تكنولوجيا

العِلم المفتوح سبيل إلى كبح الجائحة

الفرصة سانحةٌ لتسخير أدوات مشاركة البيانات وجهود الهواة لمكافحة جائحة «كوفيد-19».

مارك زاسترو 

  • Published online:
طالبة بجامعة وارسو تعكف على تجميع قناعٍ وقائي، طُبِعَ بالطباعة ثلاثية الأبعاد.

طالبة بجامعة وارسو تعكف على تجميع قناعٍ وقائي، طُبِعَ بالطباعة ثلاثية الأبعاد.

Jaap Arriens/NurPhoto/Getty

عندما وردت تقاريرُ إخبارية في أواخر عام 2019 عن تفشي فيروسٍ جديد من عائلة فيروسات كورونا في مدينة ووهان الصينية، كان باحثو موقع «نيكست ستراين» Nextstrain -المتخصص في تحليلات علم الفيروسات- على أهبة الاستعداد. يُعنَى هذا المشروع مفتوحُ المصدر بتتبُّع انتشار الفيروسات عن طريق رصد الاختلافات في التسلسلات الجينية التي يكشفها العلماء. وبعد خمس سنواتٍ من العمل والتطوير، اجتمع للمشروع فريقُ عملٍ كبير، أعضاؤه موزَّعون على ثلاث قارات، وقادرون على الاستمرار في تحديث تحليلاته على مدار الساعة.

أمَّا الأمر الذي كان يجهله العاملون بالمشروع، فهو ما إذا كان الباحثون سيُقبِلون على نشر ما توصَّلوا إليه من بيانات، أم لا. وعن ذلك.. قالت إيما هودكروفت، الباحثة المتخصصة في علم الوبائيات الجزيئية بجامعة بازل في سويسرا، التي تعمل مبرمجةً لدى المشروع: "إنَّك لا تستطيع أن تعرف حجم التفاصيل التي سيُسمح بنشرها".

كان هذا هو الحال، حتى أقبل يوم الحادي عشر من يناير الماضي، عندما أتاح فريقٌ بحثي -يقوده جانج يونج جِن، الباحث بمركز شنجهاي الإكلينيكي للصحة العامة في الصين- أول تسلسلٍ جينومي لفيروس «سارس-كوف-2» SARS-CoV-2؛ ومنذ ذلك الحين، شَهِدَ حجم البيانات المتاحة قفزةً هائلة. وبنهاية شهر مارس، كان موقع «نيكست ستراين» يتلقَّى ما بين 50 و200 تسلسلٍ يوميًّا من المختبرات في جميع أنحاء العالم، ويُجرِي تحليلًا لدراسة تطور الفيروس كلَّ بضعِ ساعات. وتُعلِّق هودكروفت قائلة: "حجم البيانات التي تصلنا الآن غير مسبوق على الإطلاق".

ليس هذا المشروع سوى مثالٍ واحدٍ على ما يمكن أن تحققه روحُ الانفتاح في معرِض الاستجابة العلمية لجائحة «كوفيد-19» COVID-19. فمِن الأكاديميين، إلى مستودعات البيانات الإلكترونية، إلى ممارسي الهوايات في المنازل ممَّن يملكون طابعاتٍ ثلاثية الأبعاد؛ كل هؤلاء يسلُكون سُبُلًا جديدة للتعاون ومشاركة البيانات بسرعة تناسب الطبيعة المُلحة للأزمة الحالية. ويأمل الكثيرون أن يقود ذلك إلى تغيير طريقة ممارسة البحث العلمي، حتى بعد انحسار الجائحة.

اصنعها بنفسك

وربما تتجلَّى روح الانفتاح هذه -أوضحَ ما تتجلى- في تنشيط بعض المبادرات، مثل مبادرة «اصنعها بنفسك» (DIY)، التي تشجِّع على التصنيع اليدوي للأدوات، فضلًا عمَّا يُعرف بمساحات الابتكار (maker spaces). فما إنْ اتَّضح أنَّ المنظومات الصحية حول العالم تواجه خطر نفاد مستلزمات علاج المصابين بمرض «كوفيد-19» ووقاية الأطقم الطبية، حتى هبَّ أصحاب هذه المبادرات إلى العمل على سدِّ العجز.

