رؤية كونية

لنستغل جائحة كورونا في نشر الوعي بأهمية تقنيات المعاقين

الارتباك الذي يعانيه الوسط الأكاديمي حاليًّا بسبب الجائحة يُبيّن كم يمكن له أن يتعلم من مجتمع المعاقين.

أشلي شو

  • Published online:

RANDY HEFLIN/ASHLEY SHEW

منذ فترةٍ طويلة، يُنظِّم المعاقون -وأنا من بينهم- حملاتٍ تنادي بتوفير تسهيلاتٍ تساعدنا على عيش حياتنا. وقد أظهرت جائحة «كوفيد-19» COVID-19 أنَّ تلك المطالب قابلة للتنفيذ، بخلاف ما كانوا يخبروننا على الدوام. فالمتاجر الكبيرة والمطاعم والصيدليات (حتى تلك التي تقع خارج المدن) بإمكانها توصيل الطلبات إلى المنازل، وبمقدور كثيرين أن يعملوا ويتعلموا عن بعد، بل وأن يحصلوا كذلك على الخدمات الطبية، كما تبيَّن أنَّه يُمكن لحيواتنا الاجتماعية أن تكون مثمرةً دون أن يقتضي ذلك مغادرة المنزل.

وفي كل مكانٍ حولي الآن، أرى زملاء أكاديميين يلجأون إلى حيلٍ مصممة لخدمة احتياجات ذوي الإعاقة، وتسهيلاتٍ طالما طالبنا بها. وكنتُ أتمنى لو كان الجميع قد فكروا في تلك الحيل مبكرًا، وفي ذوي الإعاقة أصلًا. لذا، فحين تُنهَى إجراءات الإغلاق وتقييد الحركة، علينا ألا ننسى تلك الدروس، على الأقل لأنَّ الجائحة ستسبب حالة عجزٍ بين البشر، وأكثر من سيشعر بآثارها هم الفئات الأضعف في المجتمع.

يدفع الوسط الأكاديمي الآن ثمن تمييزه ضد المعاقين. فقد اضطرت كثير من الجامعات إلى تقليص الأنشطة البحثية التي تتطلب حضور المشاركين شخصيًا، وكذلك تلك التي تُجرى في المختبرات. ولو أنَّ تلك المشاريع البحثية أخذت المعاقين في اعتبارها منذ البداية، فلربما كان وضعها سيصبح أفضل مما هو عليه الآن. فالأكاديميون من ذوي الإعاقة يضعون خططهم التي تتسم بالمرونة في جوهرها، ويقسِّمونها إلى مراحل قصيرة.

في عام 2014، عدتُ إلى عملي كأستاذةٍ مساعدة، وأنا أعاني من إعاقاتٍ مُتعددة كنتُ قد أصبتُ بها مؤخرًا، مثل البتر، وضعف السمع، والإعياء الشديد بسبب العلاج الكيميائي، وغير ذلك. شعرتُ بأنَّني غريبةٌ عن المكان، ولم يكن بمقدوري دخول كثيرٍ من الأماكن، بما في ذلك مكاتب معظم زملائي، فسعيتُ إلى بناء صداقاتٍ حميمة مع غيري من المعاقين، سواء كانوا من أعضاء هيئة التدريس، أو من الطلاب، أو الموظفين بالجامعة. وجميعنا نُدرك ما تتسم به الإعاقات من تنوعٍ كبير، الخِلقية والمكتسبة منها، إذ تتراوح بين الإعاقات الإدراكية والحسية والحركية، على سبيل المثال لا الحصر، وبعضها ظاهر والآخر خفي. وإضافةً إلى ذلك، ينخرط كثيرٌ منا في أبحاثٍ تبرز كيف أنَّ المعاقين أفضل الخبراء في التكنولوجيا الحديثة، والبِنى التي تلبي احتياجاتنا.

فعلى سبيل المثال، يدرس واحدٌ من مشاريعي البحثية تقارير بخصوص التجارب الحياتية للمعاقين مع التقنيات الحديثة، وأوجه اختلافها عن تجارب العلماء والمهندسين الذين يصمّمونها. وقد وضعتُ خطة العمل منتوية أن يتضمّن فريق البحث عددًا من الطلاب المعاقين. ومن ثم، فإنَّ معظم الدراسات المطلوبة يُمكن إجراؤها عن بُعد، بل ومن الفراش أيضًا، وفق جدولٍ زمني غير تقليدي ولا متزامن، يُوضع حسب الحاجة. وهكذا، حين خضعتُ العام الماضي لجراحةٍ في الرئة، تمكن فريقي البحثي من تغيير طريقة العمل بسرعة دون أي عقبات. ونظرًا إلى كون مشروع فريقي البحثي مصممًا بالأساس لمراعاة احتياجات المعاقين، فإنَّه لا يتأثر بالجائحة الحالية.

وكذلك هناك مشروعٌ آخر يهدف إلى تقييم تجارب الطلاب الذين يدرسون الهندسة المدنية، وقد صممناه ليضم مشاركين يعانون أنواعًا مختلفة من الإعاقات. لذا حصلنا على موافقةٍ لاستخدام وسائل اتصال تتصف بالمرونة، وبهذا نجري مقابلاتنا مع المشاركين باستخدام النصوص المكتوبة، والبريد الإلكتروني، وتطبيق «زووم» Zoom، وغير ذلك من الوسائل. ولأنَّنا خططنا مشروعنا البحثي ليقوده المعاقون ويشاركون فيه، فإنَّنا على أتم استعدادٍ للتعامل مع الوضع الراهن، أو أي وضعٍ آخر.

