تعليقات

لا مَخرَج من الجائحة بلا غذاء

لابد أن تتضافر جهود الدول؛ لتجنب أزمة غذاء عالمية بسبب جائحة «كوفيد-19».

ماكسيمو توريرو
  • Published online:
مُزارع في هولندا أمام أطنان من البطاطس، التي من المفترض أن تتوجه إلى منافذ بيع الأغذية التي أُغلقت بسبب جائحة فيروس كورونا.

مُزارع في هولندا أمام أطنان من البطاطس، التي من المفترض أن تتوجه إلى منافذ بيع الأغذية التي أُغلقت بسبب جائحة فيروس كورونا.

Eva Plevier/Reuters

كشفت جائحة فيروس كورونا النقاب عن أمور كثيرة، أهمها مدى ترابط عالَمنا، فعلى سبيل المثال.. يتجلى أثر العولمة في أوضح صوره في تعثُّر سلاسل إمداد الغذاء، الذي يهدد الأمن الغذائي في جميع أنحاء العالم. وسيتطلب الحفاظ على شبكات الإمداد هذه -أو إعادة نسج خيوطها- توفُّر التكنولوجيا، والابتكار، والإرادة السياسية.

وبوصفي كبير الاقتصاديين لدى منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (FAO)، أخشى من عدم إدراك سوى بلدان قليلة لوجوب تعديل تدابيرها لاحتواء الفيروس واستيعاب الصدمات الاقتصادية، وذلك للمحافظة على تدفق إمدادات الغذاء. فلا يمكن أن تكون هناك صحة بدون غذاء. والعلاج السياسي للمشكلة واضح، ولا يمكن أن تشكل السياسات الانعزالية أي جزء منه، إذ يجب على الدول أن تعمل معًا، وألا تقيم الجدران التجارية وتمنع العمال الأساسيين من عبور الحدود.

إن منظومة سلاسل إمداد الغذاء العالمية تتداعى بالفعل. وعلى سبيل المثال.. في الهند، يطعِم المزارعون الأبقارَ الفراولة، لأنهم غير قادرين على نقل هذه الفاكهة إلى الأسواق الموجودة في المدن. وفي دولة بيرو، يلقي المنتجون أطنانًا من الكاكاو الأبيض في مكبّات النفايات، لأن المطاعم والفنادق التي تشتريها في الظروف العادية باتت مغلقة. وفي الولايات المتحدة وكندا، اضطر المزارعون إلى التخلص من الحليب للسبب نفسه. وجحافل العمال المهاجرين من شرق أوروبا وشمال أفريقيا عالقة على الحدود، بدلًا من جَنْي محاصيل مزارع فرنسا، وألمانيا، وإيطاليا. كذلك تعتمد الولايات المتحدة، وكندا، وأستراليا اعتمادًا شديدًا على عمال المَزارع الموسميين، وهم غير قادرين على السفر، نتيجةً للقيود المفروضة بسبب الفيروس، ومنها قيام سفارات بتعليق خدماتها الروتينية لإصدار التأشيرات، فضلًا عن المخاوف من احتمال ورود حالات إصابة مع قدوم العمال الأجانب. وبالإضافة إلى هذا.. فقد أخذت المحاصيل تفسد في الحقول.

ولحسن الحظ، من المتوقع أن تكون محاصيل الحبوب جيدة هذا العام، إذ زاد بالفعل المخزون العالمي من الذُّرة بأكثر من ضعف ما كان عليه في عامَي 2007، و2008، عندما تَسبب الجفاف الشديد في نقص الغذاء في البلدان الرئيسة المصدِّرة له، وهو ما أدى إلى أزمة غذاء عالمية. كما زاد مخزون كل من الأرز، وفول الصويا خلال هذه الفترة بحوالي 80% و40% على التوالي.

وجدير بالذكر أن المحصول الوافر لن يساعد على تجنُّب نقص الغذاء، إذا لم تستطع البلدان نقل الطعام من مكان إنتاجه إلى حيث تشتد الحاجة إليه، إذ ترسو السفن المحملة بالحبوب والفواكه والخضراوات الطازجة متأخرًا في مناطق الطلب على هذه السلع، ولا يستطيع أفراد طاقمها الترجُّل منها. ولذا.. ستُهدر المواد الغذائية القابلة للتلف، التي لا يمكنها بلوغ أسواق الجملة في الوقت المناسب. وقد قفزت أسعار القمح والأرز بنسبة 8%، و25% على الترتيب، مقارنةً بأسعار مارس من السنة الماضية. وفي أثناء ذلك.. خَلَق الشراء بدافع الذعر في جميع أنحاء العالم مزيدًا من النفايات، وأثَّر على جودة الأنظمة الغذائية، إذ يكافح الأفراد من أجل الوصول إلى الطعام الطازج. وقد كان تطبيق التدابير العالمية لمواجهة مشكلة الغذاء يشكل تحديًا حتى قبل ظهور جائحة مرض «كوفيد-19«. وأدّت معاناة البلدان والمناطق من الوباء في أوقات مختلفة وبطرق شتى -من الصين إلى أوروبا، والولايات المتحدة، والهند، والآن.. أفريقيا– إلى خلق روح تعمل فيها الأمم لخدمة مصالحها فقط.

