليقه على تلك المسألة، يقول سيمشي-ليفي: "قد يكون لهذا الأمر تأثيرٌ بالغ؛ إذ من الواضح أن ثمة اعتمادًا كبيرًا على عددٍ محدودٍ من منشآت التصنيع".

أما العلاجات الأكثر تعقيدًا، مثل تلك القائمة على البروتينات أو الأجسام المضادة، فقد تواجه عمليات إنتاجها صعوبات أكبر. ويأمل الباحثون أن تساعد الأجسام المضادة المثبِّطة لعملياتٍ مناعية بعينها في علاج مرض «كوفيد-19»، عن طريق كبح الاستجابات المناعية الخارجة عن السيطرة. وتُصنِّع شركة «جينينتك» Genentech -الواقعة في مدينة ساوث سان فرانسيسكو بولاية كاليفورنيا الأمريكية- واحدًا من تلك الأجسام المضادة، يُدعى عقار «توسيليزوماب» tocilizumab، ويُعرف بالاسم التجاري «أكتيمرا» Actemra. يعمل هذا العقار على تثبيط نشاط واحدٍ من الإنترلوكينات المُنظِّمة للجهاز المناعي، يُسمَّى «إنترولكين-6» IL-6. وقد سبق الاعتماد على هذا العقار في علاج بعض أمراض التهابات المفاصل، ولكن إذا ثبتت فعاليته في علاج «كوفيد-19»، فسوف يتعين على الشركة زيادة إنتاجه بدرجةٍ كبيرة.

يُذكر أن العلاجات القائمة على الأجسام المضادة، مثل «توسيليزوماب»، تُنتَج داخل خلايا تنمو في مزرعةٍ خلوية، وكثيرًا ما تُجرى تلك العملية في خلايا مبايض حيوان الهامستر الصيني. وقد شهدت الآونة الأخيرة إقبالًا متناميًا على استخدام الأجسام المضادة في علاج أمراض عدَّة، تشمل أنواعًا مختلفة من السرطانات، والتهاب المفاصل. وبدورها، أسهمت الأبحاث في زيادة الكميات المنتَجة من تلك العلاجات، إذ يقول تشارلز كريستي، رئيس قسم الحلول التجارية بشركة الكيماويات «لونزا» Lonza، التي يقع مقرها في مدينة فيسب السويسرية، إنَّه قبل حوالي عشر سنوات، كان المُصنِّعون يتوقعون الحصول على أقل من جرامٍ واحد من الأجسام المضادة لكل لترٍ من المزارع الخلوية، أما اليوم، فهم يستخرجون عادةً 5 جرامات أو أكثر من الحجم نفسه.

وقد تكفي مزرعةٌ خلوية بحجم ألفي لتر لإنتاج الأجسام المضادة اللازمة لإجراء المراحل الأولى من تجربةٍ إكلينيكية، ولكنْ بإمكان مصنِّعي العقاقير زيادة حجم المزارع الخلوية المُنمَّاة في خزَّاناتٍ فولاذية ضخمة حتى 20 ألف لتر، لتوفير متطلبات التجارب الإكلينيكية الأوسع نطاقًا، وطرح علاجات الأجسام المضادة في الأسواق.

وأبان كريستي أنَّه عادةً ما يكون هناك عدة مورِّدين للكواشف الأساسية المستخدمة في صناعة العقاقير القائمة على الأجسام المضادة، بالنظر إلى أنَّ تلك العقاقير أصبحت تشكِّل قطاعًا كبيرًا من مجال الصناعات الدوائية. ويستدرك بقوله إن هناك دومًا احتمالًا قائمًا أنْ تُباغِتك المشكلات من حيث لا تدري. ويضيف قائلًا: "نحرص كل الحرص على مراجعة سلسلة إمداداتنا، وكذلك يفعل الآخرون".

وبينما لم تثبت بَعدُ فعالية عقار «توسيليزوماب» في مساعدة المصابين بمرض «كوفيد-19» على الشفاء، تقول شركة «جينينتك» إنَّها زادت بالفعل إنتاجه بنسبة 50%، وتعمل على رفع طاقتها الإنتاجية إلى ما هو أكثر من ذلك.

طلبٌ هائل

وحتى في حالة نجاح الشركات في رفع إنتاجها على نحوٍ استباقي، ما من شكٍ في أن حجم الطلب سيتجاوز الكميات الأولية المتوفرة من أي مركّبٍ تثبُت فعاليته في علاج مرض «كوفيد-19». وهذا ما قد يُلجئ الشركات إلى السيناريو المخيف، المتمثل في الاضطرار إلى تحديد مَن سيحصل على تلك العلاجات أولًا. والحق أن هناك شكاوى تتعلق بتوزيع عقار «ريمديسيفير» قد بدأت تتناهى إلى الأسماع؛ إذ تبرعت شركة «جيلياد» بمخزونها من العقار لعلاج مرض «كوفيد-19»، مخصِّصةً حوالي 40% منه للولايات المتحدة، وهو ما يكفي لعلاج 78 ألف شخص. وأخذت الحكومة الأمريكية توزِّع قناني الدواء على الولايات، لكنْ هناك مستشفيات جأرتْ بالشكوى، إذ لم يكن لها من العقار نصيب.

كما أعلنت شركة «جيلياد» في الأسبوع الثالث من شهر مايو أنَّها أبرمت اتفاقاتٍ مع خمسةٍ من مصنِّعي العقاقير المكافئة. ويمكن الآن لتلك الشركات إنتاج عقار «ريمديسيفير»، لتوزيعه في 127 دولةً تفتقر إلى خدمات الرعاية الصحية، دون أن تتحصَّل الشركة على عائدات حقوق الملكية. وستظل تلك الاتفاقية ساريةً، حتى تنتهي حالة الطوارئ الصحية العالمية المفروضة حاليًّا، أو إلى حين اكتشاف علاج أو لقاح آخر للمرض.

ويقول إيمانويل إنَّ المخاوف الحالية بشأن توفر الأدوية اللازمة لمكافحة الجائحة قد أُثيرت في الماضي، أثناء تفشي مرض إنفلونزا الخنازير (H1N1)، في عام 2009، على سبيل المثال. حينها، سارعت الدول إلى اختزان عقار «تاميفلو» Tamiflu المضاد للإنفلونزا. وأضاف قائلًا: "لقد كان الوضع فوضويًّا"، إلا أن أحدًا لم يتصدَّ لحل تلك المشكلات بشكل جذري، نظرًا إلى أن الفاشية ما لبثت أن انتهت في فترة وجيزة. وختم إيمانويل قائلًا: "الناس يمضون في حياتهم، ولا أحد يرغب في قضاء الوقت الكافي لحلّ ما يعرِض من مشكلات، لكنَّ ذلك لن يحدث هذه المرة؛ حيث إننا بإزاء مشكلة ستلازمنا سنواتٍ طويلة".