إضافة إلى ذلك، يبرع كثيرٌ من ذوي الإعاقة في إدارة طاقاتهم، والتسامح مع عجزهم أحيانًا عن الوفاء بمعايير "الإنتاجية" التقليدية. وهكذا، بينما يجاهد زملائي من غير المعاقين للتكيف مع الظروف الراهنة، يُثمن فريق عملي قاعدةً ترى أنَّه "ينبغي للوقت أن يخضع لقدرة أجسادنا»، وليس العكس. يُطلق بعض المعاقين على هذه الفكرة اسم «زمن العجز» Crip Time، مغيرين بذلك مضمون مصطلحٍ كان يُستخدم للتحقير منهم، بعد أن حوَّلوه إلى مصدر فخرٍ لهم (يشبه هذا إلى حدٍ بعيد لفظ «شاذ» queer بالنسبة لكثيرٍ من أفراد مجتمع الميم).

ويبتكر مجتمع المعاقين تقنياتٍ وبنى تحتية تُحسّن من حياة الجميع، ويضغط من أجل تطبيقها. فعلى سبيل المثال، كافح الصُم والمعاقون بقوة من أجل توفير أشياءٍ مثل الترجمة النصية في برامج التلفاز، والتي أصبح لا يخلو منها أي مطارٍ أو حانة تذيع الفاعليات الرياضية منذ ذلك الحين، ويُقدِّر أهميتها اليوم أولئك الذين يرغبون في متابعة المواد الإعلامية بينما يعمل بقية أهل البيت، أو ينالون قسطًا من الراحة.

المفارقة المريرة حاليًّا هي أنَّه بينما بدأ غير المعاقين -أو بالأحرى من لم يُصابوا بإعاقاتٍ حتى الآن- يألفون تلك الوسائل والحيل الخاصة بالمعاقين، والبِنى التحتية التي توافرت بشق الأنفس، فمن الواضح أنَّ المجتمع نفسه يتجاهل المعاقين. إذ إنَّ مرض «كوفيد-19» يفتك بأعدادٍ أكبر من المعاقين مقارنةً بغيرهم، وذلك في مراكز التأهيل، ومؤسسات الدولة (بما في ذلك السجون)، والبيوت الجماعية، ودور الرعاية.

وقد طُبِّق عديدٌ من التسهيلات اللازمة في ظل الجائحة خلال أسابيع، بما في ذلك إمكانية العمل من المنزل، وفق جداول زمنية مرنة، والحصول على الاحتياجات دون إجراءات توثيق مهينة ومبالغ فيها، ومشاركة الأساليب المبتكرة للتكيّف والاحتفاء بها، والعمل مع العلم بأنَّ جميع الجداول الزمنية قابلة للتغير. وهذه كلها أمورٌ يُطالِب بها المعاقون وذوو الأمراض المزمنة منذ فترةٍ طويلة للغاية. ومن ثمَّ فإنَّني أتمنّى، بعد أن ننجح في الحد من تفشي المرض وإنقاذ حياة أكبر عددٍ ممكن من البشر، ألا نعود من جديد للعيش في عالمٍ يتجاهل المعاقين (لا سيّما أنَّ الجائحة ستزيد أعدادهم على الأرجح).

علينا إذًا أن نبدأ من الآن إجراء تلك التغييرات، التي كان ينبغي لها أن تكون وضعنا المعتاد منذ البداية. فلنخطط بأساليب مبتكرة وميسّرة، تسمح بمزيد من العمل عن بُعد، واستيعاب أولئك الذين تفتقر حياتهم إلى إيقاعٍ زمني منتظم. ولنرحّب باقتراحات زملائنا وطلابنا المعاقين بشأن كيفية تطويع بيئة العمل بما يتلاءم مع أنماطهم العصبية وجداولهم الزمنية. وكذلك من الضروري أن نستعد لتقبل النقد: فكثيرًا ما يخضع تصميم بيئات العمل لما يُمليه العُرف والعادة، بدلًا من الاستناد إلى الإمكانية والتجارب ذات الصلة.

ومن المهم كذلك أن نجعل المواد البحثية والتعليمية متاحةً من خلال وسائط متعددة، بتوفيرها في صيغٍ تناسب المصابين بمختلف الإعاقات الجسدية، وأولئك الذين يقرأون، ويتواصلون، ويشاركون أفكارهم، ويُسهمون بطرقٍ مختلفة. ولنفكر في طرقٍ متنوعة تسمح بالمشاركة في التمويل، والمراجعة، والبحث، والتفاعل. وتوقفوا عن النظرات التشييئية المتعالية، والافتراضات المسبقة بشأن رغباتنا واحتياجاتنا. ولتضموا المعاقين إلى المجالس الإدارية، وفرق البحث، والدراسات. وتعلَّموا منَّا. فقد أجبرتنا الظروف على أن نتقن الابتكار، وجعلت الجائحة قيمة ذلك أوضح من أي وقتٍ مضى.

أشلي شو أستاذة مساعدة في قسم العلوم والتكنولوجيا والمجتمع بمعهد فرجينيا للعلوم التقنية، وجامعة ولاية فرجينيا بمدينة بلاكسبرج.

بريد إلكتروني: shew@vt.edu