سلسلة من العواقب

لقد خلق ذلك سلسلة من العواقب التي تتمخض عشوائيًّا عن مزيد منها. ففي وقت سابق من شهر إبريل الماضي، قامت روسيا -أكبر دولة مصدِّرة للقمح في العالم- بتحجيم صادراتها من هذا المحصول لثلاثة أشهر؛ من أجل ضمان كفاية المعروض المحلي. وعلى الرغم من أنه من المتوقع أن يكون الأثر الناجم عن هذا الارتباك في منظومة الغذاء ضئيلًا (على سبيل المثال.. انظر المرجع 1)، إلا أن هذا الإجراء دق ناقوس الخطر في مناطق أخرى، فقد كان قرارًا مدفوعًا بمتلازمة من الأحداث، منها الانخفاض الحاد في أسعار النفط، الذي أضعف أداء الروبل مقابل الدولار، وهو ما أدّى بدوره إلى رفع الأسعار المحلية للقمح. وهو الاتجاه نفسه الذي سلكته فيتنام فيما يتعلق بالأرز الخام في شهر مارس الماضي. ولهذا السبب.. ارتفعت أسعار الأرز.

كما شجعت الجائحة على اندلاع جدل مثير للخلاف، مثل القول إنّ الحدود المفتوحة مكَّنت الفيروس من الانتشار، وإنّ من الواجب إبقاء اللاجئين والمهاجرين خارج هذه الحدود، وإنهاء الاستعانة بالخبرات الخارجية، ولكن مثل هذه المواقف السياسية تتجاهل مدى اعتماد الدول على بعضها البعض في المكونات الأساسية، والمبيدات الحشرية، والأسمدة، وأعلاف الحيوانات، والموظفين، والخبرات.

وما سيحدث لاحقًا سيعتمد على ما إذا كانت الدول ستقاوم الضغوط الدافعة باتجاه السياسات الانعزالية، أم لا. وأحثها على الالتزام بعدم فرض قيود على الصادرات؛ للتصدي للجائحة. وبدلًا من ذلك.. ينبغي أن تتفق على إلغاء التعريفات والضرائب؛ لتعويض زيادة الأسعار المحلية الناتجة عن انخفاض قيمة العملة. وعليها تعيين عمال في الموانئ والمزارع كقوة عمل أساسية، وحماية صحة هؤلاء الأشخاص، وضمان قدرتهم على السفر ومواصلة العمل.

إنّ التعاون ممكن. وفي هذا السياق.. وقَّع وزراء الزراعة لـ25 دولة بمنطقة أمريكا اللاتينية وجزر الكاريبي اتفاقية في شهر إبريل من العام الحالي 2020 للعمل معًا من أجل ضمان استمرار الإمدادات الغذائية في المنطقة. ويمكن لمثل هذا الإعلان السياسي أن يمهد الطريق إلى تقدُّم حقيقي. كما يمكن للحكومات والمستثمرين الاستفادة -أكثر أي وقت مضى- من قَدْر أكبر من الشفافية والمعلومات المتاحة حول ظروف السوق، من خلال أدوات بعينها، مثل نظام معلومات الأسواق الزراعية www.amis-outlook.org))، وهي أدوات يمكنها تقليل تخبُّط السياسات في هذا الصدد.

تخفيف الصدمات

نركز في منظمة الأغذية والزراعة على تخفيف حدة أثر الفيروس على الأنشطة التي توفِّر المحاصيل إلى الأفراد، باستخدام الدلائل والدروس المستفادة من الأزمات السابقة، التي تدخل فيها المعلومات حول زيادة أسعار الغذاء وتذبذبها2، ومدى تأثُّر التغذية والوصول إلى الغذاء أثناء حالات التفشي الحديثة، مثل تفشي فيروس إيبولا3. وباستخدام مجموعات البيانات الضخمة، نراقب التجارة، ونجمع المعلومات عن المشكلات اللوجستية، ونقيِّم الكيفية التي جرى بها حل المشكلات، ثم نرسل النتيجة إلى السوق؛ للحدّ من تخبُّط السياسات (انظر: https://datalab.review.fao.org). وعلى سبيل المثال.. نَعِي أن أكبر تأخير في عمليات شحن البضائع يحدث أثناء تفريغ حمولتها، الذي يستغرق الآن ثلاثة أيام، بدلًا من يوم واحد، بسبب قيود العمل في الموانئ. ويكون هذا التأخير مكلفًا للدول المصدِّرة، لكنها تعوض عنه بالمكاسب التي تحققها من سعر الصرف. إذَن، شحن البضائع عالميًّا يحقق الأثر المطلوب.

