أخبار

لمن كانت الاستراتيجية الأنجح؟ علماء يبحثون عن أكثر السياسات فاعلية في مواجهة فيروس كورونا 

يُنقِّب الباحثون في البيانات لمقارنة الإجراءات المختلفة التي اتخذتها البلدان لمحاربة الجائحة.

إليزابيث جيبني
  • Published online:
إجراءات الغلق في إيطاليا: يعكف العلماء على تحديد تأثيرات إجراءات بعينها، مثل التباعد الاجتماعي، في إبطاء انتشار مرض «كوفيد-19».

إجراءات الغلق في إيطاليا: يعكف العلماء على تحديد تأثيرات إجراءات بعينها، مثل التباعد الاجتماعي، في إبطاء انتشار مرض «كوفيد-19».

Ivan Romano/Getty

يبدو أن هونج كونج قد لقّنت العالم درسًا في كيفية كبح جائحة «كوفيد-19» COVID-19 بصورةٍ فعالة.  فالبلد الذي يبلغ تعداد سكّانه سبعة ملايين ونصف المليون نَسَمة، لم يُسجِّل سوى أربع حالات وفاة ناجمةٍ عن الإصابة بالمرض. وتوصَّل الباحثون الذين دَرَسوا نهج هونج كونج إلى أن عمليات الرصد الوبائي السريع، والحجر الصحّي، وتدابير التباعد الاجتماعي، مثل إغلاق المدارس، كان لها أكبر الأثر في خفض معدّلات انتقال فيروس كورونا –المقاسة بمتوسّط عدد الأفراد الذين تنتقل إليهم العدوى من شخص واحد، ما يُعرف بـ«عدد التكاثر الأساسي» (R)– لتصل إلى معدل حاسم (هو: 1) في أوائل شهر فبراير الماضي. ورغم ذلك، لم تستطع الورقة البحثية، التي نُشِرت في شهر أبريل، تحديد الآثار المترتِّبة على كلٍّ من التدابير والتغيُّرات السلوكية المتعدِّدة التي شهدتها البلاد في ذات الوقت (B. Cowling et al. Lancet Public Health 5, e279–e288; 2020).

لقد أصبح السؤال عن مدى فاعلية التدابير المُطبّقة في جميع أنحاء العالم، للحدِّ من انتشار فيروس كورونا، واحدًا من أكثر الأسئلة إلحاحًا على أذهان العلماء في الوقت الراهن. ويأمل الباحثون أن يتمكّنوا، في نهاية المطاف، من التنبؤ الدقيق بأثر تطبيق إجراءٍ بعينه من إجراءات مكافحة الفيروس -أو إلغاء العمل به- في معدَّلات انتقال العدوى وأعداد المصابين. سوف تمثِّل هذه المعلومات، إذا ما أمكن التوصُّل إليها، أهمّية بالغة للحكومات لدى وضع استراتيجيات إعادة الحياة إلى طبيعتها، مع الحفاظ على انخفاض معدّلات انتقال الفيروس لتفادي موجات أخرى من العدوى. تقول روزاليند إيجو، مصممة النماذج الرياضية في مدرسة لندن لحفظ الصحة وطب المناطق الحارة: "لا يتعلق الأمر بالجائحة القادمة، بل بالسؤال: ماذا نفعل الآن؟".

والحقُّ أنَّ الباحثين عاكفون بالفعل على تصميم نماذج تستعين ببيانات كل دولة، من أجل فهم تأثيرات التدابير المُختلفة لمكافحة العدوى، كلٍّ على حدة. من شأن النماذج التي تقوم على بياناتٍ حقيقية أن تقدِّم صورةً أكثر دقّة من تلك التي تكهَّنت بها في بدايات الجائحة، بشأن تأثير الإجراءات المختلفة، اعتمادًا على الافتراضات في المقام الأوَّل. كما أنَّ الجمع بين البيانات المُستقاة من أنحاء العالم المختلفة سيتيح للعلماء مقارنة استجابات البلدان ببعضها. ويُنتظر أن يُعينهم ذلك على تصميم نماذج تستطيع الخروج بتنبؤات أكثر دقةً فيما يتعلق بالمراحل الجديدة للجائحة، فضلًا عن تنبُّؤات الوضع الوبائي بالبلدان.

وتنبِّه إيجو، رغم ذلك، إلى أنَّ تحليل البيانات الوبائية في صورة مقدِّمات ونتائج ينطوي على تحدٍّ هائل؛ يرجع ذلك في جانبٍ منه إلى اختلاف ظروف كلِ بلد، إضافةً إلى حالة عدم اليقين بشأن مدى التزام الأفراد بتدابير مكافحة الفيروس. ولكن إيجو تقول: "إنه أمر عسير حقًّا، ولكن ذلك لا يعني ألا نحاول".

