أنباء وآراء

علم المياه: عندما تهطل الأمطار، تثور البراكين

شهدت بداية عام 2018 هطْل الأمطار بغزارةٍ غير معهودة على جزيرة هاواي. وتشير النماذج إلى أن تلك الأمطار قد تسبَّبت في زيادة ضغط المياه الجوفية، وهو ما يُحتمل أن يكون السبب وراء حدوث التغيُّرات التي أفضت إلى ثوران بركان كيلاويا على ظهر الجزيرة.

مايكل مانجا
  • Published online:
الشكل 1| حممٌ متدفقة من منطقة الصدع السفلي الشرقي في بركان كيلاويا. يقترح فاركوهارسون وأميلونج2 أنَّ تساقُط الأمطارٍ بغزارةٍ غير معهودة على هاواى هو ما أدى إلى ثوران الصّهارة من هذا الجزء من البركان في عام 2018.

الشكل 1| حممٌ متدفقة من منطقة الصدع السفلي الشرقي في بركان كيلاويا. يقترح فاركوهارسون وأميلونج2 أنَّ تساقُط الأمطارٍ بغزارةٍ غير معهودة على هاواى هو ما أدى إلى ثوران الصّهارة من هذا الجزء من البركان في عام 2018.

بدأتْ آخِرُ ثورةٍ لبركان «كيلاويا»، الواقع في جزيرة هاواي، في عام 1983. وعلى مدار 35 عامًا، انبثقت النسبة الأكبر من صهارته عبر مجموعةٍ من الشقوق، تُعرَف بمنطقة الصدع العلوي الشرقي، حتى كان يوم الثالث من مايو لعام 2018، حين انفتحت فوَّهة البركان في تلك المنطقة، فتفجَّرت منها الحِممُ البركانية بكمياتٍ ضخمة، تدفَّقت عبر الجزء الجنوبي الشرقي من الجزيرة، مُحْدِثةً به دمارًا هائلًا1 (الشكل 1). ومن بين الأسئلة المهمة في هذا الشأن.. سؤالٌ يتعلَّق بالتوقيت: لماذا حدث هذا التغيُّر في شهر مايو من عام 2018، وليس في مرحلةٍ زمنية سابقة -أو لاحقة- من مراحل الثوران البركاني؟ في بحثٍ نُشر مؤخرًا في دورية Nature، طرح الباحثان جايمي فاركوهارسون، وفالك أميلونج2 فرضيةً، مفادُها أنَّ الأمطار التي تساقطت في بداية عام 2018، والتي تخطَّت المعدلات القياسية لهطْل الأمطار على تلك المنطقة، تسببت في زيادة ضغط المياه الجوفية، الأمر الذي أدَّى بدوره إلى تسهيل انشقاق الصخور، ومن ثم صعود الصهارة البركانية إلى السطح في مواقع جديدة.

يبدأ تكوُّن المسارات التي تصل الصهارة من خلالها إلى سطح الأرض بحدوث انهيارٍ ميكانيكي في الصخور، وذلك عن أحد طريقين: إما بحدوث شقوقٍ جديدة، أو انزلاق صدوعٍ قائمة. ويمكن للتغيرات في ضغط المياه الجوفية أن تحفز كلتا العمليتين. ففي الحالة الأولى، تؤدي الزيادة في ضغط الماء إلى خفض مقدار الإجهاد المطلوب لفتح شقوقٍ جديدة. أما في الحالة الثانية، فيمكن أن تنزلق الصدوع عندما تفُوق الإجهادات المؤثرة في اتجاهٍ موازٍ لها (إجهادات القص) تلك المؤثرة في اتجاهٍ عمودي عليها (الإجهادات العمودية)، حيث إنَّ الإجهادات العمودية تعمل على إبقاء الصدع مغلقًا، أمَّا زيادة ضغط السوائل في الصخور، فمِن شأنها خفْضُ تلك الإجهادات دون تأثيرٍ يُذكر على إجهادات القص، ومن ثمَّ تحفز انهيار الصدع.

ويترتَّب على هطْل الأمطار الغزيرة ارتفاع مستويات المياه تحت سطح الأرض، وزيادة ضغط المياه الجوفية بالتبعية. ونظرًا إلى أنَّ الصخور البركانية في هاواي عالية النفاذية، فإنَّها تسمح للمياه بأن تتخللها، ولتغيرات الضغط بأنْ تتغلغل إلى أعماقٍ تصل إلى بضعة كيلومترات، على مقربةٍ من العُمق الذي تُختزَن عنده الصهارة. يُضاف إلى ذلك أنَّ التغيرات في ضغط الماء تستغرق وقتًا، كي تتغلغل من السطح إلى تلك الأعماق. وبناءً على ذلك.. فإن ترحيل الانهيار الميكانيكي للصخور إلى أسفل مع مرور الوقت، وكذلك وجود فاصلٍ زمني بين تراكم المياه على السطح، وحدوث الانهيار عند تلك الأعماق3، يُنظر إليهما باعتبارهما من المؤشرات الرئيسة على أنَّ هطْل الأمطار كان هو السبب وراء انهيار الصخور ببركان كيلاويا.

