أخبار

الصين تختبر الخلايا الجذعية المُعَادَة بَرْمَجَتُها لعلاج أمراض القلب

اعتمدت التجربة العلاجية على استخدام الخلايا الجذعية المستحَثة متعددة القدرات، ولكنْ لا سبيل إلى التحقق من نجاح تلك التجربة التي لم تُنشر نتائجها بعد.

سمريتي مالاباتي
  • Published online:
عضلة القلب المستمَدّة من خلايا جذعية مستحَثة متعددة القدرات

عضلة القلب المستمَدّة من خلايا جذعية مستحَثة متعددة القدرات

THOMAS DEERINCK, NCMIR/SPL

تَلَقَّى رجلان في الصين، لأول مرةٍ على مستوى العالم، علاجًا تجريبيًّا لأمراض القلب، يَعتمِد في تركيبه على خلايا جذعية مُعادَة برمجتها (reprogrammed). وقد تعافيا تمامًا بعد مُضيِّ عامٍ واحد، حسبما أفاد جَرّاح القلب الذي أجرى هذه الإجراءات العلاجية. وفي تصريحٍ لدورية Nature، أوضح الجرّاح أن الرجلين قد حُقِنا في شهر مايو من عام 2019 بخلايا عضلة قلبٍ مأخوذة من خلايا جذعية مستحَثة متعددة القدرات (iPS)، فيما يُعتبر أول تطبيق إكلينيكي معروف لتقنية تَعتمِد على هذا النوع من الخلايا الجذعية في علاج حالات اعتلال عضلة القلب.

إنَّ نتائج هذا العلاج التجريبيّ لم تُنشر بعد. وعليه، حذر باحثون -من غير المشاركين في هذا العمل- من عدم وجود طريقة للتحقق من نجاح العلاج، بما في ذلك التعرُّف على ما إذا كانت النتائج الإيجابية التي أُبلغ عنها قد جاءت نتيجة للعلاج المعتمِد على الخلايا الجذعية المذكورة، أم أنها ترجع -ببساطة- إلى مجازة القلب التي صاحبت العلاج.

بيد أن وانج دونجين، الجرَّاح بمستشفى «نانجينج دروم تاور» Nanjing Drum Tower، تحدث إلى Nature بالتفصيل حول تلك العملية الجراحية، وعن حالة المريضين. يقول أحدهما –ويُدعى هان دايونج، وهو كهربائي، يبلغ من العمر 55 عامًا، من مدينة يانجتشو، الواقعة شرقَ الصين، وتلقَّى العلاج المشار إليه، كما أُجريت له مجازة في القلب– إنه راضٍ تمامًا عن النتيجة، متذكرًا شعوره بالإعياء، ومعاناته من ضيق التنفس قبل إجراء الجراحة. أما الآن، فقد صار في مقدوره أن يمارس المشي، وأن يصعد الدَّرَج، وأن ينعَم بالنوم ليلًا. ويضيف قائلًا: "لقد فاقت النتيجة توقعاتي".

من جانبه، قال وانج جاشيان، رئيس شركة «هيلب ثيرابيوتكس» HELP Therapeutics -وهي شركة متخصصة في مجال التكنولوجيا الحيوية، يقع مقرها في نانجينج، وهي التي أتاحت خلايا عضلة القلب المُستخدَمة في الدراسة- إن الفريق المعالج يعتزم نشر نتائج الجراحة التي خضع لها المريضان في وقت لاحق من العام الجاري، مضيفًا قائلًا إنّ الفريق حصل على موافقة لتوسيع نطاق الدراسة، بما يشمل 20 مريضًا آخرين.

