افتتاحيات

شاركوا الدروس المستفادة من إنهاء إجراءات الغلق وتقييد الحركة

تتَّجه الدول إلى رفع القيود المفروضة على الحركة والتنقل، بينما لا يوجد اتفاقٌ حول أفضل السُّبل إلى تحقيق ذلك.

  • Published online:

تُرى ما هو التوقيت المناسب لإنهاء إجراءات الغلق وتقييد الحركة؟ وما أفضل السُّبل لتحقيق ذلك؟ سؤالان يُلِحَّان على جميع البلدان والأقاليم التي فرضت قيودًا شاملة أو جزئية على الحركة والتنقل -ويبلغ عددها نحو 180 دولةً وإقليمًا- في محاولةٍ للتصدِّي لانتشار فيروس كورونا الجديد. ومع تقدُّم تلك البلدان بحذرٍ نحو إعادة فتح المدارس، والشركات، والأماكن العامة، يتضح مع الوقت أنَّه ليس ثمة إجماعٌ على الطريقة الأفضل لبلوغ تلك الغاية، نظرًا إلى إخفاق الجهود المبذولة لتنسيق الإجراءات المتخذة في هذا الصدد على مستوى العالم.

لا خلافَ على حاجة الدُّول الماسَّة إلى عودة مواطنيها إلى العمل.. فوفقًا لما أعلنته منظمة العمل الدولية (ILO)، التابعة للأمم المتحدة، هناك ما لا يقلُّ عن 1.6 مليار شخص حول العالم، تعرَّضت حيواتهم وأرزاقهم للخطر، من جرَّاء أوامر البقاء في المنازل. وغالبية هؤلاء.. من العمال الذين لا يحصلون على دخلٍ ثابت، ولا يتمتعون بالحماية الصحية، ولا يستطيعون إنجاز أعمالهم من المنزل. فإذا ما تعذَّر العمل، يتعذَّر كذلك الحصول على الطعام، والمال اللازم لدفع إيجار السكن. وقد تدخلت الحكومات بتقديم أشكال مختلفة من الدعمٍ المادي المؤقت للمتضررين، غير أنها لجأت إلى الاستدانة بمبالغ كبيرة؛ من أجل توفير ذلك الدعم.

وينبِّه الباحثون إلى أنَّه متى نفد هذا الدعم المالي، فإن الوضع الصحي لهذه الفئات -المتردي أصلًا بسبب الفقر- قد يزداد سوءًا. كما يُحَذِّر برنامج الغذاء العالمي من أنَّ 265 مليون شخص سيعانون من الجوع الحاد بحلول نهاية عام 2020؛ وهو ضِعف عدد مَن كانوا يواجهون أزماتٍ غذائية قبل أن تنزل بالعالم جائحة «كوفيد-19»، (انظر: go.nature.com/3c8aebj).

هذه العواملُ مجتمعة تدفع باتجاه إعادة فتح الاقتصادات والمجتمعات، بيد أنَّ صفحة الجائحة لم تنطوِ بعد، فلا تزال أعداد الإصابات والوفيات في ازدياد. وإذا ما رُفعت القيود قبل الأوان، فقد تمتدُّ آثار الفيروس، وتستفحل أخطاره.

 "سيضمن التعاون -في نهاية المطاف- إمكانية توفير الحماية من المرض للمجتمعات في بلدان العالم كافة".

وقد نشرت منظمة الصحة العالمية توجيهاتٍ خلال الشهر الماضي إلى البلدان التي تبحث في أمر تخفيف بعض الإجراءات، وهي إرشادات تهدف إلى الحدِّ من إمكانية عودة انتشار الفيروس (انظر: go.nature.com/2a4jdmt). وبينما لا يمكن لحلٍّ واحد أن يناسب جميع الدول فيما يتعلق بتخفيف القيود، أهابت المنظمة بكل دولة -أيًّا كان النهج الذي ستتبعه- أن تستمر في مكافحة انتشار العدوى، وإلّا فقد يعاود الفيروس التفشي، ما دمنا لم نستطع إيجاد لقاحٍ له بعد. أطلقت المنظمة توصياتها تلك من واقع المطالَعة المستمرة للأبحاث العلمية الخاضعة لمراجعة الأقران، فضلًا عن خبرتها الممتدَّة لعقود في التعامل مع الأمراض المُعدية، غير أنَّ انتشار المرض لا يزال خارجًا عن السيطرة في عديدٍ من البلدان، ولا بد من العمل على الحدِّ منه، بحيث لا تظهر الحالات إلا بصورةٍ متقطعة، أو ينحصر ظهورها في مجموعاتٍ محدودة في مناطق يسهُل تحديدها. وهذا بدوره يستلزم من منظومات الصحة العامة أن تعمل على رصد حالات العدوى، وفحصها، وعزلها، وعلاجها، بالإضافة إلى تتبع مخالطي المصابين، وهو ما سيتطلب عددًا كبيرًا من الفِرَق المؤهلة لأداء تلك المهمة.

