أخبار

الغموض يكتنف النتائج الأولية لتجارب لقاحات كورونا 

العلماء ينصحون بالتعامل الحذِر مع بشائر النجاح القادمة من الدراسات الأوليّة المُجراة على البشر والحيوانات.

إيوين كالاواي
  • Published online:
تجارب على البشر والحيوانات، من أجل اختبار اللقاحات المضادة لفيروس كورونا.

تجارب على البشر والحيوانات، من أجل اختبار اللقاحات المضادة لفيروس كورونا.

Credit: Juan Ignacio Roncoroni/EPA-EFE/Shutterstock

في الوقت الذي تتقدم فيه عملية تطوير لقاحات فيروس كورونا بخطى واسعة، يُطالِع العلماء -للمرة الأولى- البيانات المتصلة بتلك اللقاحات المختلفة، التي تتضمَّن بعض الإشارات إلى احتمالات نجاح كلٍّ منها. والحقُّ أن الصورة لا تزال غائمة. ففي الثامن عشر من مايو الماضي، كشفت شركة التكنولوجيا الحيوية الأمريكية «موديرنا» Moderna عن البيانات الأولية لإحدى التجارب التي أجريت على البشر، إذ حفّز اللقاح الذي تنتجه الشركة للوقاية من مرض «كوفيد-19» COVID-19 حدوث استجابة مناعية لدى الأشخاص الذين خضعوا للتجربة المذكورة، كما حالَ دون إصابة الفئران بالتهابات الرئة الناتجة عن الإصابة بفيروس كورونا «سارس-كوف-2» SARA-COV-2. وقد أعلنت الشركة –التي تتخذ من كامبريدج، في ولاية ماساتشوستس، مقرًا لها– النتائج في بيان صحفي، وجرى تفسيرها على نطاق واسع بأنها نتائج إيجابية، صاحَبها ارتفاع كبير في أسعار أسهم الشركة، إلا أنَّ بعض العلماء يقولون إنهم ليست لديهم التفاصيل اللازمة لتقييم هذه المزاعم بشكل صحيح؛ حيث إن البيانات لم تُنشر بعد.

وتُظهِر الاختبارات التي أُجريت على لقاحات أخرى، جرى تسريع العمل على تطويرها، أنها منعت حدوث التهابات رئوية بالقردة التي تعرضت لفيروس «سارس-كوف-2»، وإنْ كانت لم تمنع حدوث التهابات في أجزاء أخرى من أجسامها. أحد هذه اللقاحات –لقاح قيد التطوير في جامعة أكسفورد بالمملكة المتحدة، وهو في طور التجريب على البشر أيضًا– وفّر حماية لستة قردة من الإصابة بالالتهاب الرئوي، ولكن أنوف هذه الحيوانات كانت تؤوي كميات من الفيروس تعادل تلك الموجودة لدى القردة غير المُلقّحة، حسبما أفاد باحثون1 في الأسبوع الأخير من شهر مايو، في المسوَّدة البحثية المنشورة على موقع «بايو ركسيف» bioRxiv. وأطلقت مجموعة بحثية صينية تحذيراتٍ مشابهةً بشأن الاختبارات المبكرة على لقاحها التي أُجريت على الحيوانات خلال الشهر نفسه2.

وعلى الرغم من الغموض الذي يكتنف هذه التجارب، تمضي الفِرَق الثلاثة قُدمًا في التجارب الإكلينيكية. وتهدف هذه الدراسات المبكرة التي تُجرى على البشر إلى اختبار أمان اللقاحات بالدرجة الأولى. وأما التجارب الإكلينيكية الأكبر، التي صُممت بغرض تحديد ما إذا كانت اللقاحات قادرة بالفعل على حماية البشر من مرض «كوفيد–19»، أم لا، فقد تُعلَن نتائجها في غضون الأشهر القليلة المقبلة.

ومع ذلك.. فإن البيانات المبكرة، التي أتيحت حتى الآن، تُعطي -في مُجملها- تصوُّرًا عن كيفية تحفيز لقاحات فيروس كورونا للاستجابة المناعية القوية. ويقول العلماء إن بيانات التجارب التي أجريت على الحيوانات سوف تكون ضرورية لفهم طريقة عمل تلك اللقاحات، بحيث يتسنَّى تحديد اللقاحات الواعدة على وجه السرعة، ومن ثم العمل على تحسين أدائها.