وليست هذه التجربة هي الوحيدة من نوعها. ففي شهر يناير الماضي، استخدم جراح القلب الياباني، يوشيكي ساوا، خلايا قلب مأخوذة من النوع ذاته من الخلايا الجذعية، مصمَّمة لعلاج أمراض القلب، وأدخلها إلى جسم أحد المرضى، إلا أنَّ فريقه يعتمد نهجًا مغايرًا، يقوم على تطعيم صفائح الخلايا على جدار القلب نفسه، بدلًا من حَقْنها فيه.

على مدى عقود، لم تنقطع محاولات العلماء عن استخدام خلايا جذعية بالغة في علاج أمراض القلب -التي تُعدُّ سببًا رئيسًا للوفاة في جميع أنحاء العالم- عاقِدِين الأمل على أن تتحول هذه الخلايا إلى خلايا عضلية بمجرد حقنها في القلب، ولكنْ بعدما تَبيَّن لهم أن التجارب على البشر غير حاسمة، التجأوا إلى الخلايا الجذعية المستحثة متعددة القدرات، التي حصلوا عليها عن طريق حث الخلايا البالغة على النكوص إلى حالة تشبه الحالة الجنينية، ويمكن أن تتطور منها أنواع أخرى من الخلايا، مثل خلايا عضلة القلب.

وتشير الأدلة المستمدة من التجارب التي أُجريت على القوارض والقرود إلى أنَّ حقن خلايا القلب المأخوذة من الخلايا الجذعية المستحَثة متعددة القدرات مباشرةً إلى القلب يجدِّد أنسجة العضلات، ويُحسِّن من وظيفة هذا العضو1. ويأمل الباحثون في أن تنتهي التجارب الأولى المُجراة على البشر إلى النتيجة نفسها.

ويعلق فولفرام-هوبيرتوس زيمرمان، اختصاصي الصيدلة بمركز جوتنجن الطبي الجامعي في ألمانيا، قائلًا: "يا لها من أوقاتٍ مثيرة حقًّا!".

وبالإضافة إلى الدراسة التجريبية للخلايا الجذعية المستحثة متعددة القدرات، التي تُجري حاليًّا في اليابان، من المقرَّر إجراء عدة دراسات أخرى في فرنسا والولايات المتحدة، فضلًا عن دراسةٍ يخطط زيمرمان لإجرائها في ألمانيا.

السلامة أولًا

أصاب خبر إجراء التجربة الصينية الكثيرين بالدهشة، ممَّن لم يكونوا على درايةٍ بأن الباحثين هناك قد تغلبوا على واحد من أكبر التحديات في هذا المجال؛ تمثَّل في الحاجة إلى إنتاج أعداد ضخمة من خلايا عضلة القلب المأخوذة من الخلايا الجذعية المستحثة متعددة القدرات في حالة نقيةٍ إلى الحدِّ الذي يسمح بتطبيقها على البشر. ولكي يتحقق ذلك على النحو الصحيح، يتطلَّب الأمر بَذْلَ كثيرٍ من الوقت والجهد؛ ولذلك لم ينجح في تحقيقه سوى عدد محدودٍ جدًّا من الشركات أو المجموعات البحثية، حسب قول تشارلز موري، اختصاصي علم الأمراض بجامعة واشنطن في سياتل، الذي يعتزم -هو الآخر- حقْن الخلايا في قلوب البشر.

وفي تصريحٍ أدلى به وانج جاشيان، قال إنَّ شركته قد استغرقت في تطوير هذه الخلايا مدةً تقارب أربع سنوات. ومن جهته، أخبر وانج دونجين دورية Nature أنه قد استعان بنحو 100 مليون خلية من خلايا عضلة القلب المستمدة من الخلايا الجذعية المذكورة آنفًا، أمكن تخليقها اعتمادًا على خلايا متبرع سليم، ثم حُقنت حول أنسجة القلب التالفة لدى اثنين من مرضاه. وفي الوقت نفسه، خضع الرجلان، اللذان كانا مصابَين بأمراض قلبية حادة، لعملية مجازة شريان تاجي، زُرعت فيها أوعية من أماكن أخرى في الجسم على الشريان التاجي، لتحسين تدفق الدم.

