كتب وفنون

جاليليو.. الصلة الدائمة بين حياته وحياتنا

مع تعاظُم إنكار الحقائق العلمية، ليس هناك أفضل من التدبر في قصة جاليليو من جديد.

أليسون أبوت

  • Published online:
في القرن السابع عشر، تَعَرَّض جاليليو للاضطهاد، بسبب آرائه الهرطقية في علم الفلك.

في القرن السابع عشر، تَعَرَّض جاليليو للاضطهاد، بسبب آرائه الهرطقية في علم الفلك.

Hulton Archive/Getty

«جاليليو ومنكِرو العِلم» 

ماريو ليفيو

دار نشر «سيمون وشوستر»  (2020)

هل ثمة مكان لسيرةٍ جديدة عن جاليليو جاليلي، وسط هذا العدد الضخم من المؤلفات التي تتناول حياته؟ يراهن ماريو ليفيو -عالِم الفيزياء الفلكية- في كتابه «جاليليو ومنكرو العلم» Galileo and the Science Deniers بأن ثمة متسعًا لها. ويسعى الكتاب إلى التميز من خلال التعرُّض لرجل عصر النهضة الأصلي واكتشافاته من منظور السياق العلمي والاجتماعي الحديث. وعلى وجه الخصوص، يحاجج ليفيو في كتابه بأنَّ هناك تشابهًا كبيرًا بين تُهَم الهرطقة التي واجهها جاليليو، بسبب مزاعمه العلمية في القرن السابع عشر، وبين التُّهم التي يطْلقها منكرو الحقائق العلمية في يومنا هذا.

وُلد جاليليو في عام 1564 في مدينة بيزا الإيطالية، في عائلةٍ من المفكرين، كانت ثروتها تتضاءل آنذاك، واتجه إلى دراسة الطب بجامعة بيزا، لكنَّه سرعان ما عدَل عن مساره، واتجه -بدلًا من ذلك- إلى دراسة الرياضيات، التي لطالما أثارت شغفه. وقد كتب في هذا الصدد جملةً شهيرة، مفادها أنَّ الكون "خُط بلغة الرياضيات". وتلك اللغة الخاصة مكّنته من نبذ الاعتماد على علم الكونيات الأرسطي، الذي حظي بإجلال الكنيسة الكاثوليكية، وأتاحت له تطوير نهجٍ كمي جديد لدراسة الطبيعة.

وأثناء وجوده في مدينة بيزا، تعمَّق جاليليو في دراسة علم الميكانيكا، مستخدمًا ملاحظاته للتشكيك في الأفكار المُسلَّم بها عن الحركة (لكنَّ ليفيو يُذكِّرنا بأنَّ جاليليو لم يجرِ -على الأرجح- تلك التجربة الشهيرة، التي يُقال إنَّه أسقط فيها كراتٍ من برج المدينة المائل، ووجد أنَّها تقع بالسرعة نفسها، بغضّ النظر عن اختلاف كتلتها).

وفي عام 1592، انتقل جاليليو إلى جامعة بادوا في إيطاليا، التي كانت حينها بيئةً ليبرالية الفكر، تقع -لحسن الحظ- خارج حدود سلطة البابا. وهناك، بدأ في مناقشة النظرية الثورية التي اقترحها في عام 1543 عالِم الرياضيات البولندي نيكولاس كوبرنيكوس، القائلة إنَّ الأرض تدور -في الواقع- حول الشمس، وليست المركز الثابت للكون، حسبما أكد أرسطو. 

ينظم ليفيو سرده لحياة جاليلو بالاعتماد جزئيًّا على بعضٍ من أعمال الأخير، منها كتابه «الرسول النجمي» The Sidereal Messenger، المنشور في عام 1610، الذي وصف ملاحظاته الفلكية المهمة. ففي أثناء عمل جاليليو في بادوا، زار كثيرًا ميناء البندقية القريب من المدينة، وهناك تعرَّف على أداة المنظار المُقرِّب، التي كانت وقتها أداةً حديثة معقدة، صُنعت في هولندا، ويمكن استخدامها لرؤية السفن أثناء اقترابها. لكنَّ جاليليو وجَّه المنظار المقرِّب إلى السماء، ليتوصل إلى الاكتشافات التي غيَّرت مسار عِلم الفلك، ووضعته على الطريق الذي رسمه له القدر.

 رأي جاليليو في ملاحظاته الأولى أنَّ القمر لم يكن كرةً ملساء، بل زخرت تضاريسه بكثير من الجبال. وهو ما ناقض رأي الكنيسة، القائل إنّ السماوات تتمتع بتكوين مثالي، لا يتغيَّر، بخلاف الأرض المضطربة، التي ضربها الفساد. ولاحظ جاليليو أيضًا أقمارًا تدور حول كوكب المشترى، وهو ما شكك في حجة مركزيةِ الأرض، الزاعمة أنَّها إذا تحركت ستفقد قمرها.

وفي عام 1610، سعيًا وراء المال، رحل جاليليو عن بادوا الآمنة، مخالفًا بذلك نصح أصدقائه، واتجه إلى مدينة فلورنسا؛ للعمل لدى كوزيمو دي ميديتشي الثاني، دوق توسكانا الأكبر. ورغم أنَّه كان حينها يعيش ضمن نطاق نفوذ البابا، نشر في عام 1632 كتابه «حوارٌ حول النظامين الرئيسَين للكون» Dialogue Concerning the Two Chief World Systems، وهو حوار تخيلي بين مناصرٍ لفكرة مركزية الشمس، يُدعى سالفياتي، وشخصٍ آخر يُدعى سيمبليسيكو، يفتقر إلى الذكاء، ويؤمن بمركزية الأرض.

