افتتاحيات

نحو تفسير التفوق العددي للمادة على المادة المضادة

اكتشافٌ مهم في فيزياء الجسيمات يُذكِّرنا بأهمية النتائج الأولية القوية.

  • Published online:

اعتبر كل من كلايد كوان، وفريدريك راينز -الفيزيائيَّين المتخصصَين في الأسلحة النووية- النيوترينو "أصغر جُسيم يكوِّن الواقع المادي، أمكن للإنسان تصوّره على الإطلاق". [اقتباس طبق الأصل]

جاء ذلك في تعقيبٍ1 أَدْلَيَا به لدورية Nature في عام 1956، نُشِر بعد بضعة أشهر من صدور ورقةٍ بحثية لهما في دورية «ساينس»2Science، يشرحان فيها التجارب التي اكتشفا بها النيوترينوات، وهي جسيمات دون ذرية، تفتقر إلى شحنةٍ كهربائية، ويصعُب رصدها للغاية؛ لأنَّ تفاعلها مع الأشكال الأخرى من المادة محدود للغاية. وقد تساءل كوان وراينز عن العلاقة بين النيوترينوات ونظيراتها: النيوترينوات المضادة. وبفضل ما أتيح لنا من العلوم الآن، اتضح أن هذا السؤال مهم إلى درجة كبيرة.

ويشير بعض الباحثين –ممن يسيرون مباشرة على خُطى كوان وراينز– إلى أنَّ الاختلافات بين النيوترينوات والنيوترينوات المضادة ربما تساعد على تفسير أحد أصعب ألغاز الكون3.

 وفي هذا السياق، تجدر الإشارة إلى أنه يُفترض أن كل جسيمٍ من المادة في بدايات الكون قد نشأ وبصحبته نظيره الذي يُسمَّى المادة المضادة، قبل حوالي 13.8 مليار سنة، وقت حدوث الانفجار العظيم، وإلى أن المادة المضادة هي نفسها المادة، لكن بوجود بعض الخصائص الفيزيائية المُعاكِسة، مثل الشحنة الكهربائية، أو -على الأقل- هذا هو ما تفترضه النظريات الحالية.

أمّا اللغز الكبير الذي يُحيِّر علماء الفيزياء، فهو السبب وراء وجود المادة بِقَدرٍ أكبر كثيرًا من المادة المضادة في الكون الحالي، وإنْ كانت هذه النسبة تصبّ في صالحنا؛ فلو كان الكون يحتوي على كمِّياتٍ متساوية من المادة والمادة المضادة، لبدَّد بعضها بعضًا في حريق مفعم بالطاقة، يترك الكون مليئًا بالفوتونات، والمادة المظلمة، لا غير.

وبعد عشر سنواتٍ من اكتشاف كوان وراينز للنيوترينو، اقترح أندريه ساخاروف -الفيزيائي الروسي، وناشط حقوق الإنسان- آليةً يمكن من خلالها تفسير كيف جرى خرْق هذا التوازن –أو التماثل– بين المادة والمادة المضادة، فكان أحد الأسباب التي اقترحها ساخاروف أنَّ ذلك التماثل لم يكن مثاليًّا من الأصل، وأنَّ كلا من المادة والمادة المضادة تُظْهِران خصائص مختلفة قليلًا عن الأخرى. وربما أدَّى هذا الاختلاف إلى تكوين فائضٍ من المادة أثناء التبريد الذي حدث بعد الانفجار العظيم بفترة قصيرة.

والسؤال الآن.. هل كان ساخاروف مُحِقًّا؟ إحدى تجارب فيزياء الجسيمات التي تُسمَّى «توكاي تو كاميوكا» Tokai to Kamioka، المعروفة اختصارًا بـ«تي تو كيه» (T2K)، والتي تُجرى عبر تعاونٍ دولي بين مئات من علماء الفيزياء، توعز إلى أن ساخاروف ربما كان على حق.

وفي هذه التجربة يجري توليد نيوترينوات في «مُجمَّع أبحاثِ مُسرِّع البروتونات الياباني» (J-PARC)، الواقع في منطقة توكاي على الساحل الشرقي لليابان، ثم تُطلَق هذه النيوترينوات من هناك تحت الأرض، لتسافر مسافة قدرها 295 كيلومترًا إلى مرصدٍ نيوترينوات يُسمَّى «سوبر كاميوكاندي» على الساحل الغربي. ويتمثل أهم عنصر بهذا المرصد في خزَّان مياه ضخمٍ مُبطَّن بآلاف من أجهزة الكشف المجهزة لالتقاط الضوء المنبعث عند لحظة تفاعل النيوترينوات مع المياه. ونظرًا إلى أنَّ احتمالية تفاعل النيوترينوات ضئيلةٌ للغاية، تستغرق هذه التجارب سنواتٍ لجمْع بياناتٍ كافية، يمكن للعلماء استخلاص استنتاجاتٍ ذات دلالة منها. فعلى سبيل المثال.. استغرقت تجربة «تي تو كيه» عشر سنوات لرصد 90 جُسيم نيوترينو، و15 جُسيم نيوترينو مضاد فحسب، وذلك من أصل حوالي 1020 اصطدام بروتوني يُحتمل توليده للنيوترينوات، أحدثه العلماء بمُجمَّع أبحاث مُسرِّع البروتونات الياباني.

