كتب وفنون

الطبُّ النفسي أسيرًا لأفكار تفوُّق العِرق الأبيض

منذ البداية، كانت العنصرية الإطار المُحدِّد لشكل الرعاية التي يتلقَّاها أصحاب الأمراض العقلية في الولايات المتحدة.

ميكال راز
  • Published online:
المرضى في مستشفى «ميلدجفيل» الحكومي، جورجيا، 1951.

المرضى في مستشفى «ميلدجفيل» الحكومي، جورجيا، 1951.

Robert W. Kelley/The LIFE Images Collection via Getty

«إدارات الجنون: العنصرية والأشباح التي تطارد الطب النفسي الأمريكي في مصحة ميلدجفيل» 

 ماب سيجريست

دار نشر «ذا نيو برس» (2020)

 كيف لثقافةٍ استعبَدت الناس، ولم تتورَّع عن الإعدام دون محاكمة، ووضعت نظام الفصل العنصري، أنْ تُقرر صحيح العقل من مُعتلِّه؟ بخصوص هذا السؤال، يدُور كتاب ماب سيجريست، الذي يبحث في إرث العبودية الذي يحملُهُ الطبُّ النفسي الأمريكي بصفةٍ عامة، ويتَّكئ عليه مستشفىً للصحة النفسية -كان معدودًا من أكبر المصحَّات النفسية على مستوى العالم إبَّان أربعينيات القرن المنصرم وخمسينياته- على وجه الخصوص.

سيجريست باحثةٌ نسوية مناهضة للعنصرية، تمزج في كتابها بين الوقائع المستمدة من المصادر الأرشيفية، والمشاهد المَصُوغة في قالب قصصي، لتؤلِّف منهما قصةً تمتد لأكثر من قرن من الرعاية الاحتجازية للمرضى العقليِّين بمستشفى «ميلدجفيل» Milledgeville سيّئ السمعة في ولاية جورجيا. وإذ تروي المؤلِّفة تاريخ هذا المستشفى، المُفتتَح عام 1842، فإنها تُضفِّره مع الإطار الأوسع، المتمثّل في تاريخ الرعاية الصحية النفسية بالولايات المتحدة، ومع الدمار الذي خلَّفته الحرب الأهلية الأمريكية (1861-1865)، وكذا مع كثير من تجلّيات الاعتقاد بتفوّق العِرق الأبيض، ومظاهر العنف ضد المرأة. 

وصحيحٌ أن الكتاب يسلُك ترتيبًا زمنيًا، غير أنَّه يتضمَّن عدَّة قفزات إلى وقتنا الحاضر، وهو ما قد يشتت انتباه القارئ. تبدأ سيجريست روايتها للأحداث باستحضار فترةٍ كان الرقُّ فيها السمة الغالبة، ولم تكن المصحَّات النفسية تقبل إلا البيض من المرضى. وبعد انقضاء الحرب، سلك الطب النفسي مسلكًا عنصريًا، ترى المؤلفة أنه لم يكن حتميًا بحال. وعندما شرع مستشفى ميلدجفيل في قبول المرضى السود، عام 1867، انتهج سياسة الفصل العنصري، مثله في ذلك مثل غيره من المصحّات النفسية في جميع أنحاء البلاد.

وتجلَّت تلك المعاملة العنصرية في حمل الرجال السود على إنجاز الأعمال الشاقة بمزرعة المؤسسة، كجزء من البرنامج العلاجي، بينما عمل البيض منهم كبستانيين. وفي الوقت الذي عملت فيه النساء البيضاوات بالخياطة، أُسنِدَت إلى النساء المُلونات مهام تنظيف الملابس. واستعانت المؤلِّفة بأرشيف المصحَّة للكشف عن أن مُخصصات المرضى البيض من لوازم الكتابة، والنعال المنزلية، والصابون، والسجاد، وغيرها، كانت أكبر بكثير من تلك التي سُمح بها للمرضى السود، الذين عانوا -على الناحية الأخرى- من الإهمال والتمييز على نحوٍ يومي. والحقُّ أنَّ عددًا غير قليلٍ منهم لَقُوا حتفهم بعد وقتٍ قصير من إلحاقهم بالمصحة؛ ما يعكس حالتهم الصحية المتردِّية من جهة، والأوضاع المُزرية التي قاسَوا منها، من جهةٍ أخرى.

