أنباء وآراء

الفيزياء الذرية: تسليط الضوء على ذَرّة هيليوم غريبة

للمرة الأولى، يُستثار نوع مراوِغ من الذرات، يُعرَف باسم "ذرات الهيليوم البيونية"، على نحو مباشر من خلال ضوء الليزر. وهذا العمل البحثي يؤسس منصة تجريبية واعدة لسبر أغوار الفيزياء الأساسية. 

نيلز مادسين
  • Published online:

تُعرف الذرّات الشاذة بأنها ذرات يُستعاض فيها عن مكون، أو أكثر، من مكونات الذَّرة العادية، بجسيم غريب، كأحد جسيمات المادة المضادة. ومن الممكن عندئذٍ سبر أغوار هذه الذرات؛ بغية البحث عن أي اختلافات طفيفة في خصائصها عن تلك التي تتنبأ بها نماذج معينة تَستخدِم تقنيات تقوم عليها أدقّ أدوات ضبط الوقت؛ وهي الساعات الذرية. وهذا يتيح بالتبعية فرصة لسبر أسس الفيزياء. ويُعَد الباحث ماساكي هوري وزملاؤه1 أول مَن أفادوا بإجراء عملية استثارة بالليزر لذرات الهيليوم، جرى فيها إحلال جسيم دون ذري، يُسمى "البيون"، محل أحد إلكترونيْ ذرة الهيليوم.

ينبع الاهتمام بالذرات الشاذة من حقيقة أنها كثيرًا ما تسهِّل الاستراتيجية التجريبية الأساسية المُستخدَمة في الفيزياء، ألا وهي تغيير أحد المُعامِلات أو المكوّنات داخل منظومة معقدة في المعتاد، بهدف رصد تأثير هذا التغيير، لكن من الناحية العملية، ليس الأمر كما يبدو عليه من السهولة.. فالجسيمات المختلفة يمكن أن تتسم بكتل أو شحنات مختلفة، كما أن بإمكانها التفاعل بصور مختلفة مع البيئة المحيطة بها، عبر طرق دقيقة أخرى، وإنْ كانت هذه التفاصيل الدقيقة كثيرًا ما تضفي قيمةً إلى الذرات الشاذة في هذا السياق.

وفي الوقت الذي تشهد فيه التقنيات المطلوبة لدراسة الذرات الشاذة تحسنًا، يدرس عدد متزايد من العلماء هذه الذرات؛ بغية استقصاء الخصائص الأساسية للطبيعة. ومن الأمثلة الجيدة على هذا: «لغز نصف قُطر البروتون»، الذي ظهر أثناء دراسة ذرات الهيدروجين الميونية2؛ وهي ذرات هيدروجين، يجري فيها إحلال جسيم ميوني دون ذَرّي محل الإلكترون الموجود بكل منها (تملك الميونات خصائص مشابهة للإلكترونات، لكن كتلتها أكبر بحوالي مائتي مرة).

استُخدم الهيدروجين الميوني في تحديد إحدى خصائص البروتون المهمة، تُعرَف باسم "نصف قُطر الشحنة"، وإنْ كانت القيمة التي أمكن الحصول عليها لنصف القطر ذاك بعيدة بما يقارب سبعة انحرافات معيارية عن القيمة المتوقعة آنذاك. ومنذ ذلك الوقت، أمكن تأكيد القيمة التي حصل عليها الباحثون باستخدام الهيدروجين الميوني، بصورة مستقلة، من خلال إحدى الدراسات التي أُجريت على الهيدروجين العادي3، وكذلك في تجارب جرى فيها تشتيت الإلكترونات بعيدًا عن البروتونات4. ويُحتمل أنّ هذا أوضح القيمة الحقيقية لنصف قُطر البروتون، وبالتالي أمكن حلّ هذا اللغز. ومع ذلك.. فإن الهيدروجين الميوني يوضح بجلاء كيف يمكن استخدام منظومات الذرات الشاذة، التي تكون قصيرة العمر في بعض الأحيان، للعثور على ثغرات في نتائج تبدو راسخة.