تضافر الجهود

سوف تتلقَّى الجهود المبذولة للإجابة عن تلك التساؤلات، قريبًا، دفعةً قويةً من قاعدة بيانات تجمع معلوماتٍ عن مئات من الإجراءات المختلفة التي انتهجتها دول العالم في مواجهة الجائحة. هذه المنصّة، التي يجري حاليًّا إعدادها لصالح منظّمة الصحّة العالمية بواسطة فريق من مدرسة لندن لحفظ الصحة وطب المناطق الحارة، تحوي بياناتٍ جمعتها عشر مجموعات تعمل على رصد تلك الإجراءات وتتبُّعها. وتضمُّ تلك الفرق باحثين من جامعة أوكسفورد بالمملكة المتحدة، ومركز علوم الأنظمة المعقدة بفيينا (CSH Vienna).

كبر الصورة

Source: Oxford Coronavirus Government Response Tracker (data); Nature (charts).

يقول كريس جروندي، عالم البيانات والمسؤول عن مشروع مدرسة لندن لحفظ الصحة وطب المناطق الحارة، إن قاعدة البيانات ستوحِّد معايير المعلومات التي تجمعها فرق مختلفة، ويُفترض أن تكون بذلك أكثر شمولًا من أي شيء يمكن لفريقٍ أن يخلُص إليه بمفرده. ويُضيف قائلًا إن الهيئات الدولية، على غرار مُنظّمة الصحة العالمية، عادةً ما تحرص على متابعة التدابير المتَّخذة لمكافحة تفشِّي الأمراض، ولكن في حالة مرض «كوفيد-19»، تعقّدت الصورة بالنظر إلى سرعة انتشار الجائحة وحجمها. وأوضح جروندي أنَّ البيانات ستكون مفتوحة المصدر، وسوف تتحسّن في الإصدارات المُقبلة، مشيرًا إلى أن السُرعة عاملٌ جوهري، قائلًا: "يمكن لأيام أن تُحدث فارقًا في ظل الأزمة الراهنة".

كشفت فِرَق التتبُّع عن طائفةٍ واسعة من السياسات المُطبَّقة في دولٍ مُختلفة، فقد وثَّق فريق فيينا تفاصيل قرابة 170 إجراءً من إجراءات مكافحة العدوى في 52 بلدًا، بدءًا من التدابير البسيطة، مثل وضع مُلصقات على الأرض للحفاظ على مسافة مترين بين الأفراد، وصولًا إلى السياسات الأكبر في تأثيرها، مثل إغلاق المدارس. كما يُتابع الفريق المساعي التي يبذلها بعض البلدان مؤخّرًا لإعادة الحياة اليومية إلى طبيعتها. أمّا مشروع جامعة أوكسفورد، المعروف بمشروع «تتبُّع استجابة الحكومات لجائحة كوفيد-19» COVID-19 Government Response Tracker، فيرصُد 13 إجراءً من الإجراءات المعمول بها في أكثر من 100 دولة. من بين هذه الإجراءات الـ13، جُمعت 7 إجراءات لتندرج تحت مؤشّر واحد، يُطلق عليه مؤشر «صرامة الإجراءات»، الذي يقيس، بدوره، مدى جدِّية كل بلد في التصدِّي للجائحة بصفةٍ عامة، ويُتيح إمكانية المقارنة بين النُهُج المطبَّقة في البلدان المختلفة.

والعلماء منخرطون حاليًا في تحليل بياناتهم، بغية الوقوف على الفوارق بين الاستجابات، إذ يبحث فريق فيينا عمَّا إذا كانت ثمة أنماط في الاستجابة، مستعينًا بعدّة منهجيات، تشمل تصنيف البلدان في مجموعات تبعًا للمرحلة الزمنية التي شرعت فيها كل مجموعة في الأخذ بتدابير التصدِّي للجائحة، وتبعًا للعدد الإجمالي للقيود التي تنطوي عليها تلك التدابير. ففي أوروبا، على سبيل المثال، تجمع الخوارزميات بلدانًا مثل السويد، والمملكة المتحدة، وهولندا في مجموعةٍ واحدة، بدأ تطبيق الإجراءات بها في وقت متأخر نسبيًا.

وعلى الجهة الأخرى، بَرَزت ألمانيا والنمسا كنموذجين للبلدان التي تبنَّت استراتيجياتٍ صارمة منذ مرحلةٍ مبكِّرة لمكافحة انتشار المرض، في مقابل دولٍ مثل إيطاليا، وفرنسا، وإسبانيا، التي -وإن طبَّقت تدابير مماثلة، بما في ذلك فرض إجراءات الغلق وتقييد الحركة- جاءت استجابتها في وقت متأخّر من انتشار الجائحة على أراضيها. يُذكر أن أعداد الوفيات في كلٍّ من ألمانيا والنمسا، نسبةً إلى عدد السكان، تقلُّ بشكلٍ ملحوظ -حتى الآن- عن الوفيات المسجَّلة بالبلدان الأخرى المُشار إليها.