وقد كان طَرْح منظور البابا القائل إنَّ الإله بطبيعته هو خارج حدود الفهم البشري على لسان شخص يتسم بالغباء ضربًا من المجازفة. وبينما زادت شهرة جاليليو، وثروته، زادت معهما سلطة أعدائه وتصميمهم، إلى أن استدعته في النهاية محاكم التفتيش. وفي سرد مشوّق عن المحاكمة، يصف ليفيو كيف رفضت مَحاكم التفتيش زعم جاليليو بأنَّ الحوار في كتابه يقدم جدالًا متوازنًا، أنكر في النهاية نموذج كوبرنيكس. وفي الثاني والعشرين من يونيو عام 1633، جثا جاليليو -الذي كان من أجلّ علماء العالَم حينها- على ركبتيه أمام أعضاء المحكمة، متنصلًا من الأخطاء والبدع المتأصلة في نظرية كوبرنيكوس.

وقد حلَّل ليفيو في كتابه كَمًّا هائلًا من الأدلة المتوفرة عن حياة جاليليو ومحاكمته، والتي تتسم بالغموض في كثيرٍ من الأحيان. كما تناول بالتعليق الاستنتاجات التي خلص إليها مؤرخون عديدون، وكتب أنَّ الملخص الرسمي لوقائع المحاكمة "كشف عن وجود نيةٍ واضحة لإظهار جاليليو في أسوأ صورةٍ ممكنة". ويشك ليفيو كذلك، شأنه شأن آخرين سبقوه، فيما زُعم حول تمتمة جاليليو بتَحَدٍّ أثناء رحيله من المحكمة: "لكنَّها بالفعل تتحرك"، قاصدًا الأرض، وقاصدًا أنها ليست ثابتة، بل تدور حول الشمس.

قد تصعب متابعة الكتاب، بسبب تنقُّله بين أحداث حياة جاليليو، دون مراعاة ترتيبها الزمني، لكنَّ ذلك سمح لليفيو بالتركيز على المحاور الأبرز في حياة جاليليو، مثل معرفته بتخصصاتٍ وحقولٍ علمية مختلفة، إذ يسلط الضوء على دراسة جاليليو طوال حياته للشعراء الإيطاليين الكبار: دانتي أليجييري، وتوركواتو تاسو، ولودوفيكو أريوستو. ويشير إلى أنَّ مهارات الرسم لديه، ومعرفته بفن الرسم المنظوري، مكّنته من فهْم أنَّ المناطق الداكنة على القمر هي نتيجة للظلال التي تُلقِي بها جباله عليه، ومن ثمَّ صوَّرها بألوانٍ مائية بديعة.

ويصل ليفيو إلى ذروة تألقه حين يناقش كيف أنَّ مفاهيم جاليليو العلمية مقاربة لها لدى باحثي يومنا هذا. فعلى سبيل المثال، أشار جاليليو إلى أنَّ المذنّبات قد تكون ظواهر بصرية، ناتجة عن انعكاس ضوء الشمس من خلال الأبخرة المنبعثة من الأرض. ونحن نعرف الآن أنَّها "كراتٌ ثلجية مغبرة"، تتألف من مزيجٍ من الجليد، والصخر، والغبار، والغازات المتجمدة، وأنَ بعض هذه المكونات يتبخر عند اقترابه من الشمس، مما يمنح المذنّبات ذيلين، أحدهما مكون من غبار يعكس ضوء الشمس، وآخَر من غازٍ يتوهج عند تأيُّنه.

".. لكنَّ منتقدي العلم، بدءًا من مؤيدي نظرية الخلق، حتى دونالد ترامب، يشككون في الحجج العلمية من خلال استغلال الفجوات المعرفية".

أما فيما يتعلق بمنكري العِلم في عصرنا الحالي، فيتناول ليفيو بإيجاز كيف أنَّ الأديان والمَصالح التجارية ما زالت تتآمر لمهاجمة الأدلة على التطور، والتغيرات المناخية الناتجة عن الأنشطة البشرية. وأشار -بوجه عام- إلى أنَّ "العمليات غير المفهومة تمامًا لا يمكن اعتبارها باطلة المصداقية"، لكنَّ منتقدي العِلم، بدءًا من مؤيدي نظرية الخلق، حتى دونالد ترامب، يشككون في الحجج العلمية من خلال استغلال الفجوات المعرفية. وهي فكرةٌ وثيقة الصلة بما حدث مع جاليليو إلى درجةٍ مرعبة، لكنَّ أوجه الشبه التي يشير إليها ليفيو بين محاكمة جاليليو، والمعارك العلمية المعاصرة، تبدو غير مقنعة، إضافةً إلى أن ما يورِده من أمثلةٍ على استمرارية إنكار العلم على مر القرون قليل إلى حد محبط.

ومع ذلك، فقد أضاف ليفيو بكتابه إلى المؤلفات حول جاليليو سرديةً علمية يسهل فهمها، يشع من خلالها حبه العميق للعالِم الشهير.

أليسون أبوت كاتبة تقيم في مدينة ميونخ الألمانية.

 البريد الإلكتروني: abbott.alison@googlemail.com