أخبار

سياسة الهند لإبطاء انتشار «كوفيد-19» دون التوسع في الفحوص

سياسة الهند لإبطاء انتشار «كوفيد-19» دون التوسع في الفحوص

جاياتري فايدياناتان

  • Published online:
تعيش الهند حالة إغلاق كامل منذ الخامس والعشرين من مارس، بسبب جائحة كورونا.

تعيش الهند حالة إغلاق كامل منذ الخامس والعشرين من مارس، بسبب جائحة كورونا.

Manjunath Kiran/AFP/Getty

لا تملك الهند –شأنها في ذلك شأن كثير من الدول– ما يكفي من أجهزة الفحص لإجراء فحوص فيروس كورونا الجديد على أغلبية سكانها. وتعتمد -بدلًا من ذلك- على عنصر قوة الشعب، إذ ينتشر الآلاف من العاملين في مجال الرعاية الصحية في جميع أنحاء البلاد، لتتبُّع مجالات حركة الأشخاص الذين يحتمل أنهم خالطوا مصابين بمرض «كوفيد-19» COVID-19، ووضْعهم في الحجر الصحي. ولا تُجرى  الفحوص عادةً إلا لمن تظهر عليهم أعراض الإصابة.

ومن ناحية أخرى، لجأت دولٌ، مثل كوريا الجنوبية، إلى عزل المصابين، بناءً على حملة فحوص واسعة النطاق، لكنّ بعض العلماء يقولون إن نهْج مراقبة الجمهور الذي تتبعه الهند يمكن أن يحقق هدفًا مشابِهًا، وقد يكون مناسبًا للدول ذات الدخل المنخفض والمتوسط، التي تعاني نقص أجهزة الفحص، بيد أنه يجب أن تظل الفحوص جزءًا أساسيًا من استراتيجية الهند لمكافحة مرض «كوفيد-19»، كما يجب توسيع نطاق هذه الفحوص سريعًا، وإلا فلن يكون بالإمكان رصد بعض حالات الإصابة بعدوى المرض، على حد قول جاجانديب كانج، المدير التنفيذي لمعهد علوم الصحة والتكنولوجيا التطبيقية بمدينة فريد أباد، فبعض الأفراد الذين يحملون الفيروس لا تظهر عليهم أعراض المرض، ومن ثم لن تُكتشَف إصاباتهم، إلا عن طريق إجراء الفحوص لهم. ويضيف كانج: "لن تُحل هذه المشكلة، دون إجراء الفحوص".

من الجدير بالذكر، أنه بحلول التاسع عشر من إبريل الماضي، كانت الهند قد أجرت حوالي 400 ألف فحص، وهو ما يُعَد أحدّ أدنى نِسَب الفحص على مستوى العالم، التي تُجرى لكل نسمة. ومع ذلك.. يقول علماء الأوبئة إن استراتيجية الهند تقوم على تتبع حركة المخالطين، ووضعهم في الحجر الصحي، إضافة إلى إلزام الحكومة لسكان البلاد -البالغ عددهم حوالي 1.3 مليار نسمة- بالبقاء في منازلهم لمدة 21 يومًا، بداية من أواخر مارس (وقد جرى تمديد هذا الموعد النهائي منذ اتخاذ هذه الإجراءات إلى تاريخ 3 مايو). وربما تكون هذه الإجراءات قد أسهمت كلها في إبطاء وتيرة انتشار الفيروس في بعض الأماكن، ومنحت الهند بعض الوقت لتجهيز نظام رعايتها الصحية المتداعي.

ويُسمح لغالبية المواطنين بالخروج لقضاء احتياجاتهم الضرورية، مثل شراء الطعام، والحصول على الرعاية الطبية، لكن في معظم الولايات يُوضع الخاضعون للحجر الصحي تحت مراقبة دقيقة، يتولى القيام بها اختصاصيو الخدمات الاجتماعية. وفي بعض المناطق لا يُسمح لهؤلاء بمغادرة منازلهم، بيد أن هذا ينطوي على مخاطرة كبيرة، لأن إجراءات الإغلاق هذه تكون صعبة للغاية لأولئك الذين ينبغي عليهم العمل لكَسْب أقواتهم.

تتبُّع المخالطين

تمتعت الهند بوضعٍ أتاح لها إرسال أعداد كبيرة من العاملين في مجال الصحة العامة إلى القرى والبلدات والمدن، لتتبُّع مخالطي المرضى، ووضع الأشخاص المصابين في الحجر الصحي. ويرجع ذلك إلى أن «برنامج المراقبة المتكاملة للأمراض» IDSP في الهند يتابِع بالفعل حالة الأشخاص في جميع أنحاء البلاد، لرصد تفشي الأمراض المُعدية. وكانت هذه الشبكة قد استُخدمت سابقًا لرصد حالات الإصابة بفيروس إنفلونزا الخنازيرH1N1 ، والحصبة.

بدأت الشبكة بمراقبة حالات الإصابة بمرض «كوفيد-19» بعد وقت قصير من وصول الحالة الأولى إلى الهند في أواخر شهر يناير. وحين يكتشف العاملون في مجال الصحة العامة بؤرًا تتركز فيها الإصابة بالمرض، تُنشأ منطقة احتواء، ويُلزَم جميع مَن بداخل هذه المنطقة بالبقاء في منازلهم، ثم يمر اختصاصيو الخدمات الاجتماعية على جميع المنازل، وتُجرى الفحوص على أي شخص تظهر عليه أعراض المرض، إلى جانب أفراد أسرته المقيمين معه، والمخالطين له عن قرب. ومَن تثبت إصابتهم بالعدوى يُنقلون إلى وحدات العزل، أو المستشفيات.