تشير النتائج الأوَّلية التي توصَّل إليها فريق أوكسفورد إلى أن البلدان الأفقر مالت إلى اتخاذ تدابير أكثر صرامةً من تلك التي اتَّخذتها البلدان الأغنى، قياسًا إلى مدى حدَّة تفشِّي المرض على أراضيها. فعلى سبيل المثال، فرضت دولة هاييتي -من دول الكاريبي- إجراءات الغلق وتقييد الحركة بمجرد تسجيل أوَّل إصابةٍ مؤكَّدة لديها، فيما انتظرت الولايات المتحدة الأمريكية أكثر من أسبوعين بعد أوّل وفاة جرَّاء الإصابة المرض قبل أن تُصدر التوجيهات الداعية إلى ملازمة منازلهم. وفي تفسيرها لهذه الظاهرة، تقول آنا بيثريك، باحثة السياسات العامة بجامعة أوكسفورد، إنَّ ذلك قد يكون راجعًا إلى أن البلدان الأقل دخلًا تملك أنظمة صحّية أقل تطورًا، ومن ثمَّ تتوخَّى قدرًا أكبر من الحذر. وقد يرجع كذلك، حسب رأيها، إلى أن الجائحة قد وصلت إلى هذه البلدان في وقتٍ متأخرٍ نسبيًّا، ما وفَّر لهم متَّسعًا من الوقت للإفادة من تجارب الآخرين.

الأنماط والتنبؤات

في نهاية المطاف، يتطلَّع الباحثون إلى الاستعانة ببيانات القاعدة التي تُعدُّها مدرسة لندن لحفظ الصحة وطب المناطق الحارة في فهم مدى فاعلية تلك الاستراتيجيات في كبح الجائحة. تقول روزاليند إيجو، التي لم تشارك في إعداد قاعدة البيانات ولكنَّها تُخطط لاستخدامها: "إننا في حاجةٍ إلى تقييم تلك الإجراءات بصفةٍ آنيّة، حتى يتسنَّى للجميع إعداد سياسات واقعية. فدون تحديد الحلول الفعَّالة، وقياس مدى فاعليتها، سيكون من العسير حقًّا تقريرُ خطوتنا التالية". وتعتزم إيجو وزملاؤها الاستعانة بالبيانات لاختبار دقّة النماذج الرياضية –المعتمدة على معادلات رياضية لوصف معدَّلات انتقال المرض، والآليات الكامنة وراءه– على ضوء نوع الإجراء المتَّبع وتوقيت تطبيقه.

في أفضل السيناريوهات، سيتمكّن الباحثون من التنبُّؤ بالتغير الذي سيطرأ على أعداد المصابين بالعدوى بمرور الوقت حال فرض إجراءٍ بعينه أو إلغائه. وحسبما يقول نيلس هاوج، عالم الرياضيات الفيزيائية في مركز علوم الأنظمة المعقدة في فيينا، وجامعة فيينا الطبّية، إن صانعي السياسات يمكنهم الاستناد إلى تلك التنبّؤات، إلى جانب البيانات المتعلّقة بالقدرات الاستيعابية لوحدات العناية المركّزة، لاتخاذ قرارات بشأن إعادة فتح المدارس، على سبيل المثال.

عمَدَ هاوج، وفريقه من مُصممي النماذج، إلى استكشاف الأساليب الإحصائية، ليقرروا أيها أصلح للاستخدام. فعوضًا عن تحديد الأثر الدقيق لكل إجراءٍ على حِدة بصورة مباشرة، يمكن لهذه الأساليب إيجاد سُبُل لتحديد الوسائل التي تقدم لهم أفضل تنبّؤات بمعدلات الإصابة. ويتضمن أحد الأساليب استخدام إحدى تقنيات تعلّم الآلة، التي تُعرف باسم الشبكة العصبية المتكررة، للتعلم من أنماط البيانات، والخروج بالتنبؤات. ومن ثم، يكون في مقدور العلماء التعرُّف إلى مدى أهمية إجراء بعينه من خلال النظر إلى كيفية تغير التنبؤات عند استبعاد المعلومات الخاصة بهذا الإجراء من الشبكة.

في غياب لقاحٍ أو علاجٍ فعَّال، يظلُّ إيقاف انتشار العدوى خط الدفاع الوحيد ضدّ مرض «كوفيد-19». وترى بيثريك أن الإلمام بالآثار المترتّبة على كل إجراء من إجراءات مكافحة الفيروس أمرٌ حاسم من أجل تحديد الإجراءات التي يمكن تغييرها أو استبعادها دون إحداث ضرر، مضيفة: "أعتقد أن ذلك سيكون إسهامًا هائلًا".