تتميز الذرات الشاذة بِسِمَة مهمة تزيد من نفعها كأدوات تسبر أغوار الفيزياء الأساسية، وهي أنها منظومات مُقيدة (أي أن ثمة حاجة إلى استخدام الطاقة في تفكيك مكوناتها)، إضافة إلى أن هذه المنظومات تتسم بوجود مستويات طاقة داخلية متعددة بها. ومن ثم، فإن الانتقالات بين مستويات الطاقة هذه تُعَد قابلة للدراسة بسهولة باستخدام التحليل الطيفي بالليزر، وهو أدق أدوات القياس التي يملكها الفيزيائيون. وتجدر الإشارة إلى أن الجهود الرامية إلى دراسة الانتقالات داخل الذرات –وخاصة ذرة الهيدروجين– امتدت إلى أكثر من قرنين، وهي ما تزال جارية حتى الآن. وقد ألهمت -على سبيل المثال- نموذج نيلز بور الثوري للذَّرة في أوائل القرن العشرين، وشكلت القوة الدافعة وراء الكثير من التطورات في ميكانيكا الكَمّ.

وفي وقتنا الحالي، تُعَد الانتقالات داخل الذرات أساسًا تنبني عليه القياسات الزمنية كافة. وعلى سبيل المثال.. يوفر الانتقال في ذَرّة السيزيوم-133 قيمة مرجعية، يقوم عليها تعريف نظام الوحدات الدولي للثانية. ولهذا السبب.. تخضع تقنيات التحليل الطيفي المعنية بقياس الانتقالات داخل الذرات للتنقيح باستمرار، وبمقدور أفضل القياسات أن تصل الآن إلى مستويات مذهلة من الدقة، تقدَّر بأعداد معنوية تضم حوالي 18 رقمًا5، لكنْ ما تزال أدق قياسات الذرات الشاذة بعيدةً -بدرجة ما- عن إحراز هذا المستوى من الدقة، غير أن إحدى عمليات القياس التي أُجريت على الهيدروجين المضاد (الحالة المُقيدة لبروتون مضاد، وإلكترون مضاد) بلغت درجة غير مسبوقة من الدقة تناهز عددًا معنويًّا يحتوي على  12 رقمًا6، وهو ما يمهد الطريق أمام اختبارات شديدة الحساسية، يمكن من خلالها الوصول إلى الخصائص الأساسية للمادة المضادة.

وثَّق هوري وزملاؤه في بحثهم الرائد عملية الرصد الأولى لحالة انتقال داخل ذَرّة هيليوم «بيونية». وفي ذَرّة كهذه، يجري إحلال جسيم دون ذري، يُسمى "البيون"، محل أحد إلكترونَي ذَرّة الهيليوم. اكتُشِفَت البيونات7 على يد سيسيل باول وزملائه في عام 1947، غير أن هيديكي يوكاوا كان قد تنبأ بوجودها8 للمرة الأولى في عام 1935. وتنتمي البيونات إلى عائلة من الجسيمات دون الذَّرية، تُعرَف بالميزونات، وتتألف بدورها من كواركات، وكواركات مضادة، علمًا بأن الكواركات هي الجسيمات التي تتكون منها البروتونات، والنيوترونات.

وتتسم البيونات بأنها جسيمات قصيرة العمر، منها أنواع موجبة الشحنة، وأخرى سالبة أو متعادلة الشحنة. أما البيونات سالبة الشحنة، التي استخدمها هوري وزملاؤه، فيبلغ مداها العمري 26 نانو ثانية فحسب عند عزلها. وعليه، فإن نجاح القائمين على التجربة في إحلال أحد البيونات محل أحد إلكترونَي ذَرّة الهيليوم، مع تمكُّنهم من رصد الذَّرة الشاذة الناتجة وهي تمر بحالة انتقال كمّي، ليس بالإنجاز الهين، إلى جانب أن هناك صعوبة إضافية تتمثل في أن عمر البيون في الذَّرة الشاذة يمكن أن ينخفض إلى بضع بيكو ثوان فقط، بسبب وجوده قرب نواة الذَّرة.