ومنذ بدأت عمليات المراقبة، أسهمت هذه الشبكة في الكشف عن غالبية حالات الإصابة المؤكدة بالهند، التي بلغ عددها 17,625 حالة مع حلول العشرين من إبريل، إضافة إلى أنها أخضعت مئات آلاف الأشخاص للمراقبة. ويُذكر أنه قد (بلغ عدد الوفيات المعروفة في الهند من جرّاء الإصابة بـ«كوفيد-19» 543 حالة فقط).

اختلافات بين المناطق

يقول جيريدارا بابو -عالِم الأوبئة في مؤسسة الصحة العامة الهندية في ولاية بنجالورو- إن الشبكة أقوى ما تكون في المناطق الريفية، وعشوائيات المناطق الحضرية، حيث يعتمد المواطنون على الخدمات الحكومية، بينما تتركز ثغراتها في مناطق سكن الطبقة العليا في المدن، حيث يملك القاطنون هناك دوافع لإخفاء مرضهم، خشية النبذ الاجتماعي في حالة ثبوت إصابتهم، حسبما يقول.

ويقول أمار فيتل -اختصاصي الأوبئة، الذي يعمل لدى «برنامج المراقبة المتكاملة للأمراض» بولاية ثيروفانانثابورام- إن قوة هذه الشبكة تتفاوت أيضًا من منطقة إلى أخرى، حيث يحصل بعض الولايات، مثل ولاية كيرالا، على سجلات المكالمات الهاتفية لبعض المصابين بـ«كوفيد-19»، للتحقق من الأشخاص الذين تواصلوا مع المرضى. وفي مدينة شيناي، التي تقع في ولاية تاميل نادو، ويبلغ عدد سكانها حوالي 7 ملايين نسمة، يمر عمال الصحة يوميًّا على المنازل لرصد كل من تظهر عليه أعراض شبيهة بمرض الإنفلونزا، وفحصه.

ويعتقد بابو أنه من السابق لأوانه الجَزْم بما إذا كان نهْج تتبُّع المخالطين واسع النطاق هذا قد نجح في أداء مهمته حتى الآن، أم لا، خاصةً في ولايات محددة، إذ لا يزال عدد الحالات المؤكدة في الهند منخفضًا، مقارنةً بكثير من الدول الأخرى، خاصة مع وضع ضخامة عدد سكان الهند في الاعتبار،  لكنْ ربما كان ذلك نتيجة لتدني معدلات الفحص، حسبما يقول.

ولكي تنجح الاستراتيجية الحالية، يجب أن يكون بمقدورها اكتشاف جميع حالات الإصابة بالعدوى، وهي مهمة شديدة الصعوبة، حسبما يقول رونوجوي أديكاري، عالِم الرياضيات في جامعة كامبريدج بالمملكة المتحدة، الذي شارك في كتابة ورقة بحثية في مرحلة ما قبل النشر، تضمنت تقديرات لانتشار الفيروس في الهند في حال وجود أو عدم وجود إجراءات للحدّ من انتشاره، مثل إغلاق مناطق انتشار المرض (نسخة ما قبل النشر من ورقة كل من آر. سينج وآر. أديكاري على خادم أركايف على الرابط: https://arxiv.org/abs/2003.12055; 2020). ووفقًا للنموذج الذي وضعه أديكاري، والذي لم يخضع لمراجعة الأقران، فحتى لو أفلت 100 مصاب فحسب من الرصد، وعادوا مرة أخرى إلى المجتمع بعد مضيّ فترة الإغلاق، وهذا محتمَل جدًّا، فإن عدد الإصابات سوف يعاود الارتفاع بسرعة كبيرة. ويضيف قائلًا: "هذا هو جوهر المسألة فعلًا. كم عدد الأشخاص الذين نقدر على تتبُّع صلاتهم بالحالات المصابة بالعدوى بفاعلية حقيقية؟".

يوضح نموذج أديكاري كذلك أن فَرْض التباعد الاجتماعي لفترة طويلة من شأنه المساعدة على الإبقاء على مستويات الإصابة عند حدودٍ يستطيع نظام الرعاية الصحية التعامل معها، لحين الانتهاء من تطوير لقاح.

لكن هذا يأتي بثمن. فإجراءات التباعد الاجتماعي الصارمة معناها إلزام المواطنين بالبقاء في بيوتهم، ومن ثم، لن يستطيع الكثير منهم العمل، لاسيما أولئك الذين يكسبون قوتهم يومًا بيوم. ويقول ريكاردو هاوسمان -عالِم الاقتصاد بجامعة هارفارد في كامبريدج بولاية ماساتشوستس- إن الدول النامية ليس لديها من المرونة الاقتصادية ما يُمَكِّنها من تقديم إعانات مالية لسكانها، بغرض إبقائهم في منازلهم لفترات طويلة.

وقد أعلنت الهند عن تقديم حزمة حوافز مالية للفقراء، قدرها 1.7 تريليون روبية (22.6 مليار دولار أمريكي)، بيد أن علماء الاقتصاد وصفوا هذه الحوافز بأنها متواضعة. ومن هنا، يجب على الهند أن توازن بين أعداد الوفيات التي ستنجم عن فقدان مصادر الرزق، وبين تلك التي سيسببها المرض، فعلى حد قول هاوسمان: "أولئك الذين سيُضطرون للبقاء في المنزل سيموتون جوعًا."