فعلى سبيل المثال.. تحوَّل بعض المجموعات على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك» -مثل مجموعة «أوبن سورس كوفيد19 ميديكال سابلايز» Open Source COVID19 Medical Supplies، التي تضمُّ أكثر من 70 ألف عضو- إلى مراكز توزيعٍ، يطلب من خلالها العاملون بالمستشفيات من المتطوعين طباعة المستلزمات، أو صناعتها، ويتَّخذها المتطوعون منصَّةً لتبادل النصائح حول الخامات المستخدمة، وأماكن الحصول عليها، وإجراءات التعقيم.

ولعلَّ أزمة فيروس كورونا الراهنة هي بمثابة اللحظة المواتية لإبراز مَواطن القوة في الطباعة ثلاثية الأبعاد، التي تتمثَّل في سرعة إعداد النماذج الأولية، والقدرة على إنتاج أجزاء المستلزمات التي يزداد الطلب عليها في أي مكانٍ في العالم. وعلى سبيل المثال.. صمَّمت شركة «بروسا ريسيرش» Prusa Research المُصنِّعة للطابعات ثلاثية الأبعاد في مدينة براج التشيكية إطارًا لواقٍ للوجه، صُمِّم بحيث يمكن ارتداؤه مع الكمامات أو أقنعة التنفس، للحماية من قطيرات الرذاذ الحاملة للعدوى. وتقول الشركة إنَّ بمقدورها إنتاج 800 واقٍ يوميًّا. والحقُّ أن أطقم الرعاية الصحية بجمهورية التشيك تستخدم حاليًا عشرات الآلاف من هذه الواقيات، وتحتمي بها من الإصابة بالعدوى، إلا أنَّ الشركة أتاحت التصميمات للجميع، الأمر الذي ترتَّب عليه أنَّ هذه الواقيات يجري حاليًّا إنتاجها في جميع أنحاء العالم؛ في المنازل ومساحات الابتكار.

وقد دخل مشروعٌ آخر مرحلة الإنتاج، تقوده شركة «فورم لابز« Formlabs المُصنِّعة للطابعات ثلاثية الأبعاد، التي يقع مقرها في مدينة سومرفيل بولاية ماساتشوستس الأمريكية؛ وهو مشروع لطباعة الأدوات المستخدمة في أخْذ المَسْحات الأنفية اللازمة لإجراء فحوص الكشف عن مرض «كوفيد-19». فبخلاف أدوات المسح القطنية العادية، تشتمل أدوات المسحات الأنفية على قضيب طويل ومرن، إلى الحدِّ الذي يسمح بالوصول داخل الأنف إلى الجزء العلوي من الحلق. وقد صمَّم أدوات المسح هذه فريقٌ من الأطباء بجامعة جنوب فلوريدا في مدينة تامبا الأمريكية، ومستشفيات «نورثويل هيلث» Northwell Health بولاية نيويورك، مستخدمين طابعاتٍ اقتنوها من الشركة، لإنتاج نماذج تجريبية. ويقول ديفيد لاكاتوس، المسؤول التنفيذي عن الإنتاج في الشركة: "إنَّهم يصنعون النماذج الأولية من تلك الأدوات بأنفسهم، وهو أمرٌ مذهل ورائع حقًّا". وفي حين أنَّ أطراف أدوات المسح التقليدية تُغطَّى بأغشيةٍ كثيفة من كتل النايلون، ابتكر الأطباء طرفًا لأدوات المسحات الأنفية، وضعوا له تصميمًا دقيقًا ومعقدًا، معتمدين على الطباعة ثلاثية الأبعاد.

صفٌ من الطابعات ثلاثية الأبعاد يُنتج أجزاءً من الأقنعة الواقية.