ولهذا.. قام الباحثون بتحضير ذرات الهيليوم البيونية عن طريق إطلاق شعاع من البيونات نحو هدف من الهيليوم السائل. وفي تجربة هوري وزملائه، كان هذا الهيليوم السائل قد جرى تبريده باستخدام تقنية التبريد العميق إلى درجة حرارة قدرها حوالي كلفنَيْن. وقد أتاح هذا احتجاز بعض البيونات في حالة مقيدة ضعيفة من الهيليوم البيوني، كانت فيها البيونات بعيدة بدرجة كافية عن النواة، بما يسمح للإلكترون المتبقي أن يشكل درعًا يفصل بين البيونات، والنواة (الشكل 1). وبهذا.. استمر وجود الذَّرة الشاذة الناشئة لفترة وصلت إلى عدة نانو ثوان، وهي فترة طويلة بما يكفي لأنْ تقوم نبضة ليزر باستثارتها.

شكل 1| تخليق واستثارة الهيليوم البيوني. أطلق هوري وزملاؤه1شعاعًا من جسيمات دون ذَرّية سالبة الشحنة، تُسمى البيونات، نحو هدف من الهيليوم السائل. وعندما يرتطم البيون بذَرّة هيليوم، فمن الممكن أن يطرد أحد الإلكترونين الموجودين بداخلها، ثم يحل محله في مدار عالي الطاقة حول نواة الهيليوم (التي تتكون من اثنين من البروتونات، واثنين من النيوترونات). وبذلك.. تتشكل ذَرّة شاذة تُعرَف بالهيليوم البيوني. وقد أطلق الباحثون ضوء الليزر نحو هذه الذَّرة الشاذة، ومن ثم رصدوا انتقال البيون إلى مدار ذي طاقة أقل؛ وهي عملية حفّزت طرد الإلكترون المتبقي. وهذا الطرد يُسرِّع عملية امتصاص النواة للبيون (غير موضح بالشكل)، ثم تتفكك النواة في نهاية الأمر.

شكل 1| تخليق واستثارة الهيليوم البيوني. أطلق هوري وزملاؤه1شعاعًا من جسيمات دون ذَرّية سالبة الشحنة، تُسمى البيونات، نحو هدف من الهيليوم السائل. وعندما يرتطم البيون بذَرّة هيليوم، فمن الممكن أن يطرد أحد الإلكترونين الموجودين بداخلها، ثم يحل محله في مدار عالي الطاقة حول نواة الهيليوم (التي تتكون من اثنين من البروتونات، واثنين من النيوترونات). وبذلك.. تتشكل ذَرّة شاذة تُعرَف بالهيليوم البيوني. وقد أطلق الباحثون ضوء الليزر نحو هذه الذَّرة الشاذة، ومن ثم رصدوا انتقال البيون إلى مدار ذي طاقة أقل؛ وهي عملية حفّزت طرد الإلكترون المتبقي. وهذا الطرد يُسرِّع عملية امتصاص النواة للبيون (غير موضح بالشكل)، ثم تتفكك النواة في نهاية الأمر.

كبر الصورة

وباستخدام نبضة قصيرة من ضوء أشعة الليزر تحت الحمراء (استمرت لمدة تبلغ 0.8 نانو ثانية)، استطاع هوري وزملاؤه حثّ عملية انتقال البيون. ونتج عن هذا طرد الإلكترون المتبقي، وهو ما أنتج منظومة قصيرة العمر، تتكون فقط من بيون مُقيّد إلى نواة هيليوم. وبعد ذلك.. امتصت النواة البيون، وهو ما أدّى إلى تفككها (انشطارها).