كما تسلّط سيجريست الضوء على أمورٍ جرى إغفالها فيما مضى. فبدلًا من التساؤل عن الكيفية التي قد تدمر بها العبودية نفسية الفرد، تساءل الأطباء المعالجون لمرضى أمريكيين أفارقة تحرروا من العبودية حديثًا، عمَّا إذا كانت صحتهم العقلية قد تضررت جرَّاء العتق. والأكثر من ذلك، أن هؤلاء المرضى جاءوا في الغالب من مقاطعات كانت فيها الممارسات العنصرية العنيفة على أشُدِّها، بل لقد كانت مسألة روتينية، بما في ذلك "الجَلد، والاعتداء الجسدي، والقتل". ورغم ذلك، بقي هذا التاريخ غير موثّق في كثير من الحالات. وعن الطب النفسي في مصحات الأمراض العقلية، كتبَتْ سيجريست أنه "لَزِمَ الصمت حيال الدماء التي سُفكت حوله"، مثلما سَكَتَ قبل ذلك عن عنف العبودية.

آثار باقية

تغيَّر اسم مستشفى «ميلدجفيل» مراتٍ عدَّة، إلى أن استقرَّ في نهاية المطاف على «مستشفى الولاية المركزي»، قبل أن يصدر قرار بإغلاق المبنى الرئيسي في عام 2010. وفي الفصول الأخيرة من الكتاب، ترصُد سيجريست كيف أنه مع الاتِّجاه إلى إغلاق مستشفيات مماثلة، بدءًا من ثمانينيات القرن العشرين، حلّت محلَّها مؤسسات عقابية. فمع تضييق الخناق على دعم برامج الرعاية الاجتماعية، ارتفع عدد نزلاء السجون الأمريكية ارتفاعًا حادًّا، كان نصيب الملوَّنين والمرضى العقليين فيه أكبر من غيرهم. واليوم، نحو 90% من أسرّة الرعاية النفسية في الولايات المتحدة توجد في السجون وأماكن الاحتجاز. وترى المؤلفة أنَّ الطب النفسي لن يكون قادرًا على الإفلات من "تبعات العبودية" إلى أن يتحمّل مسؤوليته حيال الأعداد الغفيرة من المرضى النفسيين المودَعين بالسجون.

النهجُ الذي تتبعه سيجريست حديث ومُبتكَر، وليس له في تاريخ الطب النفسي سابقة. فهي تعتمد على خيالها في تصوير الحياة داخل أسوار مصحّات الأمراض العقلية. تحكي، مثلًا، قصة فرانسيس إدواردز، وهي أمٌّ لسبعة أطفال، أُودِعَت في «ميلدجفيل» في عام 1856. أعملت المؤلفة قريحتها في تجسيد شعور تلك السيدة، فأوردت أنَّها شعرت بخفَّةٍ غريبة في ساعديها، وهي التي ما فتئت تحمل بهما صغارها، وأنَّ ثدييها قد "اعتصرهما الألم، إذ كانا ينوءان بغذاء وليدها". ولا تجد المؤلفة غضاضةً في التطرُّق إلى مواضيع لا يربطها بتاريخ الطب النفسي رابط مباشر بالضرورة؛ فتلفت الانتباه، مثلًا، إلى معدلات الوفاة المرتفعة بين الرضع في مجتمعات السود، وترصُد كيف شكَّلت هذه العوامل –ولا تزال– حالة الصحة العقلية عند نساء هذه المجتمعات.

كتاب سيجريست واحد من عدة كتب صدرت خلال السنوات القليلة الماضية، تتناول مسألة العِرق في تاريخ الطب النفسي والمصحّات النفسية. وإنْ كان أسلوب سيجريست الانطباعي، الذي يتداخل فيه الواقعيُّ بالمتخيَّل، يقف على النقيض من أعمال تتَّسم بدرجةٍ أعلى من الصرامة العلمية، لمؤرخين مثل مارتن سمرز في كتابه «الجنون في مدينة النوايا الرائعة» Madness in the City of Magnificent Intentions الصادر عام 2019، وويندي جونافير في كتابها «المؤسسة العجيبة وابتكار الطب النفسي الحديث (1840 – 1880)» The Peculiar Institute and the Making of Modern Psychiatry, 1840-1880 الصادر في العام ذاته. فما تقدمه سيجريست من مزجٍ بين الحقيقة والخيال قد يؤدي كذلك إلى إرباك القارئ.

غير أنَّ هذا النقص في جانب الوضوح تقابله زيادة في جانب جاذبية القراءة. فمع أن تجربة قراءة الكتاب قد لا تكون مريحة في بعض الأحيان، فهو كتابٌ قيِّم، يساعد على الكشف عن الدور الذي لعبته أفكار تفوق العِرق الأبيض منذ البداية في صياغة تعريف لمن يعانون مرضًا عقليًا، وطريقة رعاية هؤلاء المرضى، وكيف أنَّ هذه الأفكار لا تزال تُلقي بظلالها على الطب النفسي.

ميكال راز: طبيب ومؤرخ في مجال السياسة الصحية في جامعة روتشستر، نيويورك.

البريد الإلكتروني: micalraz@rochester.edu