صفٌ من الطابعات ثلاثية الأبعاد يُنتج أجزاءً من الأقنعة الواقية.

Jaap Arriens/NurPhoto/Getty

وعلى عكس واقيات الوجه، يتطلَّب تصنيع هذه الأجزاء إمكانياتٍ تتجاوز ما يتوفر في أغلب الطابعات التي يستخدمها الهواة. وفي هذا الشأن.. يقول لاكاتوس:"إذا حاول شخصٌ ما طباعة أدوات المسح بواسطة طابعةٍ من تلك التي يستخدمها الهواة، فقد تتسبَّب في وقوع أضرارٍ"، إذا ما استُخدمت لأغراضٍ إكلينيكية.

وبموجب اللوائح التنظيمية الأمريكية، لا بد لعمليات التصنيع التجاري لأدوات المسحات الأنفية أن تتمَّ داخل منشأةٍ مُسجَلَة لدى إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA). وتملك شركة «فورم لابز» مختبرًا مسجلًا خاصًّا بها في مدينة ميلبوري بولاية أوهايو، يشتمل على 250 طابعة، تستطيع طباعة 100 ألف أداة مسح يوميًّا (تبلغ تكلفة الطابعة الواحدة منها 3500 دولار أمريكي).

الأداة المناسبة

ثمة مشروعاتٌ أخرى -تقوم على الطباعة ثلاثية الأبعاد، والتصنيع اليدوي للأدوات- تسعى إلى توفير كل المستلزمات؛ من واقيات الوجه للأطقم الطبية، ومقابض الأبواب التي يمكن فتحها بالمرفق (ممَّا يساعد أطقم الرعاية الصحية على تجنب ملامسة السطوح الملوثة بالفيروس)، وصولًا إلى أجهزة التنفس الاصطناعي لذوي الحالات الحرجة. ومن بين أكثر تلك الأجهزة تقدمًا في مراحل التطوير جهاز «أوبن لانج» OpenLung، الذي هو ثمرة تعاون بين مجموعاتٍ في مدينتي تورنتو الكندية، ودبلن الأيرلندية. وهناك أيضًا جهاز التنفس المُسمَّى «إم آي تي إيمرجينسي فينتيليتور» MIT Emergency Ventilator، الذي طوَّره معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا بمدينة كامبريدج الأمريكية، لكنَّ تصنيع هذه الأجهزة ما زال خاضعًا لموافقة الجهات الرقابية. وقد صرَّح فريق معهد ماساتشوستس لدورية Nature بأنَّ "الحصول على الموافقة سيكون مسؤولية المُصنِّعين، الذين سيعملون في النهاية على تعديل الأجهزة وصناعتها، استنادًا إلى التصميمات المرجعية مفتوحة المصدر". وفي السابع عشر من إبريل، حصل أول جهازٍ من هذه الأجهزة على ترخيصٍ من إدارة الغذاء والدواء الأمريكية، لاستخدامه في حالات الطوارئ، وهو جهاز «سبيرو ويف» Spiro Wave، ومن ثمَّ أصبح متاحًا للاستخدام خلال الأزمة الراهنة، وقد تعاقدت مدينة نيويورك على شراء 3 آلاف جهازٍ من ذلك النوع بالفعل.