وباستخدام هذه البيانات، أجرى الباحثون المشاركون في تجربة «تي تو كيه» قياسًا لاحتمالية تذبذُب النيوترينو بين خصائص فيزيائية مختلفة، يُطلِق عليها الفيزيائيون وصف «النكهات»، في أثناء رحلته. بعد ذلك.. أجرى أفراد الفريق البحثي التجربة نفسها مع النيوترينوات المضادة، وقارنوا بين أرقام كلا نوعي الجسيمات، فإذا كانت المادة والمادة المضادة متماثلتين تمامًا، فينبغي أن تكون احتمالات تذبذب كلتيهما متساوية، لكنَّ النتائج -على العكس- تشير إلى أنَّهما ليسا كذلك، إذ رصدت تجربة «تي تو كيه» احتماليةً أعلى لتغيُّر نكهة النيوترينوات في أثناء رحلتها البالغة 300 كيلومتر –واحتماليةً أقل لتغيُّر نكهة النيوترينوات المضادة في المقابل– مقارنةً بتوقع الباحثين لما سيكون عليه الحال، لو كان سلوكهما متطابقًا.

 نتائج تنتظر التحقق منها

وصحيحٌ أنَّ هذا الاكتشاف -إذا أمكن تأكيده- يضفي مصداقيةً على تفسير ساخاروف الذي طَرَحه في عام 1967 حول أنَّ المادة والمادة المضادة لهما خصائص مختلفة4، إلا أن ثمة تحَفُّظ يجب الانتباه إليه، وهو أن الاكتشاف الحالي لا يفي بمستوى الثقة المطلوب –المعروف باسم 5 سيجما (5σ)– الذي يضعه علماء فيزياء الجسيمات عادةً شرطًا لاعتبار النتيجة اكتشافًا، إذ تقف النتائج الحالية لتجربة «تي تو كيه» عند مستوى 3 سيجما من الدلالة الإحصائية، وتنخفض إلى المستوى 2 سيجما إذا استُبعِدَ التماثل بين المادة والمادة المضادة تمامًا.  

ومع ذلك.. فمن المهم نَشَر كل تقدُّم محرَز في مثل هذا العمل المؤسِّس، إذ يُمكن أن يستغرق التخطيط لتجارب فيزياء الجسيمات وتصميمها عقودًا. ولذا.. فإن النتائج التي لم تصل بعد إلى مستوى الدلالة الإحصائية 5 سيجما تلعب دورًا حاسمًا في إرشاد قرارات مجتمع علوم فيزياء الجسيمات بشأن الاستثمارات المستقبلية.  

وصحيحٌ أنَّ الباحثين كان بإمكانهم الانتظار فترةً أطول، ولكنْ حتى لو كانوا قد انتظروا، كان مِن المستبعَد أنْ توفِّر تجربة «تي تو كيه» المعطيات الإضافية المطلوبة لتجاوز حدّ 5 سيجما، وذلك لأنَّ الوصول إلى المستوى 5 سيجما يتطَّلب حصول العلماء على نتائج يقدمها الجيل التالي من مراصد النيوترينوات. ولحُسن الحظ، فهناك ثلاثة مراصد من هذا النوع ستبدأ العمل في الأعوام المُقبِلة، هي مرصد «هايبر كاميوكاندي» Hyper-Kamiokande، الذي يقع بالقرب من مرصد «سوبر كاميوكاندي»، والذي يُتوقع أن يبدأ العمل في عام 2027، ومرصد «ديون» (DUNE) في الولايات المتحدة، المقرَّر أن يبدأ العمل في عام 2025، ومرصد «جونو»(JUNO) ، في الصين، الذي يؤمل في أن يصبح في عام 2022 أول مرصدٍ من المراصد الثلاثة يبدأ العمل.

وسيتضح بمرور الوقت ما إذا كانت هذه الملاحظات الأوّلية ستثبت صحتها، أم لا،لكن في الوقت الذي تخضع فيه الاستثمارات الكبيرة في فيزياء الطاقة العالية إلى تدقيقٍ متزايد، فإن هذه النتائج تُعزِّز أهمية مواصلة البحث عن إجاباتٍ لبعضٍ من أكثرألغاز الكون غموضًا.

References

  1. Reines, F. & Cowan C. L. Jr Nature 178, 446–449 (1956). | article
  2. Cowan, C. L. Jr, Reines, F., Harrison, F. B., Kruse, H. W. & McGuire, A. D. Science 124, 103–104 (1956). | article
  3. The T2K Collaboration Nature 580, 339–344 (2020). | article
  4. Sakharov, A. Soviet Phys. Uspek. 34, 392 (1967). | article