أخبار

الضجة المثارة حول الكلوروكوين تعوق تجارب العقاقير المضادة لفيروس كورونا

يعزف مَن يأملون في استخدام عقاقير الملاريا لمحاربة إصابتهم بـ«كوفيد-19» عن المشاركة في التجارب الإكلينيكية الخاصة بالعلاجات الأخرى.

هايدي ليدفورد
  • Published online:
يُستخدَم عقار «هيدروكسي كلوروكوين» لعلاج الملاريا، وبعضٍ من أمراض المناعة الذاتية.

يُستخدَم عقار «هيدروكسي كلوروكوين» لعلاج الملاريا، وبعضٍ من أمراض المناعة الذاتية.

Manish Swarup/AP/Shutterstock

حين يتوجه المصابون بمرض «كوفيد-19» إلى معهد سالفادور زوبيران الوطني للعلوم الطبية والتغذية في مدينة ميكسيكو سيتي؛ بحثًا عن علاجٍ لمرضهم، يمكنهم الاختيار من قائمة تجارب إكلينيكية مختلفة، يقدمها لهم بعناية عاملٌ مدرَّب على عرض مخاطر هذه العلاجات، ومزاياها المحتملة، دون تحيز.

غير أن عالِم الأعصاب سيرجيو إيفان فالديز فيرير يعلم بالفعل أي تجربةٍ سيختارها معظم المصابين، وهي ليست تجربته. فعوضًا عنها، يختار عديدٌ منهم تلك التي تتضمن عقار «هيدروكسي كلوروكوين»، وهو عقارٌ لعلاج الملاريا، رَوَّج له رئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب، وعديدٌ من الشخصيات المؤثرة الأخرى، بوصفه علاجًا فعالًا لفيروس كورونا المنتشر حاليًّا.

وعن ذلك.. يضيف فالديز فيرير، الذي يدرس آثار علاجٍ للخرف على المصابين بمرض «كوفيد-19»، قائلًا: "هناك تحيزٌ هائل. ومن هنا، فإن دراسات العقاقير الأخرى، التي تتضمن مصابين من جميع الأعمار ويعانون أعراضًا مختلفة الحدة، قد زُج بها في مأزق كبير"، إذ حظي كلٌّ من عقار «هيدروكسي كلوروكوين»، وشبيهه الكيميائي «كلوروكوين» باهتمامٍ مبالَغ فيه خلال جائحة فيروس كورونا الحالية، نتيجة الدراسات المبدئية التي أُجريت عليهما، والدعاية الإضافية التي وفرها لهما زعماء سياسيون مثل ترامب، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، لكن لا تتوفر حتى الآن سوى كمية ضئيلة للغاية من البيانات التي تدعم فعالية «هيدروكسي كلوروكوين» في علاج عدوى فيروس كورونا المنتشر حاليًّا. ومع ذلك.. تسبب الحماس الكبير الذي أحاط بكلا العقارين في نقص كمياتهما المتوفرة، وأثَّر على معدلات المشاركة في التجارب الإكلينيكية للعلاجات الأخرى المحتمَلة للمرض.

دلائل مبكرة

كانت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) قد وافقت على استخدام عقاري «كلوروكوين»، و«هيدروكسي كلوروكوين» في علاج الملاريا، نظرًا إلى خصائصهما المضادة للالتهاب، ووافقت أيضًا على استخدامهما في علاج بعضٍ من أمراض المناعة الذاتية، مثل التهاب المفاصل الروماتويدي، والذئبة. وفي شهر فبراير الماضي، أثبت باحثون أنَّ عقار «كلوروكوين» يمكنه الحد من إصابة فيروس كورونا للخلايا البشرية المزروعة في المختبر (M. Wang et al. Cell Res. 30, 269–271; 2020). وبعد بضعة أيام، نُشر تقريرٌ عن تجارب إكلينيكية تضمنت مصابين بمرض «كوفيد-19» في عشرة مستشفيات بالصين. وأشار التقرير إلى أنَّ العلاج بعقار «كلوروكوين» قد يقلل مدة الإًصابة بالمرض (J. Gao et al. Biosci. Trends 14, 72–73; 2020). ومنذ ذلك الحين، أفادت التقارير بإجراء بضع دراساتٍ صغيرة النطاق، إلا أنَّها جميعًا لم تحسم ما إذا كان العقار مفيدًا للمصابين بالمرض، أم لا.