وفي المملكة المتحدة، أسفر التعاون بين كلٍّ من كلية لندن الجامعية (UCL)، والمستشفى التابع لها، وفريق سباق «فورمولا وان» Formula One التابع لشركة «مرسيدس» Mercedes عن استخدام الهندسة العكسية لإعادة إنتاج جهازٍ من أجهزة تعريض المجرى التنفسي للضغط الإيجابي المستمر، بالإضافة إلى تحسين كفاءته. وقد اعتُمد تصميم الجهاز من قِبل السلطات الصحية بالمملكة، للاستعانة به في مواجهة جائحة «كوفيد-19»، كما أُتيح التصميم مجانًا للمُصنِّعين والباحثين. وقد تعاقدت هيئة الخدمات الصحية الوطنية في المملكة (NHS) على شراء ما يصل إلى 10 آلاف جهازٍ منه. وفي نيجيريا، تمكّن الباحث يونوسا محمد جربا -من جامعة ولاية جومبي- من صناعة جهاز تنفس يعمل بالضغط الإيجابي، من مكوناتٍ يستخدمها الهواة، وأخرى مستعملة، وذلك لاستخدامه في ولاية جومبي، التي تقع شمالَ شرقي البلاد، وتتسم بقلة الموارد. وجديرٌ بالذكر أنَّ نيجيريا، التي يبلغ عدد سكانها نحو 200 مليون نسمة، لا تزيد حصيلتها من أجهزة التنفس الصناعي على 500 جهاز، بل ربما تقلّ؛ وهو ما يُكسِب التصميم الذي وضعه جربا أهميةً إضافية. ومن هذا المنطلق.. تُبذل حاليًّا مساعٍ حثيثة، بغرض تحسين كفاءة التصميم الذي وضعه جربا، ويجري اختباره ليُستخدم في المستشفى التعليمي الفيدرالي بولاية جومبي، التي تنتوي الحصول على جهازين منه. وعن الجهاز، يقول جربا: "لا يُستخدم حاليًّا إلا في سيارات الإسعاف، لكنَّنا نوجِّه التمويل الذي وفَّرته الحكومة إلى تصميم نسخةٍ مطورة منه، بحيث يمكن الاستفادة منه في المستشفيات إلى أبعد حدٍّ ممكن".  

وحتى أنصار الطباعة ثلاثية الأبعاد يرون أنَّ بعض تلك المشروعات قد يكون خطيرًا. يقول لاكاتوس: "الأمر مُلهِم ومُرعب في آنٍ معًا"، فعلى سبيل المثال.. فحصت شركة «فورم لابز» تصميمات للأقنعة الواقية، وأنتجت عديدًا من النماذج الأولية، قبل أن توصي بعدم إنتاجها، اعتمادًا على الطباعة ثلاثية الأبعاد. وأوضح لاكاتوس: "تصميمات الأقنعة التي أراها [والمُصنَّعة بأسلوب الطباعة ثلاثية الأبعاد] لا تحجب أي شيءٍ ألبتّة، بل أعتقد أنَّها ربما تمنح الناس إحساسًا زائفًا بالأمان".

وبعد نقاشاتٍ مع أطباء إكلينيكيين، صارت الشركة أميَل إلى التوصية باستخدام تصميمٍ لأقنعة التنفس، يمكن للناس صناعته بأنفسهم، أنتجه مستشفى بوسطن للأطفال في ولاية ماساشوستس الأمريكية، ويُعاد فيه توظيف أجزاءٍ يمكن اقتناؤها بسهولة، من بينها مرشحات أجهزة التنفس، وأقنعة الوجه التي تُستخدم لتخدير المرضى بالغازات. وفي هذا الصدد.. يقول لاكاتوس: "يبدو هذا حلًا أفضل بكثير من محاولة صناعتها بالطباعة ثلاثية الأبعاد".

أدوات المسحات الأنفية التي تصنعها شركة «فورم لابز» بالطباعة ثلاثية الأبعاد.

أدوات المسحات الأنفية التي تصنعها شركة «فورم لابز» بالطباعة ثلاثية الأبعاد.

