افتتاحيات

وقفةٌ مع التعليم: البياناتُ تصنع الفارق

دراسةٌ شاملة عن التعليم تشير إلى أن 61% فقط من أطفال العالم سوف يتمكَّنون من إتمام دراستهم الثانوية.

  • Published online:

كيف لنا أن نكفل لكل طفلٍ الحصول على تعليم جيّد؟ صحيح أنَّ توفير تعليمٍ مدرسيٍّ جيدٍ للجميع يندرجُ ضمن أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة (SDGs)، لكن هذه ليست الحال، إذ أكدت دراسةٌ -واحدة من أكبر الدراسات من نوعها- أن بعض بلدان العالم عاجزة عن أن تكفل فرص التعليم المدرسي للأطفال غير المسجّلين بالمدارس في الوقت الحاليّ، البالغ عددُهم نحو 260 مليونًا.

تضمَّنت هذه الدراسة التي أعدَّها فريقٌ بحثي بقيادة إيمانيويلا جاكيدو، الباحثة في مجال القياسات الصحية بجامعة واشنطن الواقعة في مدينة سياتل الأمريكية (J. Friedman et al. Nature 580, 636-639; 2020) تحليلًا لبياناتٍ تعليمية شَمِلَتْ 195 بلدًا وإقليمًا، عن الفترة الممتدة بين 1970 و2018. ومنه، وضع الباحثون نموذجًا لاستشراف ما سيكون عليه وضع التعليم في عام 2030؛ وهو العام الذي اتفقت الدول على تحقيق أهداف التنمية المستدامة السبعة عشر -وما يتصل بها من غايات- بحلوله.

ومع أن توقعات الباحثين تشير إلى أنَّه بحلول 2030 ستصل نسبة إتمام التعليم الابتدائي بين الأطفال إلى نحو 90%، فلن تزيد نسبة إتمام الدراسة الثانوية بين الشباب البالغين (ممن تتراوحُ أعمارهم بين 25 و29 عامًا) على 61% (مع الأخذ بعين الاعتبار أن النموذج الذي تقوم عليه هذه التوقعات قد وُضع قبل أن تحلَّ بالعالم جائحة «كوفيد-19» COVID-19، التي تحُول دون ذهاب أعداد كبيرة من الأطفال إلى مدارسهم). والحقُّ أنَّ تحقيق جميع الغايات المُندرجة تحت هدف «التعليم» يستلزم أن تُتاح للجميع فرصة إتمام التعليم الابتدائي والثانوي على حدٍّ سواء، وأن يكون ذلك بالمجَّان.

ومع أنَّ هدف التنمية المستدامة المتعلق بالتعليم قد يتعذَّر تحقيقه، فإن المساعيَ التي بُذلت في هذا الصدد تسير عمومًا في الاتجاه الصحيح؛ فقد ارتفعت نسبة إتمام الدراسة الابتدائية بين الشباب –في الفئة العمرية الواقعة بين 25 و29 عامًا– من 50% في عام 1970 لتصل إلى 83% في عام 2018. ومن المتوقع أن تبلغ هذه النسبة 89% بحلول عام 2030.

وبالمثل، تُشير الإحصاءات إلى أنَّ نسبة إتمام الدراسة الثانوية في الفئة العمرية ذاتها بلغت نحو 20% فقط في عام 1970، في حين أنها لم تزد على 7% في بلدان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. ويتوقع الباحثون أنه بحلول عام 2030، سترتفع النسبة نفسُها في هذه البلدان إلى ما يقرب من 75%.

أما بالنسبة للتعليم العالي –ويُقصد به إكمال 15 عامًا أو أكثر من التعليم- فقد طرأ عليه تحسُّنٌ عالميٌّ كذلك، ومرةً أخرى، كان لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا النصيبُ الأكبر من هذا التحسُّن. ومع ذلك، لن يتمكَّن سوى نصف الشباب من الحصول على مؤهلاتٍ عُليا بحلول عام 2030، بل وحتى في مناطق العالم الأكثر تقدمًا على هذا الصعيد، بحسب توقعات الباحثين.

إذًا، ما الذي يتعيَّن فعله حتى يتسنَّى لمزيد من الأطفال إكمال تعليمهم؟ يتطلَّب الأمر مزيدًا من تضافر الجهود، لا سيَّما من قِبل صُناع القرار؛ وهو ما يستلزم -بدوره- دعم تلك الجهود ببيانات أكثر دقة، انطلاقًا مما لدينا من معلومات. فإننا نعلم -على سبيل المثال- أن حظوظ الإناث في إتمام التعليم المدرسي على مستوى العالم أقلُّ منها لدى الذكور، على الرغم من أن هذه الفجوة بين الجنسين قد سُدَّت بالفعل أو تكاد، مما سيُمكِّن مزيدًا من الدول من إحراز تقدُّم صوب تحقيق هدف التنمية المستدامة المتعلق بالمساواة بين الجنسين. ونعلم كذلك أن فُرص الأطفال الذين يقطنون الأماكن الريفية في بلوغ مرحلة التعليم الثانوي، أو حتى إنهاء المرحلة الابتدائية، أقلُّ من فُرص أقرانهم من قاطني المناطق الحضرية.