وقد وضع فاركوهارسون وأميلونج نموذجًا لرصد تغيرات الضغط المصاحِبة للبركان المذكور، التي تَسَبِّب حدوثها في تساقُط الأمطار خلال الأشهر السابقة على اندلاع الثوران البركاني في الثالث من مايو 2018. كشف النموذج عن وجود زيادةٍ في مستوى الضغط، تُقدَّر بعشرات إلى مئات الباسكالات، على عمق بضعة كيلومترات. واستنادًا إلى هذه التغيرات، إلى جانب أربع مجموعاتٍ من الملاحظات، تشير في مجموعها إلى ارتباط الثورات البركانية في كيلاويا بأنماط هطْل الأمطار الغزيرة، طرح الباحثان فرضيةً، مؤدَّاها أنَّ الأمطار الكثيفة هي التي حفَّزت الانهيار الصخري، الذي مكَّن الصُّهارة من التدفق إلى منطقة الصدع السفلي الشرقي.

فهل هذه فرضيةٌ معقولة؟ صحيحٌ أنَّ تغيرات الضغط الناجمة عن هطْل الأمطار -التي أمكن احتسابها من خلال النماذج- محدودة الأثر، فهي أقلُّ في مداها من الإجهادات الناجمة عن تيارات المد والجَزْر، إلا أنَّها قد تكون كافيةً لبدء الانهيار، إذا ما كانت الصخورُ على وشك الانشقاق بالفعل. لقد صاحَبَ الثورة البركانية في عام 2018 وقوع زلزالٍ، قوّته 6.9 درجة على مقياس ريختر. وهناك العديدُ من الأمثلة على الزلازل التي تقع من جرَّاء حدوث تغيراتٍ في الضغط بهذا الحجم4. وعلى سبيل المثال.. تُعزى الزيادة الكبيرة في وتيرة وقوع الزلازل بوسط وشرق الولايات المتحدة خلال العقد الأخير إلى حَقْن مياه الصرف في الصخور المُنفِذة للسوائل؛ الأمر الذي يتسبب في زيادة ضغط المياه، وتنتج عنه تغيراتٌ في الإجهادات5.

وكذلك فإنَّ السجل الجيولوجي يؤكد أنَّ التغيرات في الإجهادات عند سطح الأرض يمكن أن تؤثر على النشاط البركاني. فعلى اليابسة، يحفِّز انحسار الأنهار الجليدية نشاط البراكين6. كما يمكن للتغيرات في مستوى سطح البحر التي تحدث بين الفترات الجليدية وما بين الجليدية أن تؤثِّر على معدلات الثورات البركانية عند ظهور المحيطات (أو ما يُعرف بأعراف منتصف المحيطات)7. وفضلًا عن ذلك.. تتسبب الإجهادات الناجمة عن الزلازل الضخمة في زيادة احتمالية اندلاع الثورات البركانية8، ويمكنها أن تؤثر على نشاط البراكين النشطة بالفعل9.

من الثابت أنَّ التغيرات في ضغط المياه تعزز احتمالية وقوع الزلازل، إلا أنَّها ليست بالضرورة سببًا مباشرًا لثوران صهارة البراكين. فلكي تبدأ الصهارة في الانتقال عبر قشرة الأرض، يَلزم أن تُولِّد في الصخور المحيطة إجهاداتٍ كبيرة بما يكفي لفتح مسارٍ خلالها، إلا أنَّ الزلازل التي تقع في القشرة الأرضية حول تلك الصهارة المخزنة يمكنها في الواقع أن تخفف الإجهاد؛ وبذا.. فقد تجعل ثورانها أكثر صعوبة10.

وهكذا، فإنَّ ما يفترضه فاركوهارسون وأميلونج من إمكانية انهيار صدعٍ ما بالقرب من الصهارة المختزنة بفعل التغيرات في ضغط المياه، ما زال طرحًا غير محسوم. فقد تبيَّن أنَّ كمية الصهارة الأولى التي تفجَّرت من الأرض من منطقة الصدع السفلي الشرقي في عام 2018 كانت في الأصل قديمة، ولربما كانت متبقيةً من ثورانٍ سابق11 وقع في عام 1955. وإنْ دلَّ ذلك على شيء، فإنما يدلُّ على أنَّ منطقة الصدع كانت ساخنةً بالفعل. ونتيجةً لذلك.. فلا يبعُد أن تكون المياه الجوفية في منطقة الصدع قد وُجِدَتْ في صورة بخارٍ على الأعماق الضحلة12، وعند الأعماق الأبعد في صورة سائلٍ فوقَ حَرِج (مادة ليست في حالةٍ سائلة أو غازية خالصة، وإنما تحمل خصائص من كلتا الحالتين). والقابلية العالية للانضغاط، التي تتسم بها الأبخرة والموائع فوق الحرجة، من شأنها أن تحدّ من تغيرات الضغط كما قدَّرها نموذج الباحثيْن، وهو ما يقلل احتمالية حدوث الانهيار.