Formlabs

ومن بين أكثر تصميمات واقيات الوجه مفتوحة المصدر انتشارًا، هناك تصميم يبتعد تمامًا عن الطباعة ثلاثية الأبعاد. بدأ هذا المشروع في شهر مارس الماضي، منطلقًا من مساحة الابتكار الخاصة بجامعة ويسكونسن في مدينة ماديسون الأمريكية، التي اشتركت في إعداد هذا التصميم مع شركة الطباعة ثلاثية الأبعاد «ميدويست بروتوتايبينج» Midwest Prototyping، التي يقع مقرُّها في مدينة بلوموندز، على مقربة من الجامعة. وبعد انضمام جيسي دارلي، الذي يعمل بمكتب شركة التصميم الهندسي «ديلف» Delve في مدينة ماديسون، قررت المجموعة تغيير نهجها. وعوضًا عن استخدام الطباعة ثلاثية الأبعاد، أصبحت الأطر والأحزمة الخاصة بواقيات الوجه خاصتهم، المعروفة باسم «واقيات بادجر» Badger Shields (تيمنًا باسم الحيوان جالب الحظ الخاص بالجامعة)، تُصنَع من مادتَي المطاط، والفوم، المتوفرتين في الأسواق، اللتين يمكن شراؤهما بالجملة، ثم تقطيعهما آليًّا، أو يدويًّا. ويقول دارلي إنَّه يمكن تجهيز هذه المكونات في 20 ثانية، في مقابل بضع ساعاتٍ تستغرقها الطباعة ثلاثية الأبعاد.  

"الأمر مُلهِم ومُرعِب في آنٍ واحد".

وقد تلقَّت المجموعة بالفعل طلباتٍ لصناعة خمسة ملايين واقٍ للوجه. وللوفاء بهذه الطلبات، تدَخَّل بعض شركات التصنيع للمساعدة، ومنها شركة «فورد موتور» Ford Motor، التي يقول دارلي إنَّها عدَّلت التصميم بحيث يمكن إنتاجه بالجملة، وبإمكانها الآن إنتاج نحو مليون واقٍ أسبوعيًّا.

شكرٌ واجب

لا تقف انعكاسات روح الانفتاح هذه عند هذا الحد، وإنما تتجاوزه إلى جوانبَ أخرى من المعركة الدائرة ضد الجائحة. فقد نُشر أكثر من ألفي ورقة عن مرض «كوفيد-19» في أرشيفَي المسوَّدات البحثية، المُسمَّيَين «بيو آركايف» bioRxiv، و«ميد آركايف» medRxiv؛ وذلك وفقًا لما ذكره موقع «بيوميد-سانيتي» biomed-sanity.com، الذي يجمع مسوَّدات الأوراق البحثية المتصلة بالجائحة. كما أنَّ مجموعات عديدة من البيانات الخاصة بالمرض متاحة على موقع مشاركة الأكواد «جِت هاب» GitHub، ومنها البيانات التي تستند إليها خريطة متابعة حالات المرض، التي صممتها جامعة جونز هوبكنز، المُعتمَدة على نطاقٍ واسع. وينطبق الأمر نفسه على مراجعات الأدبيات العلمية المنشورة عن المرض، التي يجريها الباحثون في كلية إيكان للطب بمستشفى «ماونت سايناي» Mount Sinai في مدينة نيويورك، وكذلك تلك التي يجريها مشروعٌ تعاوني يقوده هالي راندو، وكايسي جرين، باحثا البيولوجيا الحوسبية بجامعة بنسلفانيا في ولاية فيلادلفيا.

إنَّ أحدًا لم يكن ليتوقع أنْ يتبنَّى الباحثون روح الانفتاح هذه منذ بدايات الجائحة؛ حيث إنَّ البيانات التي تُتاح للجميع على هذا النحو قد يصعب نشرها في المنصات التقليدية فيما بعد. وقد تواترت أنباءٌ عن أنّ الحكومة الصينية فرضت -في بادئ الأمر- قيودًا على كلٍّ من الباحثين والعاملين في القطاع الصحي، تحدِّد المعلومات التي يمكنهم الإدلاء بها، بيدَ أنَّ الحال تبدَّل عندما نشر الباحثون الصينيون أول تسلسلٍ لجينوم فيروس «سارس-كوف-2» على المستودعين الإلكترونيين «فيرولوجيكال» virological.org، و«جين بنك» GenBank، إذ مهَّدوا بذلك السبيل لنشر عددٍ كبير من التسلسلات من الصين وبقية البلدان، حسبما أوضحت هودكروفت. وأضافت: "أشعر بالامتنان الشديد تجاه العلماء الذين أقدموا على هذه المجازفة، لأنَّني أعتقد أنَّهم ضربوا بهذا مثالًا يُحتذى في التعامل مع المواقف المشابهة طوال مدة الجائحة". وأردفت قائلةً إنَّه لولا ما فعله هؤلاء الباحثون، "لربما كانت لدينا الآن تصوراتٌ مختلفة تمامًا عن المرض، وقد تكون تصوُّراتٍ خاطئة"، بالنظر إلى أنَّ المرض كان في بدايته منحصرًا في الصين.

