أخبار

الصين تشدد الرقابة على نتائج أبحاث فيروس كورونا

في الوقت الذي يُرحِّب فيه باحثون بالتدقيق الحكومي، للحيلولة دون نشر أوراق بحثية متدنية الجودة عن مرض «كوفيد-19»، يخشى آخرون أن تكون هذه محاولةً للتحكُّم في المعلومات.

أندرو سيلفر، وديفيد سيرانوسكي

  • Published online:
الأبحاث القادمة من الصين بالغة الأهمية لفهم جائحة «كوفيد-19».

الأبحاث القادمة من الصين بالغة الأهمية لفهم جائحة «كوفيد-19».

Xinhua News Agency/Shutterstock

شرعت الحكومة الصينيّة في فرض رقابةٍ صارمة على نتائج الأبحاث المتعلقة بمرض «كوفيد-19» COVID-19؛ إذ يبدو أنها قد أقدمت في صمتٍ على استحداث سياسات جديدة على مدار الشهرين الماضيين، تُلزِم الباحثين بالحصول على موافقة مسبقة قبل نشر نتائج أبحاثهم، أو الإعلان عنها، وذلك حسب وثائق اطلعت عليها Nature، وعددٍ من الباحثين.

يتفقُ هذا مع ما أفادت به تقاريرُ إعلامية من أنَّ جامعتين صينيَّتين -على الأقل- قد أعلنتا عبر شبكة الإنترنت أنَّ الأبحاث المتعلقة بمنشأ فيروس كورونا الجديد «سارس-كوف-2» SARS-CoV-2، المسبِّب لمرض «كوفيد-19»، تتطلَّب الحصول على موافقة كلٍّ من اللجنة الجامعية المختصة، ووزارة العلوم والتكنولوجيا، أو وزارة التعليم (MOST)، قبل تقديمها إلى النشر.

ويرى باحثون صينيُّون أن هذه التغييرات ربما تأتي على خلفية نشر عددٍ من الدراسات متدنية الجودة حول الفيروس؛ ومن هُنا جاء ترحيبُ الكثيرين منهم بهذه الخطوة، فيما ذهب بعض الأكاديميين إلى أنَّ عملية التدقيق قد تُعطِّل نشر أبحاثٍ مهمة، من شأنها المساعدة على كبح الجائحة. ويميلون إلى الاعتقاد بأنَّ هذه السياسات إنما تأتي ضمن المساعي الصينية للسيطرة على المعلومات المتعلقة ببدء تفشي المرض.

وكان تشاو ليجيان، المتحدث باسم الخارجية الصينية، قد أدلى خلال شهر مارس الماضي بتصريحاتٍ أثير حولها الكثير من اللغط، زعمَ فيها أن الفيروس ربما وصل إلى الصين قادمًا من الولايات المتحدة؛ الأمر الذي يعزز الشكوك حول ما إذا كانت التصريحات الحكومية الصينية مبنيَّةً دومًا على أسسٍ علمية، أم لا. ورغم أن منشأ الفيروس لا يزال غير معروفٍ على وجه الدقة، يُرجِّح الباحثون أنه قادمٌ من الخفافيش، ومنها انتقل إلى حيوان وسيط، قبل أن يصيب الأشخاص الأوائل في منطقة غير معروفة بوسط الصين في أواخرَ العام الماضي.

والملاحَظ أنَّ إلمام الباحثين في الصين بهذه القواعد الجديدة يشوبُه كثيرٌ من الخلط؛ إذ يبدو أن الوزارتين آنِفتَي الذِّكر لم تنشرا أيَّة إخطاراتٍ بشأن تلك السياسات على موقعيهما. ولم تستجب أي من الوزارتين بعد لطلبات دورية Nature المتكررة للتحقق من إصدارهما للوثائق.