كانت النتائج الأولية كافيةً بالنسبة إلى السياسيين، الذين يتوقون لزرع ولو بذرة أمل في ناخبيهم القلقين، واقتصاداتهم المتضررة. لذا.. زعم ترامب أنَّه فكر في تلقي عقار «كلوروكوين» كإجراءٍ وقائي. ولجأت المستشفيات في إيران، ونيويورك، وإسبانيا، والصين إلى عقاري «هيدروكسي كلوروكوين»، و«كلوروكوين» كإجراءٍ قياسي لعلاج المصابين بالمرض، رغم توجيهات منظمة الصحة العالمية وعدة منظمات طبية أخرى بعدم استخدام هذين العقارين لذلك الغرض، إلا في التجارب الإكلينيكية.

وقد أدى ما نتج عن ذلك من تسابُقٍ على تلقي عقار «كلوروكوين»، أو حتى تخزينه، إلى نقصٍ في كمياته المتوفرة على مستوى العالم، كما ظهرت تقارير عن وقوع إصاباتٍ ووفيات مرتبطة بتلقي جرعاتٍ زائدة منه في الولايات المتحدة، ونيجيريا.

دراسات معرضة للخطر

نتيجةً لذلك، أصبح البعض يعزفون عن المشاركة في التجارب الإكلينيكية التي ستتطلب منهم التوقف عن استخدام علاجات «كلوروكوين». يقول سونج هان كيم -المتخصص في الأمراض المعدية بكلية الطب في جامعة أولسان بمدينة سيول- إنَّ ذلك جعل من الصعب إلحاق المشاركين في تجربة إكلينيكية، تختبر عقاقير خاصة بمرض نقص المناعة البشرية (HIV) كعلاجاتٍ محتملة لمرض «كوفيد-19». ولم يواجه كيم وحده تلك المشكلة، إذ إنَّ إيريك لينز، الطبيب النفسي بجامعة واشنطن في مدينة سانت لويس بولاية ميزوري الأمريكية، بدأ مؤخرًا تجربةً لعقارٍ مضاد للاكتئاب، يأمل أنَّه قد يخفف الاستجابة المناعية المرتبطة ببعضٍ من الحالات الخطيرة من مرض «كوفيد-19»، لكن لم يُسجل في تلك التجربة حتى الآن سوى عشرة مشاركين، ورفض ثلاثةٌ آخرون المشاركة، لأنَّهم كانوا ينوون بالفعل تلقي عقار «هيدروكسي كلوروكوين».

وفي إيران، تخلَّى عالِم الأمراض علي رضا غفاري عن خططه لاستبعاد العلاج بعقار «كلوروكوين» من تجربته، التي تدرس آثار واحدٍ من عقاقير استخلاب الحديد على المصابين بمرض «كوفيد-19» في جامعة كرمانشاه للعلوم الطبية. وعوضًا عن ذلك.. أصبح غفاري يقبل المشاركين الذين ربما يتناولون عقاقير أخرى، آملًا ألا يُصعِّب عليه ذلك تفسير النتائج التي سيتوصل إليها.

ويقول بارشانت مالهوترا -المتخصص في الأمراض المعدية بمستشفى جامعة نورث شور في مدينة مانهاسِت بولاية نيويورك- إنَّ هذا التأخير في اجتذاب المشاركين للتجارب الإكلينيكية قد يعرضها للخطر، خاصةً في خضم جائحةٍ كهذه. وأضاف قائلًا إنه من الأفضل أن تتم التجارب في وقتٍ مبكر، قبل أن يفوق عدد الحالات عبء أنظمة الرعاية الصحية.

ويرى أولي سوجارد -طبيب الأمراض المعدية بمستشفى جامعة آرهوس في الدنمارك- أنَّه لو بُذلت جهودٌ دولية سريعة لإجراء تجربةٍ إكلينيكية مُحكمة لعقار «كلوروكوين»، ربما كان العلماء سيستطيعون حل بعضٍ من تلك المشكلات قبل أسابيع. أما الآن، فهناك أكثر من 100 تجربة إكلينيكية تهدف إلى اختبار عقاري «كلوروكوين»، أو «هيدروكسي كلوروكوين» كعلاجٍ لمرض «كوفيد-19». وهي محاولة تستحق العناء، حسبما أوضح سوجارد، رغم قلة الأدلة التي تدعم فاعلية العقارين. وأضاف قائلًا: "سنكون قد حققنا إنجازًا كبيرًا، إنْ استطعنا استبعاد عقارٍ مثل «هيدروكسي كلوروكوين» من القائمة، وتوجيه اهتمامنا إلى عقاقير أخرى. فحينها سيمكنك إيقاف عديدٍ من التجارب، وإجراء تجارب أخرى بدلًا منها، تؤمن حقًّا بجدواها".

أسهمت في كتابة التقرير إيمي ماكسمين.