وتأمل هودكروفت أن تمتد هذه الممارسات المغلَّفة بروح التعاون لتشمل الأبحاث الخاصة بالفيروسات الأخرى، وكذا الأمراض الموسمية. فبعض المختبرات تفتقر إلى التجهيزات والكوادر البشرية اللازمة لتعيين التسلسل الجينومي لبعض الفيروس. وحتى المختبرات الأخرى التي تتوفَّر فيها هذه الموارد، قد لا تجد ما يكفي من الوقت والمال، لكنَّها ترى أنَّه إذا ما أَقْدَم مزيدٌ من المختبرات على اتخاذ هذه الخطوة، ولو مرةً كل بضعة أسابيع، فقد نتمكن من رصد الأوبئة بقدرٍ أكبر من التفصيل، اعتمادًا على الطفرات كواسماتٍ لتعيننا على الاقتراب من فهْم انتشارها الجغرافي.

وقد تؤدي الجائحة أيضًا إلى تغيراتٍ دائمة في طريقة تطوير التجهيزات الطبية، وإنتاجها، وتوزيعها. ويأمل لاكاتوس أن تملك المستشفيات طابعاتٍ ثلاثية الأبعاد خاصة بها، كوسيلةٍ احتياطية تلجأ إليها في حالات الطوارئ، لإنتاج الأدوات الضرورية، مثل أدوات جمع المسحات الأنفية. ويرى دارلي أنَّ إتاحة تصميمات بعض الأدوات وأجزائها، مثل واقيات الوجه، من شأنها أن تسهم في التغلب على مشكلات تعطُّل سلاسل الإمداد العالمية، وهو ما يتيح بدوره تصنيع التجهيزات المطلوبة بمرونةٍ أكبر، وتوزيعها على نطاقٍ أوسع.

وجديرٌ بالذكر أنَّه فور نشر تصميمات «واقيات بادجر»، تواصلَتْ مع دارلي شركةٌ تَعَامَلَ معها في الماضي، وهي شركة «كوستر سايكلز» Coaster Cycles، التي تنتج الدراجات ثلاثية العجلات، ويقع مقرُّها في مدينة بونر في ولاية مونتانا. كانت الشركة قد سرَّحت جميع عمالها تقريبًا من جرَّاء الجائحة، أو خفَّضت ساعات عملهم تخفيضًا شديدًا، لكنْ بعد اطلاعها على التصميمات مفتوحة المصدر، فازت بعقدٍ لتوريد الواقيات للمنشآت الصحية في ست ولاياتٍ أمريكية، وأعادت توظيف جميع العاملين لديها من أجل إنتاجها. ويقول مديرها التنفيذي، بن موريس، إنَّ الشركة تطمح إلى أن تبلغ مبيعاتها من واقيات الوجه مليون قطعة. وأضاف دارلي: "هنا تكمُن قوة التصميمات مفتوحة المصدر؛ فهي تمكِّن الأسرة من إنتاج بضع [قطع]، وتُمكِّن الصانع من إنتاج الآلاف، أو مئات الآلاف منها". 

مارك زاسترو كاتب مُقيم بمدينة سول في كوريا الجنوبية.

أسهَم في إعداد التقرير: عبد الله تساني، من مدينة أبوجا بنيجيريا.