 نتتبع أيضًا الأخبار بلغات عدة، لمعرفة مدى تأثير الجائحة على الأغذية والزراعة، لنساعد الدول على اتخاذ قرارات سياسية. ونعمل مع الدول النامية لزيادة الإمدادات الغذائية، من خلال تحليل ظروفها الزراعية والإيكولوجية، وتقديم المشورة حول التوقيت والمكان المناسبَين لزراعة سلعها الأساسية، وحصاد هذه السلع. ونتوقع مدى تأثُّر شتى جوانب القطاع الزراعي بجائحة مرض »كوفيد-19«، بدءًا من العمل، وتراجع الطلب بسبب تناقص الدخل، وحتى أسعار الصرف والتضخم4.

وقد أبرزت الجائحة ضرورة أن يَستخدِم العالَم أراضيه وموارده المائية بشكل مستدام، لزراعة الأطعمة المُغذية الأساسية بطريقة أكثر مرونة. ومن الطرق الكفيلة بتحقيق ذلك.. خفض الفاقد من الغذاء5، إذ يبدد العالَم كمية من الغذاء تقدَّر بحوالي 400 مليار دولار أمريكي كل عام، وهو مبلغ يمكن أن يطعِم حوالي 1,26 مليار شخص سنويًّا. وينتج هذا الإهدار ما يكافئ 1,5 جيجا طن من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون. (يُرجى مقارنة هذا الرقم بالانبعاثات البالغة 33 جيجا طن تقريبًا في عام 2019 لإنتاج الطاقة العالمية). وهناك أولوية أخرى تتمثل في معاملةٍ أفضل لصغار مالكي الأراضي الزراعية، والعمال المهاجرين، الذين يشكلون الدعامة الأساسية للزراعة. وعلى سبيل المثال.. تحتاج شركات الأغذية صغيرة الحجم إلى الوصول إلى الأسواق، وإلى المساعدة لزيادة الإنتاجية والدخول، وهو ما يتجاوز قدرة الإعانات بكثير.

وتُعَد الجائحة فرصة لتصحيح الوضع الذي يلعب فيه العلماء -وعلماء الاجتماع بصفة خاصة- دورًا مهمًّا. وثمة ابتكارات يجري تطويرها في هذا الصدد. فعلى سبيل المثال.. تستثمر الصين في الطائرات التي تطير بدون طيار، والمركبات التي تسير بدون سائق، وفي التقنيات الزراعية الأخرى؛ لتقليل الاتصال البشري. وفي أفريقيا، تعمل الهواتف الذكية على تحسين الوصول إلى بيانات الأسواق، والأسعار، والطقس، بالإضافة إلى تسهيل تحويل الأموال6. وتجني دولة بيرو ثمار التشريع المبتكَر، الذي أضفى طابعًا رسميًّا لنظام القوى العاملة الزراعية، ورَبْطه مباشرةً بموسمية المحاصيل، إذ تعرف الحكومة الآن المزارعين الذين تأثروا بعمليات الإغلاق، ويمكنها ضمان حصولهم على الدعم اللازم. ولذا.. فلنغتنم هذه الفرص العظيمة معًا.

 إنّ التعاون العالمي هو الوسيلة الوحيدة لهزيمة فيروس كورونا، لأنّ هذا الفيروس تحديدًا لا يحترم الحدود. ولا شك أن تناوُل الطعام لا يزال كلُّ مَن يعملون في تجارب اللقاحات، وفي مجال الرعاية الصحية واكتشاف الأدوية والتعافي الاقتصادي بحاجة إليه. فإما أن نساند بعضنا البعض، أو يُترك الملايين وحدهم ليتضوروا جوعًا.

References

  1. Bouët, A. & Laborde Debucquet, D. Economics of Export Taxation in a Context of Food Crisis. IFPRI Discussion Paper 00994 (International Food Policy Research Institute, 2010).
  2. Torero, M. In Food Price Volatility and Its Implications for Food Security and Policy (eds Kalkuhl, M., von Braun, J. & Torero, M.) 457–510 (Springer, 2016).
  3. World Bank. The Economic Impact of the 2014 Ebola Epidemic (World Bank, 2014).
  4. Schmidhuber, J., Pound, J. & Qiao, B. COVID-19: Channels of Transmission to Food and Agriculture (FAO, 2020).
  5. Food and Agriculture Organization. The State of Food and Agriculture 2019: Moving Forward on Food Loss and Waste Reduction (FAO, 2019). 
  6. Trendov, N. M., Varas, S. & Zeng, M. Digital Technologies in Agriculture and Rural Areas — Status Report (FAO, 2019).

المؤلف ماكسيمو تورو هو كبير الاقتصاديين لدى منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (FAO) في روما، وإيطاليا.

البريد الإلكتروني: maximo.torerocullen@fao.org