وأكبرُ الظنِّ أن الرقابة الحكومية على أبحاث «كوفيد-19» قد بدأت بتوجيهاتٍ حكومية صادرةٍ إلى الجامعات. فبين أيدينا وثيقة، يبدو أنها صادرة عن وزارة التعليم الصينية، مُحرَّرة في العاشر من مارس الماضي، تُلزِم المؤسسات بطلب موافقةٍ من الوزارة، وكذلك من «الهيئة المشتركة لآليات الوقاية والمكافحة» التابعة لمجلس الدولة واسع النفوذ، وذلك قبل إعلان نتائج الأبحاث المتعلقة بمنشأ فيروس «سارس-كوف-2»، أو مسارات انتشاره، أو علاجاته، أو لقاحاته. وحسب ما ورد بالوثيقة، يتعيَّن على الجامعات أن تأخذ في الحُسبان "الاعتبارات التي تهمّ المجتمع" لدى إعلان نتائج الأبحاث. (يُذكر أن Nature قد تلقَّت هذه الوثيقة -التي تحمل ختم وزارة التعليم، واسم أحد المسؤولين بجهةٍ حكومية- من باحثٍ لم يرغب في التعليق).

وعلى ما يبدو، أصدرت وزارة التعليم توجيهًا آخَر عقب اجتماع عقدته «الهيئة المشتركة لآليات الوقاية والمكافحة» في الخامس والعشرين من شهر مارس الماضي. اتضح هذا من خلال بيانٍ ثانٍ -يُرجَّح أنه صادرٌ عن الوزارة أيضًا- نُشِر بأحد المنتديات الصينية، هو منتدى »بينكونج» Pincong. وينُص البيان -المؤرخ في السابع من إبريل الماضي- على أنَّ الدراسات المتعلقة بمصدر الفيروس يجب أن تحصل على موافقة إحدى اللجان الأكاديمية الجامعية، فضلًا عن إدارة العلوم والتكنولوجيا بوزارة التعليم، قبل التصريح بنشرها في أيّ دورية علمية، أو رفعها على أيّ مدوَّنة أو خادمٍ للمسودات البحثية. ويجب على اللجان الأكاديمية، بدورها، أن تقيِّم جميع الأوراق البحثية الأخرى ذات الصلة بالمرض، من حيث "القيمة الأكاديمية، وتوقيت النشر". كما يحذر البيان الدراسات من المغالاة في تقدير فاعلية اللقاحات، أو العلاجات.

ويشير بعض صفحات الويب المؤرشَفة إلى أن بيان السابع من إبريل قد نُشر أيضًا على موقع كلية علوم وتكنولوجيا المعلومات بجامعة فودان في شنجهاي، قبل أن يُحذَف في وقتٍ لاحق. كما أفادت صحيفة »ذي أوبزيرفر» The Observer البريطانية بنشر بيانٍ مماثل على موقع جامعة الصين للعلوم الجيولوجية في مدينة ووهان، قبل أن يُحذف هو الآخر.

سياساتٌ نافعة

والحقُّ أن عددًا غير قليل من الباحثين في الصين يرحِّبون بإخضاع دراسات «كوفيد-19» لعملية التدقيق الحكومي. ومِن هؤلاء.. أليس هيوز، عالمة حفظ الأحياء بحديقة «شيشوانجبانا» Xishuangbanna للنباتات الاستوائية، التابعة للأكاديمية الصينية للعلوم (CAS)، التي ترى أن هذا الإجراء سيضع حدًّا لانتشار الدراسات التي تفتقر إلى الدقة، وتثير البلبلة، ومنها دراسة مثيرة للجدل، نُشرت في يناير الماضي بدورية «جورنال أوف ميديكال فايرولوجي» Journal of Medical Virology، وخلصت إلى أنَّ الثعابين كانت هي العائل الوسيط للفيروس.

وتذكُر هيوز أن مدير المعهد الذي تعمل به قد نقل إليها -في أواخر فبراير الماضي- أن الأبحاث المتعلقة بمرض «كوفيد-19» تتطلَّب الحصول على موافقةٍ من وزارة العلوم والتكنولوجيا، غير أنَّها لم تطَّلع بنفسها على الوثائق الرسمية الخاصة بهذه السياسة. وتضيف ذاكرةً أنها حصلت في أواخر شهر مارس على الموافقة على ورقة بحثية من الأكاديمية الصينية للعلوم، ثم من وزارة العلوم والتكنولوجيا، وذلك في غضون 72 ساعة. وتقول: "ما زلنا نرى أوراقًا بحثية عن منشأ الفيروس تخرُج من الصين عبر هذا النظام".