ليس هذا فحسب؛ إننا على درايةٍ أيضًا بفئات الأطفال الذين تقلُّ حظوظهم في الالتحاق بالتعليم من الأصل، أو التدرُّج فيه من المرحلة الابتدائية إلى المراحل التعليمية الأعلى. وبصفةٍ عامة، يُلاحَظ أن هؤلاء الأطفال عادةً ما ينحدرون من أُسَرٍ معيشية منخفضة الدخل؛ وهو ما يُحتِّم على الطفل أحيانًا أن يعمل كي يسهم في زيادة دخل الأسرة. ومن بين تلك الفئات المتضررة، الأطفال ذوو الإعاقة، وأولئك الذين يعيشون في مناطق الصراعات، والأطفال الذين ينتمون إلى أقليات. وخلاصة القول، يقف الحرمان بجميع أشكاله عائقًا أمام تعليم الأطفال. ناهيك بأنه في عديد من البلدان، لا يلتحق الأطفال بالمدارس نظرًا إلى عدم وجود عددٍ كافٍ من المدارس الحكومية التي تتسم بجودة لائقة.

غير أنَّه من الضروري أيضًا جمع بيانات بشأن هذه العوامل سالفة الذكر، على مستوى القرى والبلدات والمدن والأحياء، كما يلزم تتبُّعها على نحوٍ منتظم حتى يمكن رصد ما يُحرَز فيها من تقدُّم، خاصة في البلدان ذات الدخل المنخفض. من شأن تلك البيانات أن تُلقي الضوء على الفئات الأكثر احتياجًا إلى المساعدة، مما يتيح للجهات التعليمية –وكذا الجهات التمويلية– توجيه جهودها في المسار الصحيح.

لا بُدّ أيضًا من جمع مزيد من البياناتٍ عن التحصيل العلمي، أو ما يُعرَف بنتائج التعلُّم؛ ذلك أنَّ البيانات الحالية غيرُ وافية، ومن ثمَّ يصعُب عقد مقارنة بين البلدان استنادًا إليها، في ظل غياب معيار دولي متفق عليه في هذا الشأن. فعلى سبيل المثال، بينما يُفترض في بعض البُلدان أن يكون الأطفال لدى إتمامهم التعليم الابتدائي قد بلغوا مستوىً معياريًا محددًا من القدرة على القراءة، نجدُ أنَّ الأمر ليس كذلك في عديد من المناطق حول العالم. ولمجابهة هذا التحدِّي، يتعاون البنك الدوليُّ حاليًّا مع منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف) من أجل وضع نماذج موحَّدة لتقييم نتائج التعلُّم، كما يدعو -بالتعاون مع منظمات أخرى-إلى اعتماد تلك التقييمات الموحَّدة في إطار المساعي الرامية إلى تحقيق هدف التنمية المستدامة الخاص بالتعليم.

البياناتُ صنعتْ فارقًا

لقد كان للبيانات دورٌ بالفعل في غرس الثمار التي نجنيها اليومَ على مستوى التعليم الابتدائي، والتي ما كانت لتينع لولا وجودُ رغبةٍ قوية في إحداث تغيير. فقبل عشرين عامًا، ارتأت الدول الأعضاء بالأمم المتحدة أن نسبة الأطفال المُسجَّلين بمرحلة التعليم الابتدائي آنذاك -83% من إجمالي الأطفال- لم تكن بالنسبة المرضية. ومن هذا المُنطلَق، شرعتْ في جمع البيانات ذات الصلة على المستويين القومي والمحلي، وخلُصت إلى أنَّ أسباب ضعف الإقبال على التعليم تضمَّنت سوء التغذية بين أطفال المناطق الريفية، فضلًا عن تدني الخدمات المُقدمة في تلك المناطق. وعليه، أقدَمَ صُناع القرار على الدفع بحزمة من الإجراءات، شمِلتْ إنشاء مدارس متنقلة، وتوفير وجباتٍ مدرسية مجانية أو مدعَّمة. وهكذا، فبحلول عام 2015، ارتفعت نسبة الالتحاق بالتعليم الابتدائي لتصل إلى 91%.

يمكن الاعتمادُ على النهج نفسه من أجل رفع نسبة الالتحاق بمرحلتي التعليم الثانوي والعالي؛ ففي مقدور الباحثين أن يُساعدوا الدُّول على تحديد الفئات المتسرِّبة من التعليم، وفهم الأسباب الكامنة وراء ذلك، ومن ثمَّ يضعون ما يتوصَّلون إليه من معلومات في أيدي صُناع القرار وجهات التمويل.

التعليمُ حقّ، كما ينصُّ على ذلك الإعلان العالميُّ لحقوق الإنسان، وكذا اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل. ثم إنه وثيق الصلة بالصحة والرفاهِ العام، وهو السبيل للتصدي للمشكلات العديدة التي يواجهُها العالَم اليوم، من التغيُّر المناخي إلى جائحة فيروس كورونا. ولسوف يرثُ هذا الجيل من أطفال المدارس عالمًا أكبرُ الظن أنه يتَّجه -عِقدًا بعد عِقد- نحو مزيدٍ من عدم الاستقرار. ولمَّا كان الأمرُ كذلك، فحريٌّ بنا أن نمُدَّهم بكل الأدوات التي من شأنها أن تُعينهم على التعامل مع ذلك العالم، وعلى رأسها: التعليم الجيد.