وقد رُصد انتقال البيون عبر إزالة «إشارات الخلفية» العالية بعناية من بيانات التجربة، وكانت هذه الخلفية ذات صلة بنواتج الانشطار الصادرة عن مستويات الطاقة قصيرة العمر في الهيليوم البيوني، أو تولدت من شعاع البيونات نفسه. وقد ترك هذا إشارة صادرة عن عملية الانتقال في ثلاث ذرات هيليوم بيونية فحسب لكل ساعة، أو ما يُقَدَّر بثلاث ذرات من كل مليار ذرة شاذة جرى إنتاجها. وبالرغم من هذا العدد القليل للغاية، الذي يُشكّل تحديًا، فإنالإشارة المُستحَثّة بالليزر -الخاصة بعملية الانتقال- جرى رصدها بوضوح، وأمكن تحديد تردد الليزر الذي وقعت عنده هذه الإشارة (والذي يتناسب مع تغيُّر الطاقة، الناتج عن عملية الانتقال) بدقة مُطْلَقة، تقدَّر تقريبًا بعدد معنوي ذي خمسة أرقام.

تضيف هذه النتيجة إلى خبرة هوري وزملائه الواسعة في دراسة ذَرّة هيليوم شاذة أخرى، جرى فيها إحلال بروتون مضاد محل أحد الإلكترونين9. وأدّى هذا العمل -من بين ما أدّى إليه- إلى الوصول إلى أدق قياس، أمكن الحصول عليه حتى الآن، لنسبة كتلة البروتون المضاد إلى كتلة الإلكترون. ومع ذلك.. فقد تَعيّن على الباحثين التغلب على صعوبات إضافية من أجل دراسة الهيليوم البيوني.

وعلى سبيل المثال.. كانت أعمار ذرات الهيليوم البيونية أقصر من أعمار ذرات الهيليوم ذات البروتون المضاد، وكان عرض الخطوط في طيفها أكثر اتساعًا، نظرًا إلى أن الذرات الشاذة المستثارة مرت بكثير من التصادمات داخل الهيليوم السائل المستهدف، الكثيف نسبيًّا. وربما من الممكن خفض كثافة الهيليوم السائل، للتغلّب على هذه التأثيرات التي لا يمكن حسابها نسبيًّا، رغم أن هذا من شأنه أيضًا أن يقلل معدل الإشارات. ويجب علينا الانتظار، كي نرى ما إذا كان تعميم هذه النتائج على كثافةٍ قيمتها صفر –يصل عندها تأثير التصادمات إلى أدنى حد – أمرًا عمليًّا، أم لا.

ومع هذا.. فإن العمل البحثي الذي أجراه هوري وزملاؤه يتيح منظومة تجريبية جديدة، تهدف إلى مزيد من الاستكشاف. وإذا أمكن التغلب على التحديات المذكورة، فربما يتيح مثل هذا الاستكشاف تحسين دقة قياس كتلة البيونات السالبة بمُعامل يتراوح بين 10 أضعاف إلى 100 ضعف، على سبيل المثال، في حين أنه في الوقت الحالي تُعرف هذه الكتلة بدقة لا تتجاوز عدة أجزاء من المليون. وبهذا.. تمهد التجربة الطريق أمام رؤى جديدة تتناول مكونات الطبيعة الأساسية.

References

  1. Hori, M., Aghai-Khozani, H., Sótér, A., Dax, A. & Barna, D. Nature 581, 37–41 (2020). | article
  2. Pohl, R. et al. Nature 466, 213–216 (2010). | article
  3. Bezginov, N. et al. Science 365, 1007–1012 (2019). | article
  4. Xiong, W. et al. Nature 575, 147–150 (2019). | article
  5. McGrew, W. F. et al. Nature 564, 87–90 (2018). | article
  6. Ahmadi, M. et al. Nature 557, 71–75 (2018). | article
  7. Lattes, C. M. G., Muirhead, H., Occhialini, G. P. S. & Powell, C. F. Nature 159, 694–697 (1947). | article
  8. Yukawa, H. Proc. Phys. Math. Soc. Japan 17, 48–57 (1935). 
  9. Hori, M. et al. Science 354, 610–614 (2016). | article

نيلز مادسين يعمل في قسم الفيزياء بجامعة سوانسي، سوانسي SA2 8PP، المملكة المتحدة.

البريد الإلكتروني: n.madsen@swansea.ac.uk