وفي هذا الصدد.. يقول ديف أوكونُر، اختصاصي الفيروسات في جامعة ويسكونسن–ماديسون، الواقعة في مدينة ماديسون الأمريكية: "قد تتوفر لدينا في العيادات لقاحات ذات فاعلية على البشر في غضون 12 إلى 18 شهرًا، ولكننا سوف نحتاج إلى إجراء تحسينات عليها؛ لنتمكن من تطوير جيل ثان وثالث من اللقاحات".

استجابة مناعية

أما عن لقاح شركة «موديرنا»، الذي يجري تطويره بالتعاون مع المعهد الوطني الأمريكي للحساسية والأمراض المعدية (NIAID) في بيثيسدا بولاية ميريلاند، فقد بدأت الشركة -في شهر مارس الماضي- في إخضاعه لتجارب الأمان على البشر. يتكون اللقاح من معلومات الحمض النووي الريبي المرسال (mRNA) الخاصة ببناء البروتين المكوِّن لأشواك فيروس كورونا، ويعمل على تحفيز الخلايا البشرية لإنتاج هذا البروتين الدخيل بكثافة، مما ينبّه الجهاز المناعي. وبالرغم من سهولة تطوير مثل هذه اللقاحات القائمة على الحمض النووي الريبي، لم يحصل أيٌّ منها على ترخيصٍ بالتداول.

وفي بيانها الصحفي، أعلنت الشركة أن 45 مشاركًا في الدراسة، ممن تلقَّوا جرعةً واحدةً من اللقاح أو جرعتين، ظهرَتْ عليهم استجابة مناعية قوية للفيروس. وبقياس نسبة الأجسام المضادة التي تتعرّف على الفيروس في 25 شخصًا من المشاركين، تبيَّن للباحثين أنَّ هذه النسبة مقارِبة لتلك الموجودة في دم الأشخاص المتعافين من مرض «كوفيد-19»، إن لم تكُن أعلى.

وقال تال زاكس، رئيس الخدمات الطبية في شركة «موديرنا»، في عرضٍ تقديمي موجَّه للمستثمرين، إن هذه المستويات من الأجسام المضادة تبشِّر بنتائج طيبة فيما يتعلق بقدرة اللقاح على منع العدوى، مضيفًا: "إذا أمكن الوصول بمستويات الأجسام المضادة إلى المستوى نفسه لدى المتعافين، فسوف تكون هذه نتيجةً مُرضية".

هذا.. ولم يتضح -على الإطلاق- ما إذا كانت هذه الاستجابات كافية لحماية الأشخاص من الإصابة بالعدوى، أم لا، بالنظر إلى أنَّ الشركة لم تنشر بياناتها بعد، حسب قول بيتر هوتِز، عالِم اللقاحات في كلية بايلور للطب في هيوستن بولاية تكساس، الذي يقول: "لست مقتنعًا بكون هذه النتائج إيجابية حقًّا". ويستشهد هوتز بدراسة3 منشورة على خادم المسوَّدات البحثية «بايو رسكيف»، بتاريخ الخامس عشر من مايو، تفيد بأن معظم الأشخاص الذين تعافوا من مرض «كوفيد-19» دون حاجة إلى إدخالهم إلى المستشفيات، لا تنتج أجسامهم مستويات مرتفعة مما يُعرف بـ«الأجسام المضادة المعادِلة»، التي تمنع الفيروس من إصابة الخلايا بالعدوى. وقد قاست شركة «موديرنا» نسبة هذه الأجسام المضادة القوية في ثمانيةٍ من المشاركين في التجربة، ووجدت أن مستوياتها تماثِل تلك الموجودة لدى المتعافين.  

وبالمثل، تُساوِر الشكوك هوتز بشأن النتائج الأولية التي خرج بها فريق جامعة أكسفورد، التي كشفت عن أن القردة لم تنتِج سوى مستويات متواضعة من الأجسام المضادة المُعادِلة بعد تلقي جرعة واحدة من اللقاح (وهو النظام العلاجي نفسه الذي يخضع للاختبار في التجارب البشرية). ويقول هوتز: "يَلزم أن تكون هذه المستويات -على ما يبدو- أعلى من ذلك بكثير، حتى توفر الحماية اللازمة". يُذكَر أنَّ هذا اللقاح يُصنع من فيروس مُعدَّل وراثيًّا، يصيب قرود الشمبانزي، بهدف إنتاج بروتين فيروس كورونا.