كما تضمَّنت توجيهات المنظمة توصية الدول باتخاذ كل ما يلزم من إجراءاتٍ؛ للحدِّ من انتقال العدوى في الأماكن التي تزيد فيها احتمالات انتشار المرض، مثل دور الرعاية، أو التجمعات الكبيرة، فضلًا عن تزويد أماكن التجمعات –كالمدارس، وأماكن العمل- بما يلزم من تجهيزات، لضمان تطبيق التباعد البدني. وكذلك، فإن المنظمة -شأنها شأن منظمة العمل الدولية- تدعو صراحةً إلى ضرورة استمرار الحكومات في تقديم الدعم المادي، وغيره من صور الدعم، لحماية الفئات الأكثر تضرُّرًا.

ووفقًا لما صرّح به فريق من الباحثين بكلية بلافاتنيك لشؤون الحكم في جامعة أكسفورد بالمملكة المتحدة، فحتى بداية شهر مايو الجاري، لم تتمكن أي دولةٍ من الوفاء بمعايير منظمة الصحة العالمية الستة، ولا حتى بأربعةٍ منها؛ وهي المعايير التي عكف على تقييمها فريقٌ شكَّلته الجامعة من 150 عضوًا. ويُلاحَظ أنّ عشرين دولةً ومنطقةً فقط هي التي اقتربت من استيفاء تلك المعايير، من بينها: ترينيداد، وتوباجو، وكرواتيا، وهونج كونج، وكوريا الجنوبية (انظر: go.nature.com/2zbs1ef).ويرجع ذلك -في جانبٍ كبير منه- إلى أنَّ معظم البلدان (أكثر من 150 دولة) لم يستوفِ المعيار الأول حتى الآن، وهو الحد من انتشار مرض «كوفيد-19»، ليقتصر ظهوره على حالاتٍ متفرقة، ولينحصر في مجموعاتٍ محدودةٍ يسهُل تحديدها. وإضافةً إلى ذلك.. ما زالت هناك 50 دولة -على الأقل- تفتقر إلى السياسات اللازمة لإجراء الفحوص، وتَتَبُّع المخالطين، وعزل المصابين. لقد كان لهذه الإجراءات، إلى جانب التباعد البدني، دورٌ حاسم في مساعدة الصين على كبح انتشار المرض منذ رفع القيود المفروضة على السفر في فبراير، حسبما أكد بحثٌ نُشر في دورية Nature (S. Lai et al. Nature https://doi.org/10.1038/ s41586-020-2293-x; 2020).

وفي الرابع من مايو، جمع المجتمع الدولي -تتقدَّمه دول الاتحاد الأوروبي، وجهات التمويل الخيرية العالمية- 8 مليارات دولار أمريكي، لتمويل جهود البحث والتطوير، المتعلقة بمرض «كوفيد-19». كما تعهَّدت هذه الدول بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية من أجل دفع جهود تطوير اللقاحات والأدوية. وما من شكٍّ أن هذا التعاون ضروري، بل وخليق بالترحيب به، إذ سيضمن -في نهاية المطاف- إمكانية توفير الحماية من المرض للمجتمعات في بلدان العالم كافة، غير أن ذلك لا يقلل من أهمية الانتباه إلى إرشادات منظمة الصحة العالمية، ومشاركة أفضل الممارسات بشأن تخفيف إجراءات الغلق وتقييد الحركة.

ومع تخفيف تلك الإجراءات، ستواجه دول العالم قراراتٍ صعبة. وهي تُقدِم علىذلك، بينما لا يزال باحثوها يجمعون البيانات ويحللونها. وينبغينشر هذه البيانات ومشاركتها.  إنّ الوضعسوف يختلف حتمًا من بلدٍ إلى آخر، لكنَّ العالم بأسره سيستفيد من المعرفةالمتبادلة،التيتتمخض عن هذه الجهود العالمية.