يشاركها الرأي تشانج تشيجانج، عالِم الأحياء الدقيقة التطورية بجامعة يونان في كونمينج الصينية، الذي نشر بحثًا عن منشأ الفاشية قبل بدء عملية التدقيق؛ إذ يرى أن التدقيق وسيلة جيدة لضبط جودة الأبحاث، وتعزيز مصداقيتها.

إنّ خبر إقرار تلك السياسات الجديدة لم يجد سبيله إلى كل العلماء أو المؤسسات. ومن هؤلاء -على سبيل المثال- تشِن جين بينج، الباحث في أمراض الحيوانات بمعهد جوانجدونج للموارد الحيوية التطبيقية في مدينة جوانج تشو، المعنِيُّ بدراسة منشأ الفيروس أيضًا؛ إذ ذكر أنه لم يتناه إلى مسامعه أنَّ عليه الحصول على موافقة الوزارة قبل الإقدام على نشر أبحاثه. وفي السياق ذاته، يقول في ما -عميد الأبحاث والدراسات العليا بجامعة شيان جياوتونج-ليفربول في مدينة سوتشو الصينيّة- إنه لم تصل إلى عِلْمه ضرورةُ طلب موافقة على الأبحاث المتعلقة بفيروس كورونا، لا من وزارة العلوم والتكنولوجيا، ولا من أيّ جهةٍ حكومية أخرى.

ومن جهته، يقول دينيس سايمون -النائب التنفيذي لرئيس جامعة ديوك كونشان- إن جامعته لم تتلق أيّة إخطارات رسمية، إلا أنَّ الباحثين يتداولون هذا الأمر فيما بينهم.

من جهة أخرى.. يخشى باحثون من خارج الصين أن يؤدي تطبيق عملية التدقيق هذه إلى تعطيل نشر أبحاث مهمة. تقول أشلي سانت جون، عالمة الفيروسات بكلية ديوك الطبية بجامعة سنغافورة الوطنية: "إننا في حاجة ماسّة الآن إلى الأبحاث المتعلقة بفيروس «سارس-كوف-2» على اختلاف أنواعها، من الدراسات الأساسية التي تهدف إلى فهم آليات المرض، إلى الأبحاث المتصلة بتطوير اللقاحات والعلاجات". وتضيف قائلةً: "لا نملك رفاهية أيِّ تأخير في الوقت الراهن".

تنطلق الباحثة من اقتناعٍ، مفاده أن فهم منشأ الفيروس من شأنه أيضًا أن يقود إلى تطوير أنظمة تحذير من انتقال الفيروسات من الحيوانات إلى البشر.

أمَّا سارة كوبي، باحثة الأمراض المعدية بجامعة شيكاغو بولاية إلينوي الأميركية، فترى أن إقدام الحكومة الصينية على انتقاء نتائج الأبحاث التي تتيحها، أو حجْب بعضها بالكامل، لدواعٍ أخرى بخلاف جودة العمل البحثي، سوف يتسبَّب في إحداث مشكلة كبيرة، حيث إنّ الملاحظات المتعلقة بطريقة انتشار الفيروس عبر البلدان هي التي توجه عمليات اتخاذ الإجراءات الملائمة لاحتوائه، ومن بينها تدابير التباعد الاجتماعي.

وقالت كوبي: "إذا قدَّمت الأبحاث صورة منحازة، سيُكتشَف هذا في نهاية المطاف، وسيمكن تدارُك جانبٍ كبيرٍ منه، اعتمادًا على دراسات «سارس-كوف-2» التي تُجرى في بلدان أخرى. أما العبث بالنتائج البحثية، أو تأخير ظهورها، فقد يأتي على حساب صحة الإنسان".