ويرى هوتز أن اللقاح الذي طوَّرته شركة التكنولوجيا الحيوية «سينوفاك» Sinovac -التي يقع مقرُّها في بكين- قد أطلق -فيما يبدو- استجابة مناعيةً أقوى لدى قرود المكاك، بعدما تلقَّت ثلاث جرعات منه، حسبما وَرَدَ في ورقة علمية2 نُشرت في مجلة «ساينس» Science في الخامس من مايو؛ علمًا بأن هذا اللقاح يُصنع من جسيمات فيروس «سارس-كوف-2» مثبطة كيميائيًّا.

والحقُّ أن أحدًا لا يَعرف على وجه الدقة -حتى هذه اللحظة- طبيعة الاستجابة المناعية التي من شأنها وقاية البشر من الإصابة بمرض «كوفيد-19». وعليه، فلا يبعُد أنْ تكون مستويات الأجسام المضادة المُعادِلة التي يستحثُّها لقاح فريق أكسفورد في القردة كافية لحماية الأشخاص من العدوى، على حدِّ قول مايكل دياموند، اختصاصي المناعة الفيروسية في جامعة واشنطن في مدينة سانت لويس بولاية ميزوري، وعضو المجلس الاستشاري العلمي في شركة «موديرنا». ويرى أنه حتى إذا لم تكن هذه المستويات من الأجسام المضادة كافية، فلربما يكون في الإمكان تعزيزها بجرعةٍ ثانية، لكنَّه يستدرك قائلًا: "السؤال الذي لم نجد له إجابةً حتى الآن هو: إلى متى ستدوم هذه الأجسام المضادة؟".

وثمة أسئلة أخرى تحوم حول تلك التجارب، التي خرجت بنتائج مفادُها أنَّ اللقاحات قادرة على حماية الحيوانات من الإصابة العدوى. فشركة «موديرنا» -على سبيل المثال- تقول إن لقاحها قد أوقف تكاثر الفيروس في رئات الفئران. وكانت هذه القوارض قد عُرِّضت للإصابة بنسخة معدلة وراثيًّا من الفيروس، بما يسمح لها بمهاجمة خلايا الفئران، التي لا تكون عادة عرضة للإصابة بفيروس «سارس-كوف-2»، وفقًا لشرح زاك في العرض التقديمي المذكور، بيد أنَّ الطفرة تطول البروتين الذي تعتمد عليه غالبية اللقاحات، بما في ذلك لقاح «موديرنا»، من أجل تحفيز الجهاز المناعي؛ وهو ما قد يغيّر من استجابة الحيوان للعدوى4.

تخضع قردة المكاك الريسوسي لاختبارات اللقاحات.

تخضع قردة المكاك الريسوسي لاختبارات اللقاحات.

Credit: Magnus Lundgren/Wild Wonders of China/Nature Picture Library

كانت قرود أكسفورد قد عُرِّضت لجرعة عالية من الفيروس بعد تلقِّيها اللقاح، حسبما أفادت سارة جيلبرت، اختصاصية اللقاحات في جامعة أكسفورد، التي شاركت في قيادة الدراسة مع فينسنت مونستر، عالِم الفيروسات في مختبرات المعهد الوطني الأمريكي للحساسية والأمراض المعدية في هاميلتون بولاية مونتانا. ولعلَّ هذا هو السبب في احتواء أنوف الحيوانات الملقَّحة على كمية من المادة الجينية للفيروس تُعادِل تلك الموجودة عند نظيرتها في مجموعة الضبط، بالرغم من أن القرود المُلقَّحة لم تظهر عليها أيّ علامات التهاب رئوي. فحَقْن الحيوانات بجرعاتٍ عالية من الفيروس يضمن إصابتها، غير أنَّ ذلك لا يحاكي بالضرورة العدوى الطبيعية. ويقول دياموند إنَّ دراسة جامعة أكسفورد لم تتحقق مما إذا كان الفيروس لا يزال قادرًا على إحداث العدوى، أم لا؛ إذ ليس من المُستبعَد أن تشير المادة الجينية إلى جزيئات الفيروس المثبَّطة بفعل الاستجابة المناعية لدى القردة، أو الفيروسات التي حُقنت بها، بدلًا من الإشارة إلى استمرار العدوى. 