وذَكر جاشيان أن هدفه كان تقييم سلامة حَقْن الخلايا، وأنه شعر بالارتياح عندما لاحظ تحسُّن وظائف القلب بشكلٍ ملحوظ لدى المريضين اللذين خضعا للجراحة. وأضاف قائلًا إنّ أيًّا من المريضين لم يُصَب بأورام، حيث إنها تُعَدّ من مخاطر استخدام الخلايا الجذعية متعددة القدرات.

ولمنع الجسم من مهاجمة خلايا عضلة القلب، حسب شرح جاشيان، تناول المريضان أدوية مثبطة للمناعة. استمرَّ أحدهما في تناول هذه الأدوية لمدة شهر، أما الآخر، فقد اضطُرّ إلى التوقف بعد أسبوعٍ واحد؛ نتيجة للآثار الجانبية المصاحبة للدواء. وأوضح أنَّ الجراحة لم تسفر عن أي خلل مستديم في معدل ضربات القلب. وهو ما عَقَّب عليه زيمرمان بقوله إنَّ هذه علامة على أنَّ الجراحة آمنة، وإنْ كان من الضروري أن تخضع للاختبار على مزيد من الأشخاص.

ومن جهةٍ أخرى.. يرى موري أن الفوائد الصحية التي لوحظت على المريضين لا يمكن أن تُعزى إلى الخلايا المُعادَة برمجتها فحسب، حيث إنهما قد خضعا أيضًا لعملية مجازة تاجية. ويضيف قائلًا: "إذا خضع المريض لإجراءين علاجيين، تسببا في تحسُّن حالته، فليس بإمكاننا تحديد أيهما يقف وراء هذا التحسُّن".

وينقسم الباحثون حول أفضل طريقة لإدخال خلايا عضلة القلب. فعادة ما يكون حَقْنها أقل تدخلًا من تطعيم صفائح الخلايا، لأن الحَقْن لا يتطلب إجراء عملية جراحية؛ على الرغم من أن المريضين الصينيَّين قد خضعا بالفعل لجراحة مجازة القلب. ويسوق أنصار الحَقْن حُجَّة أخرى، مفادُها أنَّ إجراء العملية على الحيوانات قد أتاح للأنسجة الاندماج بشكل أفضل في القلب، وإنتاج عضلة جديدة2.

يقول فيليب ميناشيه -جرّاح القلب في جامعة باريس- إن الحَقْن يتسبب في إحداث ثقوب في القلب في مواضع متعددة، مما قد يضرّ بالأنسجة.

وفي يناير الماضي، أقدم ساوا -الجَرّاح بجامعة أوساكا في اليابان- على تجربة النهج البديل؛ إذ عالج مريضًا يعاني اعتلالًا في عضلة القلب، عن طريق تطعيم القلب بصفائح تحتوي على 100 مليون خلية عضلة قلبية. وأفاد ساوا بأنّ المريض قد غادر غرفة العناية المركزة في غضون أيام قليلة، وهو بصدد إجراء العملية على ثمانية أشخاص آخرين.

وتفيد التجارب التي أجريت على الحيوانات بأنّ زراعة الخلايا في صورة صفائح أو رُقع عادةً ما تتسبب في بقائها حيّة، بخلاف عمليات الحَقْن، ولكن الدراسات أظهرت أيضًا أن مثل هذه الخلايا المُطعَّمة لا تَخفُق بشكل متزامن مع عضلة القلب3.

References

  1. Liu, Y.-W. et al. Nature Biotechnol. 36, 597–605 (2018). | article
  2. Gerbin, K. A., Yang, X., Murry, C. E. & Coulombe, K. L. PLoS ONE 10, e0131446 (2015). | article
  3. Zimmermann, W.-H. Curr. Opin. Physiol. 14, 70–77 (2020). | article