إذَن، كيف يمكن اختبار فرضية عزو بدء الثوران البركاني في منطقة الصدع السفلي الشرقي إلى هطْل الأمطار؟ لسوء الحظ، قلَّما تتضمَّن عمليات رصد النشاط البركاني قياس الضغط تحت السطح، أو البيانات الهيدروجيولوجية عمومًا. ولذا.. فبدلًا من ذلك، وكما هو الحال مع عديدٍ من الأسئلة المتصلة بعلوم الأرض وتاريخها، علينا أن نبحث في الثورات البركانية التي وقعت في الماضي، اعتمادًا على سجلاتها الجيولوجية والتاريخية. ومن هذا المنطلق، أقدم الباحثان -دعمًا للفرضية التي يطرحانها- على تحليل كل ثوران حدث لبركان كيلاويا، ومسجَّل منذ عام 1790، وأوضحا أنَّ البركان يثور عادةً في الأوقات التي تشهد أكبر معدَّل لهطْل الأمطار خلال العام.

إذَن، هل ينبغي رفع درجة التأهُّب، تحسُّبًا لوقوع ثورانٍ بركاني في أعقاب هطْل الأمطار الغزيرة؟ في إمكاننا أن نطرح السؤال نفسه عن التغيرات الأخرى في الإجهاد، مثل تلك الناجمة عن الزلازل الإقليمية. والحقُّ أن إجابة هذا السؤال لا تزال معلَّقة، لأنَّ هذه التغيرات في الإجهاد محدودة، ومن ثمَّ فإنَّها لا تؤثر سوى على التوقيت الدقيق لثوران الصهارة وصعودها إلى السطح، وهذا إنْ كان لها أي تأثيرٍ على الإطلاق. وفي كيلاويا، كانت هناك مصادر أخرى للإجهاد؛ بل كانت هناك توقعاتٌ بحدوث تغيُّر في سلوك الثوران، استنادًا إلى قياسات التشوهات الأرضية، والحركة المستنبَطة للصُّهارة. وبناءً على ذلك.. أصدر مرصد براكين هاواي تحذيرًا في السابع عشر من شهر إبريل من ذلك العام، منوهًا إلى احتمال انفتاح فوهةٍ بركانيةٍ جديدة1.

وهكذا، فإنَّ احتمالية تسبُّب عملياتٍ خارجية في بدء الثوران البركاني تُذكِّرنا بأنَّ البراكين إنْ هي إلا جزءٌ من المنظومة الديناميكية لكوكبنا، فثوراتها تؤثر على جميع البيئات على سطح الأرض، بما في ذلك المناخ والطقس13، وربما تتأثر أيضًا بالتغيرات في تلك البيئات، مثل هطْل الأمطار الغزيرة. وها نحن نخطو أولى الخطوات نحو فهْم هذه التفاعلات.

References

  1. Neal, C. A. et al. Science 363, 367–374 (2019). | article
  2. Farquharson, J. I. & Amelung, F. Nature 580, 491–495 (2020). | article
  3. Montgomery-Brown, E. K., Shelly, D. R. & Hsieh, P. A. Geophys. Res. Lett. 46, 3698–3705 (2019). | article
  4. Foulger, G. R., Wilson, M. P., Gluyas, J. G., Julian, B. R. &Davies, R. J. Earth Sci. Rev. 178, 438–514 (2018). | article
  5. Keranen, K. M., Weingarten, M., Abers, G. A., Bekins, B. A.& Ge, S. Science 345, 448–451 (2014). | article
  6. Jellinek, A. M., Manga, M. & Saar, M. O. J. Geophys. Res. Solid Earth 109, B09206 (2004). | article
  7. Boulahanis, B. et al. Earth Planet. Sci. Lett. 535, 116121(2020). | article
  8. Linde, A. T. & Sacks, I. S. Nature 395, 888–890 (1998). | article
  9. Avouris, D. M., Carn, S. A. & Waite, G. P. Geology 45, 715–718 (2017). | article
  10. Gudmundsson, A. Volcanotectonics: Understanding the Structure, Deformation and Dynamics of Volcanoes (Cambridge Univ. Press, in the press). 
  11. Gansecki, C. et al. Science 366, eaaz0147 (2019). | article
  12. Hsieh, P. A. & Ingebritsen, S. E. J. Geophys. Res. Solid Earth 124, 1498–1506 (2019). | article
  13. National Academies of Sciences, Engineering, and Medicine. Volcanic Eruptions and Their Repose, Unrest, Precursors, and Timing (National Academies, 2017). 

مايكل مانجا يعمل بقسم الأرض وعلوم الكواكب في جامعة كاليفورنيا بمدينة بيركلي، بيركلي، كاليفورنيا 94720-4767، الولايات المتحدة الأمريكية.

البريد الإلكتروني: manga@seismo.berkeley.edu