ورغم ذلك.. يذهب دوجلاس ريد -عالِم الجسيمات العضوية في جامعة مركز بيتسبرج لبحوث اللقاحات في ولاية بنسلفانيا- إلى أنَّ هذه النتيجة تزيد من احتمالية أن يظلَّ الأشخاص قادرين على نشر الفيروس، حتى بعد تلقِّيهم اللقاح. وعن ذلك يقول: "إننا نرغب -من خلال تَصَوُّرنا المثالي- في التوصل إلى لقاحٍ لا يقي من الإصابة بالمرض فحسب، وإنما من انتقاله أيضًا".

مؤشرات الأمان

يرى الباحثون أنَّه إذا كان من الصعب تقييم الفعَّالية المحتملة للقاحات، فإنَّ أحدث البيانات يقدِّم صورة أكثر وضوحًا فيما يتعلق بمسألة أمان اللقاحات، إذ لم يتسبب لقاح «موديرنا» سوى في القليل من المشكلات الصحية الحادة وغير الدائمة لدى المشاركين في التجربة. كما لم تُصَب القردة المُلقحة التي خضعت للتجارب في أكسفورد وسينوفاك لمضاعفاتٍ مَرضية بعد تعريضها للفيروس؛ وهو ما يُعَد من بين المخاوف الأساسية المرتبطة باللقاحات، بالنظر إلى أنَّ أحد اللقاحات المعطَّلة لأحد أفراد عائلة فيروسات كورونا -هو الفيروس المُسبب لمتلازمة الجهاز التنفسي الحادة الوخيمة «سارس» SARS- قد تمخَّضت عنه مضاعفات مَرضية في قرود المكاك5.

ومن جانبه، يرى ستانلي بيرلمان، اختصاصي الفيروسات التاجية في جامعة أيوا بمدينة أيوا سيتي، أنَّ هذه البيانات لا ينبغي أن تُثنِي مطوِّري اللقاحات عن المُضيِّ في إجراء التجارب البشرية للتحقُّق من فاعلية اللقاحات.

ومن المقرَّر أن تشرع شركة «موديرنا» قريبًا في تنفيذ المرحلة الثانية من التجربة، التي تضمُّ هذه المرَّة 600 مشارك. وتأمل الشركة في إطلاق المرحلة الثالثة من مراحل تجربة اختبار فعَّالية اللقاح -على أن تكون أوسع نطاقًا- في شهر يوليو المُقبل، سعيًا إلى اختبار قدرة اللقاح على وقاية الفئات الأشد عرضة لخطر الإصابة بالمرض، مثل العاملين في مجال الرعاية الصحية، والأشخاص الذين يعانون من مشكلات صحية أخرى. وقال زاكس إن هناك مزيدًا من الدراسات على الحيوانات قيد الإجراء حاليًّا، بما في ذلك بعض الدراسات على القردة، وإنْ كان من غير الواضح بعد نوع الحيوان الذي سيقدم لنا أفضل تنبؤ حول مدى فعالية اللقاح، وآلية عمله.

لقد تمكَّن فريق أكسفورد من تسجيل أكثر من 1000 متطوِّع لخوض التجربة التي يجريها الفريق في المملكة المتحدة، تلقَّى بعضهم دواءً وهميًّا، بما يتيح للباحثين تحديد ما إذا كانت اللقاحات سوف تُؤتي بنتائج إيجابية على البشر خلال الأشهر القادمة. وترى جيلبرت أن خروج نتائج الدراسة التي أجراها الفريق على القردة خاليةً من المشكلات المتصلة بالأمان لهُو أمرٌ يبعث على الارتياح.

وفي تعليقها حول هذا الشأن، تقول جيلبرت: "لسنا في حاجةٍ -حقًّا- إلى الاستمرار في جمع مزيدٍ من البيانات من تجارب الحيوانات، إذا ثبتت فعالية اللقاح على البشر، فحينها -فقط- يمكن القول إن اللقاح فعَّال على البشر، وذلك هو ما نتطلع إليه".  

References

  1. van Doremalen, N. et al. Preprint at bioRxiv https://doi.org/10.1101/2020.05.13.093195 (2020).
  2. Gao, Q. et al. Science https://doi.org/10.1126/science.abc1932 (2020). | article
  3. Robbiani, D. F. et al. Preprint at bioRxiv https://doi.org/10.1101/2020.05.13.092619 (2020).
  4. Dinnon, K. H. III et al. Preprint at bioRxiv https://doi.org/10.1101/2020.05.06.081497 (2020). 
  5. Tseng, C.-T. et al. PLoS ONE 7, e35421 (2012). | article